تطبيقات على منهج الصحابة - رضوان الله عليهم - في المحافظة على ثبات الأحكام
إن جيل الصحابة - رضوان الله عليهم - أعلم أجيال هذه الأمة بالوحي ولغة العرب، وأصدقها في الفهم والنقل، وأحرصها على حراسة هذه الشريعة ونصرتها ودفع الشبه عنها بحيث صار هذا الجيل هو القدوة العملية والحجة على كافة الأجيال بعد ذلك، تحقيقًا لقوله تعالى في سورة التوبة:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢).
_________________
(١) مسألة رقم ١٣٨ - ١٣٩ - ١٤٠.
(٢) سورة التوبة: آية ١١٩.
[ ١٢١ ]
فقد وصفهم الله بالصدق فمن أراده فليلزمْ طريقَهم، ويتبعْ منهجهم فلقد كانوا حريصين حرصًا بالغًا على المحافظة على هذه الشريعة، وشمل هذا الحرص المحافظة على نصوصها والمحافظة على فهمها، ليتحقق لهم وللأجيال من بعدهم ثباتًا في النص وثباتًا في الفهم (١).
فكان من كبار الصحابة - رضوان الله عليهم - من يترك "المندوب" المستحب مخافة أن يعتقد الناس أنه واجب، وهذا منهم محافظة على ثبات الحكيم الشرعي، لأن ما كان مستحبًا ينبغي أن يكون كذلك ومن اعتقد أنه واجب بُيّن له بالقول وبالفعل أنه غير واجب، فَتَرْكُ بعض الصحابة له بيانٌ بالعمل على أنه ليس بواجب، وهذا البيان -وهو المحافظة على ثبات الحكم آكد- فهو إذن مقدم على فعل المستحب.
_________________
(١) قد يقال إن الله قد تكفل بحفظ كتابه، حكى أبو عمرو الداني في طبقات القراء له عن أبي الحسن بن المنتاب قال: كنت يومًا عند القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق، فقيل له: لِمَ جاز التبديل على أهل التوراة، ولم يجز على أهل القرآن؟ فقال القاضي: قال الله -﷿- في أهل التوراة "بما استحفظوا من كتاب الله" فوكل الحفظ إليهم، فجاز التبديل عليهم، وقال في القرآن: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون". فلم يجز التبديل عليهم، الموافقات ٢/ ٤٠. وهذا حق، ولكن الله ابتلى هذه الأمة بأنْ أمرها بتعلّم الكتاب والسنة وتعليمهما وتطبيقهما في واقع الأرض ودعوة البشرية للاسلام وجعل لذلك طريقًا محددًا يميّز بين الحق والباطل، من اتبعه في فهم هذه الشريعة نجى ومن حاد عنه هلك، يمثل هذا الطريق قوله - ﵊ - في وصف الفرقة الناجية: "ما أنا عليه وأصحابي" وقد تحدث عنه الشاطبي وأبرزه في الاعتصام تحت عنوان: "الباب العاشر في بيان معنى الصراط المستقيم الذي انحرفت عنه سبل أهل الابتداع فضلت عن الهدى بعد البيان" ٢/ ٢٩٠ - فمن سلك طريق الصحابة في الفهم نجى، ومن خالف عن طريقهم هلك، ونسأل الله السلامة، وسيأتي في هذه الرسالة إن شاء الله توضيح لمعالم منهج الاستدلال عندهم مع كشف مسالك النظر المخالفة لعل الله أن يلحقنا بصحابة نبيه - ﷺ - غير مبدّلين ولا مغيرين. فإن ذلك علامة الصدق في الدين، "ولا يصلح آخر هذه الأمة إلّا بما صلح به أولها".
