الدليل الثالث
إن العصمة ثابتة لهذه الشريعة ولرسولها - ﷺ - ولهذه الأمة فيما اجتمعت عليه:
وهذا يؤكد معنى ثبات الشريعة، فهي معصومة أبدًا من الخطأ والزلل والعبث، ومنزهة عن كل عيب، فكما أن الله سبحانه الذي أنزلها منزه عن كل نقص موصوف بكل كمال:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢).
فكذلك هذه الشريعة منزهة عن الخلل والاختلاف ومبرئة من كل نقص وموصوفة بكل كمال.
فمن آمن بأن الله منزه عن الظهير والشريك والند والمثيل وجب عليه أن يؤمن بان شريعته هي الحق وما خالفها هو الباطل.
وإذا انتفى النقص والخلل في الشريعة انتفى التعقيب عليها، فهي إذن شريعة ربانية موصفة بكل كمال، فلا يسوى بها غيرها أو يقدم عليها.
ويؤكد ملازمة هذا الوصف لها أن الله ختمها وأخبرنا بحفظها وجعل نبيها معصومًا، وأمته فيما اجتمعت عليه معصومة، وسيأتي الحديث عن الإِجماع في موضعه ونكتفي هنا ببيان كيفية الحفظ الذي وعد الله به عباده من خلال دراسة بعض الآيات ومن ذلك قوله تعالى:
_________________
(١) الموافقات ٢/ ٢٦.
(٢) سورة الشورى: آية ١١.
[ ١١٦ ]
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).
فقد حفظ الله هذا القرآن من أن يزاد فيه أو ينقص منه:
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٢).
ومَنْعُ القرآن من الخلل والفساد وحفظه واتقانه كل ذلك من معنى الإِحكام الوارد في قوله تعالى:
﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ (٣).
فالإحكام الاتقان والمنع من الفساد كما ورد في لسان العرب (٤) وأحكم الله آياته أي منعها من الفساد والخلل والدخل والباطل وهو تفسير قتادة واختيار الطبري وقال عنه القرطبي وهو أحسن ما قيل في تفسير الآية (٥).
ومثلها في إفادة هذا المعنى قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ (٦).
قال الشاطبي عند هذه الآية مبينًا أنّ الحفظ يشمل السنة كذلك، قال: "فأخبر أنه يحفظ آياته ويُحْكمها حتى لا يخالطها غيرها، ولا يداخلها التغيير ولا التبديل، والسنة وإنْ لم تُذكر فإنها مُبيّنةُ له ودائرة حوله، فهي منه، وإليه
_________________
(١) سورة الحجر: آية ٩.
(٢) سورة فصلت: آية ٤٢.
(٣) سورة هود: آية ١.
(٤) مادة حكم ٢/ ١٤٣.
(٥) جامع البيان ١١/ ١٨٠، الجامع لأحكام القرآن ٤/ ١٠، ٩/ ٢.
(٦) سورة الحج: آية ٥٢.
[ ١١٧ ]
ترجع في معانيها، فكل واحد من الكتاب والسنة يعضد بعضه بعضًا، ويشد بعضه بعضًا" (١).
ثم ذكر أدلة أُخرى على الحفظ (٢)، ثم قال: "وهو كله من جملة الحفظ، والحفظ دائم إلى إن تقوم الساعة، فهذه الجملة تدلك على حفظ الشريعة وعصمتها عن التغيير والتبديل" (٣).
قال الغزالي في المستصفى: "السلف من الأئمة مجمعون على دوام التكليف إلى يوم القيامة" (٤) ولا يتحقق ذلك إلا بثبوت الشريعة وسلامتها من التغيير والتبديل، وإلّا فإنها لو تغّيرت وتبدّلت لانقطع التكليف بها.
ولقد تحقق حفظ هذه الشريعة من التغيير والتبديل وذلك بما يسره الله ﷾ حيث قيّض لها من يحفظها، فجعل الأمة بمجموعها حافظة للشرع، فالعصمة في الحفظ ثابتة لكل طائفة بحسب ما حملته من الشرع، وهذا واقع مشهود تحقق به وعد الله سبحانه الذي تكفل بحفظ هذه الشريعة:
١ - فالقراء معصومون في حفظ القرآن وتبليغه.
٢ - والمحدثون معصومون في حفظ الحديث وتبليغه.
٣ - والفقهاء معصومون في فهم الكلام والاستدلال في الأحكام وهذا هو الواقع المعلوم .. (٥).
_________________
(١) الموافقات ٢/ ٤٠ وانظر ٤/ ١٥٥.
(٢) الموافقات ٢/ ٤٠ - ٤١.
(٣) الموافقات ٢/ ٤١.
(٤) ١/ ١٨٨ وقال بعد ذلك: "وفي ضمنه الإِجماع على استحالة اندراس الأعلام" وذلك يقتضي ثباتها.
(٥) منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية ٣/ ٢٧١ لشيخ الإِسلام ابن تيمية - طبعة بيروت - دار الكتب العلمية. وقد ذكر هذا في مقام الرد على مذهب الشيعة.
