قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا أبو عبد الصمد، حدثنا مالك بن دينار قال: وجدت في بعض الحكمة: لا خير لك في أن تعلم ما لم تعلم ولما تعمل بما قد علمت، قال: مثل ذلك مثل رجل احتطب حطبًا، فحزم حزمة، ثم ذهب يحملها، فعجز عنها، فضم إليها أخرى.
"الزهد" ص ٦٥
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا هشام الدستوائي قال: إن في حكمة عيسى ابن مريم ﵇: تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل، ويحكم علماء السوء، الأجر تأخذون، والعمل تضيعون،
[ ٥ / ٤٠ ]
توشكون أن تخرجوا من الدنيا إلى ظلمة القبور وضيقها، واللَّه نهاكم عن المعاصي، كما أمركم بالصوم والصلاة، فكيف يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من آخرته، وهو في الدنيا أفضل رغبة؟ كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته، وهو مقبل على دنياه؟ وما يضره أشهى إليه مما ينفعه؟ ! كيف يكون من أهل العلم من سخط رزقه، واحتقر منزلته، وهو يعلم أن ذلك من علم اللَّه وقدرته؟ ! كيف يكون من أهل العلم من آتهم اللَّه سبحانه في إصابته؟ ! كيف يكون من أهل العلم من طلب الكلام ليحدث به، ولم يطلبه ليعمل به؟ ! .
"الزهد" ص ٦٦
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا بكار قال: سمعت وهبا يحدث أن الرب قال لعلماء بني إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتغون الدنيا بعمل الآخرة، تلبسون مسوك الضأن، وتخفون أنفس الذئاب، وتنقون القذاء من شرابكم، وتبتلعون أمثال الجبال من المحارم، وتثقلون الدين على الناس أمثال الجبال، ولا تعينوهم برفع الخناصر، تبيضون الثياب، وتطيلون الصلاة، تنتقصون بذلك مال اليتيم والأرملة، فبعزتي حلفت لأضربنكم بفتنة يضل فيها رأي ذي الرأي، وحكمة الحكيم.
"الزهد" ص ٦٩
قال عبد اللَّه: أخبرنا أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا سلام قال: سمعت يزيد -يعني: الضبي- يقول: قالت امرأة لعيسى ﵇ وهو يصنع مما قد أعطي وسخر له: طوبى لبطن حملتك، وطوبى لثدي أرضعتك. فقال عيسى، وأقبل عليها: طوبى لمن قرأ كتاب اللَّه واتبع ما فيه.
[ ٥ / ٤١ ]
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، أخبرنا معاوية بن عمرو، أخبرنا زائدة، عن الأعمش، عن خيثمة قال: مرت امرأة على عيسى ﵇، فقالت: طوبى لثدي أرضعك، وحجر حملك. قال عيسى: طوبى لمن قرأ القرآن، ثم عمل بما فيه.
"الزهد" ص ٧٥
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد اللَّه بن يزيد قال: سمعت زيادا أبا عمر يقول: بلغني أن عيسى ابن مريم قال: إنه ليس بنافعك أن تعلم ما لم تعلم، ولما تعمل بما قد علمت؛ إن كثرة العلم لا تزيد إلا كبرًا إذا لم يعمل به.
"الزهد" ص ٧٦
حدثنا عبد اللَّه، حدثني أبي، حدثنا سفيان: قال عيسى ابن مريم ﵇ للقراء: يا ملح الأرض، لا تفسدوا، فإن الشيء إذا فسد إنما يصلحه الملح، وإن الملح إذا فسد لم يصلحه شيء.
"الزهد" ص ١١١
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو الربيع، حدثنا أبو الأشهب، عن محمد بن واسع قال: قال لقمان لابنه: لا تتعلم ما لم تعلم حتى تعمل بما تعلم.
"الزهد" ص ١٢١
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا عمر بن السعدي، عن أوفى بن دلهم العدوي قال: بلغني عن علي -﵁- أنه قال: تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه سيأتي من بعدكم زمان ينكر الحق فيه تسعة أعشارهم، لا ينجو فيه إلا كل نؤمة، أولئك أئمة الهدى
[ ٥ / ٤٢ ]
ومصابيح العلم.
"الزهد" ص ١٦٢
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا وكيع، عن جعفر، عن ميمون قال: قال أبو الدرداء: ويل للذي لا يعلم مرة، وويل للذي يعلم، ثم لا يعمل سبع مرات.
"الزهد" ص ١٧٦
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثني الحصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي الدرداء قال: ما لي أرى علماءكم يذهبون، وأرى جهالكم لا يتعلمون؟ تعلموا العلم قبل أن يرفع، فإن رفع العلم ذهاب العلماء، ما لي أراكم تحرصون على ما قد تكفل لكم به، وتضيعون ما وكلتم به؛ لأنا أعلم بشراركم من البيطار بالخيل؛ هم الذين لا يأتون الصلاة إلا دبرًا، ولا يسمعون القرآن إلا هجرًا.
"الزهد" ص ١٨٠
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي، عن القاسم ابن عبد الرحمن قال: قال عبد اللَّه: كفى بخشية اللَّه علمًا، وكفى بالاغترار جهلًا.
"الزهد" ص ١٩٧
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكيع، عن مسعر، عن معن قال: قال عبد اللَّه: إن استطعت أن تكون أنت المحدث، وإذا سمعت اللَّه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] فارعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.
[ ٥ / ٤٣ ]
وقال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا قرة، عن عون ابن عبد اللَّه بن عتبة قال: قال عبد اللَّه: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية.
وقال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا معاوية بن صالح، عن عدي بن عدي قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: ويل لمن لا يعلم، ولو شاء اللَّه لعلمه، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات.