[ ١٢٢ ]
ونضرب لذلك مثالًا يثبت ما نقصد إليه، ونكتفي ببيان موقفهم من "الأضحية" وهي مستحبة عند أكثر أهل العلم (١)، وقد كان أبو بكر وعمر وأبو مسعود الأنصاري لا يُضَحون لكي لا يظُن الناسُ أن الأضحية واجبة وحتم عليهم، روى أبو سريحة الغفاري قال: "ما أدركت أبا بكر أو رأيت أبا بكر وعمر - ﵄ - كانا لا يضحيان -في بعض حديثهم- كراهية أن يُقْتدى بهما" (٢).
وعن أبي مسعود الأنصاري - ﵁ - قال: "إنّي لأدع الأضحى وإني لموسر مخافة أن يرى جيراني أنه حَتْمٌ عليّ" (٣).
وهذا من الصحابة محافظة بالعمل -على ثبات الحكم- الذي هو مطلوب من كل من يُقْتدى به فإن القول قد لا يكفي في البيان في بعض الأحيان فلا بد من الفعل. وهذا دليل على أن الحكم يجب أن يبقى على الصفة التي شُرِعَ عليها وهذا هو معنى ثبات الحكم، فالأضحية مثلًا مندوب إليها وقد يظن بعض الناس أنها واجبة فبيّن كثير من الصحابة حكمها بالعمل، والبيان آكد، وذلك ليعلم من ظن وجوبها أنها ليست واجبة، إذْ لو كانت واجبة ما تركها هؤلاء الأئمة الذين يُقْتدى بهم.
_________________
(١) انظر المغني لإبن قدامة ٩/ ٤٣٥ - حققه محمود فايد، وعبد القادر عطا الطبعة الأولى ١٣٨٩ هـ، وأكثر أهل العلم على أنها سنة مؤكدة، وأجابوا عما استدل به من قال بوجوبها بعدة أجوية -٩/ ٤٣٥ - ٤٣٦، وبصرف النظر عن تفصيل القول في هذه المسألة فإن المقصد من الإتيان بها متحقق بدون ذلك، لأنا نقصد بيان موقف كبار الصحابة من المحافظة على الحكم الشرعي كما علموه والتأكيد على ذلك في منهج تربوي عملي.
(٢) أخرجه البيهقي ٩/ ٢٩٥ وأبو سريح هو حذيفة بن أُسيّد صاحب رسول الله - ﷺ -. وقال الألباني حديث صحيح ٤/ ٣٥٥ إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل - إشراف زهير الشاويش - الطبعة الثانية - المكتب الإِسلامي ١٤٠٥ هـ.
(٣) أخرجه البيهقي أيضًا ٩/ ٢٩٥ وصححه الألباني - إرواء الغليل ٤/ ٣٥٥ وقد نقل الإِمام الشاطبي شيئًا من هذه الآثار واستدل بها على محافظة الصحابة على استقرار الأحكام. انظر الموافقات ٣/ ٢٠٧.
[ ١٢٣ ]
وكما لا يُسوى بين المندوب والواجب حتى لا تتغيّر الأحكام وتتبدّل كذلك لا يُسوى بين المباحات والمندوبات ولا بينها وبين الكروهات، قال الإِمام الشاطبي: "المباحات من حقيقة استقرارها مباحات أنْ لا يُسوى بينها وبين المندوبات ولا المكروهات" (١).
و"المكروهات من حقيقة استقرارها مكروهات أن لا يسوى بينها وبين المحرمات ولا بينها وبين المباحات" (٢).
ومن أمثلة ذلك: قول النبي - ﷺ - عن كراهيته لأكل الضب: " لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" (٣)، وأُكِلَ على مائدته فأقر ذلك، فظهر أنه مباح الأكل، فلمْ يُسو بينه وبين الحرام أو المكروه، وكذلك المكروهات لو سُوّي بينها وبين المحرمات لتوهمها الناس محرمات فإذا طال عليهم العهد صيّروا تركها واجبًا (٤).