[ ١١٨ ]
نعم هذا هو الواقع المعلوم الممتد من زمن رسول الله - ﷺ - إلى الآن واسمع للإِمام الشاطبي يُبين هذا في عبارة رصينة مستدلًا به على عصمة الشريعة وحفظها من التبديل والتغيير، فيقول: "الاعتبار الوجودي الواقع من زمن رسول الله - ﷺ - إلى الآن، وذلك أن الله وفّر دواعي الأمة للذب عن الشريعة والمناضلة عنها بحسب الجملة والتفصيل:
أمّا القرآن الكريم فقد قيّض الله له حفظه بحيث لو زِيدَ فيه حرف واحد لأخرجه الآلاف من الأطفال الأصاغر فضلًا عن المَراء الأكابر، وهكذا جرى الأمر في جملة الشريعة، فقيّض الله لكل علم رجالًا حَفِظَهُ على أيديهم، فكان منهم قوم يذهبون الأيام الكثيرة في حفظ اللغات والتسميات الموضوعة في لسان العرب حتى قرروا لغات الشريعة في القرآن والحديث وهو الباب الأول مر أبواب الشريعة إذْ أوحاها الله إلى رسوله على لسان العرب.
ثم قيض رجالًا يبحثون عنِ تصاريف هذه اللغات في النطق فيها رفعًا ونصبًا وجرًا وجزمًا وتقديمًا وتأخيرًا وإبدالًا وقلبًا واتباعًا وقطعًا وإفرادًا إلى غير ذلك من وجوه تصاريفها في الِإفراد والتركيب، واستنبطوا لذلك قواعد ضبطوا بها قوانين الكلام العربي على حسب الإمكان، فسهّلَ الله بذلك الفهم عنه في كتابه وعن رسوله - ﷺ - في خطابه.
ثم قيّض الحق سبحانه رجالًا يبحثون عن الصحيح من حديث رسول الله - ﷺ - وعن أهل الثقة والعدالة من النقلة حتى ميّزوا بين الصحيح والسقيم وتعرفوا التواريخ وصحة الدعاوى في الأخذ لفلان من فلان حتى استقر الثابت المعمول به من أحاديث رسول الله - ﷺ -.
وكذلك جعل الله العظيم لبيان السنة من البدعة ناسًا من عبيده بحثوا عن أغراض الشريعة كتابًا وسنة، وعما كان عليه السلف الصالحون وداوم عليه الصحابة والتابعون، وردوا على أهل البدع والأهواء حتى تميز أتباع الحق عن أتباع الهوى.
[ ١١٩ ]
وبعث الله تعالى من عباده قراء أخذوا كتابه تلقيًا من الصحابة وعلّموه لمن يأتي بعدهم، حرصًا على موافقة الجماعة في تأليفه في المصاحف حتى يتوافق الجميع على شيء واحد ولا يقع في القرآن اختلاف من أحد من الناس.
ثم قيّض الله تعالى أناسًا يناضلون عن دينه ويدفعون الشبه ببراهينه وبعث الله من هؤلاء سادة فهموا عن الله وعن رسول الله - ﷺ - فاستنبطوا أحكامًا فهموا معانيها من أغراض الشريعة في الكتاب والسنة: تارة من نفس القول وتارة من معناه، وتارة من علة الحكم حتى نزلوا الوقائع التي لم تُذْكر على ما ذُكِر وسهّلوا لمن جاء بعدهم طريق ذلك ..
وهكذا جرى الأمر في كل علم توقف فهم الشريعة عليه أو احْتِيجَ في ايضاحها إليه وهو عين الحفظ الذي تضمنته الأدلة المنقولة وبالله التوفيق" (١).
ولا يقال كيف يتم الحفظ - الذي هو قاعدة من قواعد الثبات والشمول مع أنه لايمكن لأحد من أهل العلم بالعربية أن يجمع لغة العرب، ولا يمكن لمحدّث أن يجمع الحديث كله، وهكذا في سائر العلوم التي تخدم الشريعة. لأنّا نجيب بما ذكره الإِمام الشافعي -﵀- في الرسالة حيث أشار إلى أن الله قد حفظ علم الشريعة حيث قيض له رجالًا يقومون بجمعه وحفظه، فلا يضيع منه شيء.
فلسان العرب محفوظ لا يجمعه عالم واحد ولا يضيع علمه عن علماء اللغة، وكذلك علم الحديث محفوظ لا يجمعه عالم بالحديث ولا يضيع علمه عن علماء الحديث.
وما ذكره الإِمام ابن تيمية وفضّله الشاطبي أصله في الرسالة للإِمام الشافعي عند كلامه على أن القرآن إنما نزل بلسان العرب، فمن علم لسان العرب أمكنه أن يعلم كتاب الله .. فقال: "ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا
_________________
(١) الموافقات ٢/ ٤١ - ٤٢.
[ ١٢٠ ]
وأكثر ألفاظًا ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه.
والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه: لا نعلم رجلًا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء، فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن وإذا فُرّق عِلْمُ كلِ واحدٍ منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجودًا عند غيره .. " (١). وبهذا حفظ الله ﷾ دينه فلم يذهب من علم الحديث على المحدّثين شيء، ولا من علم الفقه على الفقهاء شيء، ولا من علم التفسير على المفسرين شيء، ولا من علم العربية على علمائها شيء وهكذا في سائر العلوم وهذا متحقق ومشاهد والحمد لله، وهو آية من آيات الله دالة على بقاء هذا الدين ما بقيت الحياة على هذه الأرض ولقد كان للقراء والمحدثين والفقهاء .. أسوة في صحابة رسول الله - ﷺ - حيث كانوا محافظين على هذه الشريعة من حيث ثبات نصوصها وثبات الفهم الصحيح لها، وإذا كنا تحدثنا عن الأول في هذا المطلب فلنتحدث عن الثاني في المطلب الآتي وبالله التوفيق.