"الزهد" ص ١٩٨
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكيع، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عمران بن أبي الجعد، ومسعر، عن معن بن عبد الرحمن قال:
قال عبد اللَّه: إن الناس قد أحسنوا القول كلهم، فمن وافق قوله فعله فذاك الذي أصاب حظه، ومن خالف قوله فعله فإنما يوبخ نفسه.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا حجاج، حدثنا المسعودي، عن القاسم، وغيره، عن عبد اللَّه أنه كان يقول: قولوا الخير تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، ولا تكونوا عجلًا مذايع بذرًا.
"الزهد" ص ٢٠٠
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثني حجاج بن محمد قال: سمعت جرير ابن حازم، عن وهب المكي أن رجلا شابًا كان سأل أم الدرداء، قال: فأكثر، قال: فقالت له أم الدرداء: أتعمل بكل ما تسأل عنه؟ قال: فقال: لا.
قال: فقالت: فما ازديادك من حجة اللَّه عليك.
"الزهد" ص ٢١٩
[ ٥ / ٤٤ ]
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا الجريري، عن أبي السوار أنهم أتوا جنديا في قراء أهل البصرة، فقال: أرى هديًا حسنًا وسمتًا حسنًا، فإياكم وهذِه الأهواء، ثم قال: مثل الذي يعلم الناس ولا يعمل كمثال السراج يضيء للناس ويحرق نفسه.
"الزهد" ص ٢٥١
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن الحسن: قد كان الرجل يسمع بالباب من أبواب العلم فيتعلمه ويعمل به، فيكون خيرا له من الدنيا وما فيها لو كانت له فوضعها في آخرة.
"الزهد" ص ٣٢٠
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر قال: سمعت مالكا، يقول: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا.
قال: وسمعت مالكا يقول: إنك إذا طلبت العلم لتعمل به سرك العلم، وإذا طلبته لغير العمل لم يزدك إلا فخرًا.
"الزهد" ص ٣٩٠
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا فياض بن محمد، عن جعفر، عن صالح بن مسمار البصري قال: قلت لصاحب: انطلق بنا إلى الحسن فسمع من حديثه، قال: قد سمعنا فانطلق بنا فلنعمل.
"الزهد" ص ٣٩٦
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن، قال سفيان، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرة، عن مسروق قال: بحسب الرجل من
[ ٥ / ٤٥ ]
العلم أن يخشى اللَّه ﷿، وبحسب الرجل من الجهل أن يعجب بعلمه.
"الزهد" ص ٤١٩
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا ابن حفص، أنبأنا سفيان الثوري، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي قال: يشرف أهل الجنة في الجنة على قوم في النار فيقولون: ما لكم في النار، وإنما كنا نعمل بما تعلمونا؟ فيقولون: إنا كنا نعلمكم ولا نعمل به.
"الزهد" ص ٤٤٢
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا الخفاف، عن عثمان أبي سلمة، عن منصور بن زاذان قال: نبئت أن بعض من يلقى في النار يتأذى أهل النار بريحه، فيقال له: ويلك ما كنت تعمل؟ ! أما يكفينا ما نحن فيه من الشر حتى ابتلينا بك وبنتن ريحك؟ ! فيقول: كنت عالما فلم أنتفع بعلمي.
"الزهد" ص ٤٥١
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا حسين بن علي، عن ليث بن أبي سليم قال: كان مجاهد يقول: الفقيه من يخاف اللَّه ﷿.
"الزهد" ص ٤٥٢
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا هاشم، حدثنا جرير، عن حبيب بن عبيد الرحبي قال: تعلموا العلم واعقلوه وانتفعوا به، ولا تعلموه لتجملوا به؛ فإنه يوشك إن طال بكم عمر أن يتجمل ذو العلم بعلمه، كما يتجمل ذو البزة ببزته.
"الزهد" ص ٤٦٣
قال ابن بطة: حدثنا أبو عمر حمزة بن القاسم -خطيب جامع المنصور- حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا أبو عبد اللَّه، حدثنا سفيان بن
[ ٥ / ٤٦ ]
عيينة قال: سمعت أيوب يقول: سمعت الحسن يقول: ما رأيت فقيهًا قط يداري ولا يماري، إنما يفشي حكمته، فإن قبلت حمد اللَّه، وإن ردت حمد اللَّه (١).
قال: وسمعت الحسن يقول: ما رأيت فقيها قط. وإنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة الدائب على العبادة، المتمسك بالسنة.
"إبطال الحيل" ص ٦٥ - ٦٦ (١٧)
قال ابن بطة: حدثنا أبو عبد اللَّه بن مخلد، حدثنا أبو بكر المروذي، حدثنا حبان بن موسى قال: سئل عبد اللَّه بن المبارك: هل للعلماء علامة يعرفون بها؟ قال: علامة العالم من عمل بعلمه، واستقل كثير العلم والعمل من نفسه، ورغب في علم غيره، وقبل الحق من كل من أتاه به، وأخذ العلم حيث وجده، فهذِه علامة العالم وصفته.
قال المروذي: فذكرت ذلك لأبي عبد اللَّه؛ فقال: هكذا هو.
وقال ابن بطة: حدثنا ابن مخلد، حدثنا المروذي قال: قلت لأبي عبد اللَّه: قيل لابن المبارك: كيف يعرف العالم الصادق؟ فقال: الذي يزهد في الدنيا ويعقل أمر آخرته.
فقال: نعم، كذا يريد أن يكون.
"إبطال الحيل" ص ٧٥ (٣١، ٣٢)
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" ٨، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" ٩٢، والآجري في "أخلاق العلماء" ١٢١.
[ ٥ / ٤٧ ]