وهذا التقرير من الإِمام الشاطبي حسن، ولا يُقال إن في ذلك ارتكابًا للمكروه أو تركًا لمندوب. فقد أجاب -﵀-: بأن البيان آكد، وذلك أن المحافظة على استقرار الأحكام - بحيث يبقى الحرام حرامًا فلا يلتبس بغيره من الأحكام الأخرى، ويبقى الواجب واجبًا فلا يلتبس بغيره، وكذلك المندوب والمكروه والمباح - المحافظة هذه آكد لأنها بيان -ممن يُقْتدى بهم- لازم لاستقرار أحكام الشريعة (٥)، وبعدم تحقق ذلك يتحقق الضد وهو عدم استقرار الأحكام فيلْحقها التغيير والتبديل، فيكون المندوب واجبًا وهو ليس كذلك وهكذا في بقية الأحكام.
_________________
(١) الموافقات ٣/ ٢١١.
(٢) الموافقات ٣/ ٢١٢.
(٣) الحديث قطعة من حديث ابن عباس عن خالد - ﵃ -، كتاب الذبائح والصيد، باب الضب من صحيح البخاري بشرح فتح الباري ٩/ ٦٦٢ - ٦٦٣.
(٤) الموافقات ٣/ ٢١٢.
(٥) الموافقات ٣/ ٢١٢ - ٢١٣.
[ ١٢٤ ]
ومقصود الشارع كما تبين من قبل هو المحافظة على ثبات الأحكام واستقرارها ولذلك فإن البيان الذي تمثل في فعال الصحابة كما ورد في الأمثلة السابقة آكد لتحقيق ذلك المقصود. وقد توسع الشاطبي في عرض الأمثلة في المسألة السادسة والسابعة والثامنة (١).
ويصرح الإِمام الشاطبي بهذا المعنى أيضًا في المسألة التاسعة فيقول عن الواجبات والمحرمات: "فمن حقيقة استقرار كل واحد من القسمين أن لا يُسوّى بينه وبين الأخر لأن في تغيير أحكامها تغيرها في أنفسها" (٢).
فالأحكام ثابتة والبيان -مع ما فيه من بعض المحذورات- آكد للمحافظة على استقرار الأحكام وعدم تغييرها، وبهذا الدليل يتقرر أن الصحابة كانوا ملاحظين لها المعنى مثابرين على هذا البيان لكي تسقر أحكام الشريعة فما كان حرامًا فهو حرام إلى يوم القيامة وما كان واجبًا فهو واجب إلى يوم القيامة وما كان مندوبًا فهو مندوب إلى يوم القيامة وقدوتهم في ذلك هو رسول الله - ﷺ - كما مر في حديث أكل الضب .. وكما في تركه الصلاة بالناس في التهجد في رمضان مخافة أن يظن الناس أن مداومته عليها دليل على وجويها وهو تأويل متمكن (٣).
وقد تكلم الشافعي عن سنة رسول الله - ﷺ - فذكر أنها بيان للقرآن، وذكر من الأمثلة ما يؤكد ذلك ثم قال: "وفيه دلائل على أن ما حرم رسول الله - ﷺ - حرام بإذن الله تعالى إلى يوم القيامة بما وصفت وغيره من افتراض الله تعالى طاعته في غير آية من كتابه .. " (٤).
_________________
(١) الموافقات ٣/ ١٩٦ وقد ذكر الشاطبي في فصل البيان والإجمال أن البيان كما يكون بالقول يكون بالفعل وبنى عليه مسائل مهمة.
(٢) الموافقات ٣/ ٢١٧.
(٣) وهذا ما أشار إِليه الشاطبي وهو مفيد في مسألتنا مع أنه أشار أيضًا إلى التفسير الأخر وهو خوف أن تُفْرض على الناس. الموافقات ٣/ ٢٠٧ والحديث في صحيح البخاري بشرح فتح الباري برواية عائشة - ﵂ -، ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١.
(٤) الأم ٥/ ١٢٧ - للإمام الشافعي أشرف على طبعه محمد النجار، دار المعرفة بيروت - الطبعة الثانية - ١٣٩٣ هـ - وانظر الرسالة ص ١٥١.
[ ١٢٥ ]
وكلام الشافعي في معنى ما نقل عن الصحابة - رضوان الله عليهم -، فقد كانوا يقتدون برسول الله - ﷺ - فيحافظون على استقرار الأحكام لتكون ثابتة حتى في أفهام العامة وذلك لأن عدم استقرارها يؤدي إلى تغييرها في نفسها. وبعد عصر الصحابة تجد عمر بن عبدالعزيز -﵀- يذكر بهذا المعنى في خطبته لما بايعه الناس حيث قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: "أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبي ولا بعد كتابكم كتاب ولا بعد سنتكم سنة، ولا بعد أمتكم أمة، ألا وإن الحلال ما أحل الله - في كتابه على لسان نبيه حلال إلى يوم القيامة ألا وإن الحرام ما حرم الله في كتابه على لسان نبيه حرام إلى يوم القيامة، ألا وإني لست بمبتدع ولكن متّبع، ألا، وإني لست بقاضي (١) ولكني منفذ، ألا وإني لست بخازن ولكني أضع حيث أُمرت ألا وإني لست بخيركم ولكني أثقلكم حملًا، ألا ولاطاعة لمخلوق في معصية الخالق، ثم نزل" (٢).
وفي هذه الخطبة يبْرز موقف السلف من المحافظة على ثبات الأحكام وأنهم يجعلون ذلك عقيدة لهم يدعون إليها ويربون الأمة عليها، ولو أن المسلمين أدركوا ذلك كما أدركه السلف الصالح واعتقدوه ودعوا إليه وحافظوا عليه لاستقرت الأحكام في مجتمعاتهم ولصدو هجوم الغزو الفكري المتمثل في القوانين الوضعية ونبذوها ولقالوا للناس كافة أنه ليس بعد هذا الكتاب كتاب ولا بعد السنة سنة ولا بعد هذه الأمة أمة .. لو فعلوا ذلك لكانت هذه الأمة بيدها مقاليد البشرية تعلمها الحق وتحكمها بهذه الشريعة .. ولكن التغيير والتبديل الذي وقعت فيه طوائف كثيرة من هذه الأمة جعلها تتبع غير سبيل المؤمنين وجعل الغزو الفكري ينفد إلى أهم مواقعها ويحيط هذه الأمة بشبه كثيرة وينشر بينها أفكار المذاهب المعاصرة وأنظمتها بدعوى عدم شمولية الشريعة للأحوال المتجددة (٣)، ونحن نذكّر بعقيدة الصحابة والتابعين على هذا النحو ونؤكد على
_________________
(١) علق المحقق الشيخ محمد رشيد رضا فبيّن أنّ المقصود من قوله هذا أنه ليس بمشرّع ولكنه منفذ وهو كما قال، الاعتصام ١/ ٨٦.
(٢) الاعتصام ١/ ٨٦.
(٣) سيأتي مناقشة المستشرقين ونقض دعواهم إن شاء الله.
[ ١٢٦ ]
"ثبات الشريعة" كليات وجزئيات (١) لأن ذلك هو الطريق لإقامة أحكام الشريعة، فلا نستطيع أن نتصور شمولًا لأحكامها بغير ثبات لها، والأمر هنا أمر عقيدة، ولذلك اجتهد الصحابة في المحافظة على ثبات الأحكام لأنه لا بد أن يعتقد المسلمون أن الحرام حرام إلى يوم القيامة وأن الواجب واجب إلى يوم القيامة، وأن المندوب مندوب إلى يوم القيامة، فيتضح الحق في نفوسهم ويميّزون بينه وبين أحكام الجاهلية ويحولون بينها وبين مجتمعاتهم وقلوبهم وعقولهم وينفرون ويتبرؤون من أهلها مهما بلغوا من القوة المادية تمامًا كما فعل السلف الصالحٍ - رحمهم الله تعالى - حيث حالوا بين السنة والبدعة وجعلوا بينهما حجرًا محجورا لكي ينجلي الحق وتندفع الشبه.
ومن كلام عمر بن عبد العزيز الذي حفظه العلماء - وكان يعجب مالكًا جدًا - قوله -﵀-: "سن رسول الله - ﷺ - وولاة الأمر من بعده سننًا (٢) الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من عمل بها مهتد ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا" (٣) وإذا تأملنا في كلامه -﵀- وجدنا الربط بين الشريعة والعقيدة جليًا واضحًا وتظهر معالمه في هذه الأمور:
الأول: أن الوقوف عند الفهم الصحيح للإِسلام كتابًا وسنة تصديق بالوحي وقوة في الدين.
_________________
(١) سيأتي مناقشة القائلين بتغير بعض الجزئيات وتصوير مذهبهم في دراسة خاصة إن شاء الله.
(٢) سنة الخلفاء الراشدين من سنة رسول الله - ﷺ - فقد أمر رسول الله باتباع سنتهم في قوله: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ .. " سنن أبي داود.
(٣) انظر الاعتصام ١/ ٨٧ وقد علق عليه الشاطبي -﵀- بتعليق نفيس فراجعه ومنه قوله: "وفي كلام عمر قطع لمادة الابتداع جملة".
[ ١٢٧ ]
الثاني: أن على المسلمين أن يعتقدوا أنه ليس لأحد أن يغيّر أو يبدّل من أحكام هذه الشريعة فمن فعل ذلك ساء مصيره واتبع غير سبيل المؤمنين فعليهم أن يتبرؤا منه لأنه سلك طريقًا غير طريقهم واتبع منهجًا غير منهجهم.
الثالث: يجب عليهم أن يعتقدوا أنه ليس لأحد منهم أن ينظر فيما خالفها ومن فعل ذلك اتبع غير سبيل المؤمنين.
وهذا الثبات الذي حافظ عليه التابعون تعلموه من الصحابة - رضوان الله عليهم - وقد تعلموه جميعًا من هذا القرآن الذي دل على ثبات هذه الشريعة، فإن نزولها بالحق وعصمتها وعصمة رسولها وعصمة الأمة في مجموعها كل ذلك من قواعد الثبات سواء في الكليات أو الجزئيات، مع العلم أن كلياتها قد استقرت سواء الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات، لأن كل ما يعود بالحفظ على الدين والعقل والنفس والعرض والمال ثابت، وذلك في جميع الرسالات (١) ثم تتابع نزول الجزئيات فكملت الشريعة قبل وفاة الرسول - ﷺ - فحفظت الأمة الكليات والجزئيات معًا، وحفظ الله كتابه وسنة رسوله - ﷺ - من سابق الأزل كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ وانقطع الوحي بعد وفاة الرسول - ﷺ - لأن الوحي إنَّما هو من الله، والرسول بشر يوحى إليه:
_________________
(١) ومن الآيات الدالة على"ذلك قوله تعالى: " ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ " الشورى آية: ١٣، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ سورة الأحقاف: ٣٥. ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ سورة الحج: آية ٧٨ وفي قصة موسى - ﵇ - أمره بإقامة الصلاة بعد التوحيد: ﴿إِنَّي أَنَا الله لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ سورة طه: آيه ١٤. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ سورة البقرة: آية ١٨٣. ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ سورة القلم: آية ١٧، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أي كتبنا عليهم في التوراة، سورة المائدة: آية ٤٥ .. وقد اعتبرت الحاجيات مع الضروريات لأنهم لم يكلفوا بما لم يطيقوا .. وكذلك الأمر في الرسالة الخاتمة. انظر الموافقات ٣/ ٨٠.
[ ١٢٨ ]
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١).
فلما انقطع الوحي انقطع التشريع ومثله النسخ والتبديل والتغيير، فما كان حكمًا لله فهو كذلك إلى يوم القيامة لأن هذه الشريعة وُضعت على الكلية والأبدية، فلو تصور أحد بقاء الدنيا إلى غير نهاية لكانت هذه الشريعة حجة على الخلق على الإِطلاق والعموم.
* * *
_________________
(١) سورة الكهف: آية ١١٠.
[ ١٢٩ ]