قال صالح: قال أبي: سألت عبد الرحمن بن مهدي عما يروى عن النبي -ﷺ-: أنه كان إذا بعث بالهدي لم يمسك عن شيء يمسك عنه المحرم؟ (١) وعن قوله: "إذا دخل العشر وأَورد أن يضحي فلا يأخذ ولا من بشره؟ " (٢) فلم يجبني عبد الرحمن بشيء وسكت. فسألت يحيى ابن سعيد؛ فقال: لهذا وجه ولهذا وجه. قال: ولهذا أمثال وأشباه في السنن: نهى النبي -ﷺ- حكيمًا أن يبيع ما ليس عنده (٣). وأذن في
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٦/ ١٧١، والبخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١٣٢١) من حديث عائشة.
(٢) رواه الإمام أحمد ٦/ ٢٨٩، ومسلم (١٩٧٧) عن أم سلمة.
(٣) رواه الإمام أحمد ٣/ ٤٠٢، وأبو داود (٣٥٠٣)، والترمذي (١٢٣٢)، والنسائي ٧/ ٢٨٩، وابن ماجه (٢١٨٧)، والبيهقي ٥/ ٣١٧ عن حكيم بن حزام. =
[ ٥ / ٧٦ ]
السلم (١)، والسلم: بيع مضمون إلى أجل، فلو رد أحد الحديثين الآخر فيقول: قد نهى النبي -ﷺ- عن بيع ما ليس عندك؛ والسلم: بيع ما ليس عندك فهو مردود لم يجز ذلك، ويعطى هذا وجهه، وذاك، فيجوز السلم، ولا يجوز أن يبيع ما ليس عنده. ونهى عن الصلاة بعد العصر وقال: "من أدرك من صلاة العصر ركعة فقد أدركها" (٢)، فلهذا وجه، ولهذا، لا يبتدئ صلاة بعد العصر متطوعًا، فإذا أدرك ركعة من عصر يومه فقد أدرك، وكذلك لو ذكر صلاة عصر فاتته صلاها بعدما يصلي العصر؛ لقوله: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (٣)، وقوله: "من باع شاة مصراة فصاحبها بالخيار، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر" (٤)، وقوله: "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" (٥)، فلهذا وجه، ولهذا وجه، إذا اشترى الشاة أو الناقة المصراة، فحلبها، فإن أراد ردها ورد معهما صاعًا من تمر، وإذا اشترى عبدًا فاستغله ثم وجد به عيبًا؛ كان له الغلة بالضمان، فلهذا وجه، ولهذا وجه، ومنه قول النبي -ﷺ- لفاطمة ابنة أبي حبيش إذ سألته فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال:
_________________
(١) = وصححه الألباني في "الإرواء" (١٢٩٢).
(٢) رواه الإمام أحمد ١/ ٢١٧، والبخاري (٢٢٣٩)، ومسلم (١٦٠٤) عن ابن عباس.
(٣) رواه الإمام أحمد ٦/ ٨٧، ومسلم (٦٠٩) عن عائشة.
(٤) رواه الإمام أحمد ٣/ ١٠٠، والبخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) عن أنس بن مالك.
(٥) رواه الإمام أحمد ٢/ ٤٨٣، والبخاري (٢١٥١)، ومسلم (١٥٢٤) من حديث أبي هريرة.
(٦) رواه الإمام أحمد ٦/ ٤٩، وأبو داود (٣٥٠٨)، والترمذي (١٢٨٥)، والنسائي ٧/ ٢٥٤ - ٢٥٥، وابن ماجه (٢٢٤٣) عن عائشة. وحسنه الألباني في "الإرواء" (١٣١٥).
[ ٥ / ٧٧ ]
"إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيضَةِ فَإِذَا أَقبَلَتْ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصلِّي" (١)، وقال للتي لها أيام معلومة: "اجلسي قدر ما تحبسك حيضتك" (٢)، وقال لحمنة إذ قالت: إن دمي يثج، فقال لها: "تحيضي في علم اللَّه ست أو سبع" (٣)، لأنها وصفت من دمها ما لم تصف فاطمة، فحكم لكل واحدة منهما بحكم، فلهذه ما قال لها، ولهذه ما قال لها. ولا تُضرب الأحاديث بعضها ببعض، يُعطى كل حديث وجهه.
"مسائل صالح" (٦٦٩)
قال عبد اللَّه: قال أحمد: أذهب إلى الحديثين جميعًا ولا أرد أحدهما بالآخر.
"مسائل عبد اللَّه" (٤٧)
قال الخلال: أخبرني عبد الملك قال: وقال أبو عبد اللَّه: حديث أنس: لم يأن لرسول اللَّه -ﷺ- أن يخضب (٤) وغيره يقول: قد خضب رسول اللَّه -ﷺ- (٥).
_________________
(١) رواه أحمد ٦/ ٤٢٠، والبخاري (٣٠٦)، ومسلم (٣٣٣) عن عائشة.
(٢) رواه الإمام أحمد ٦/ ٢٢٢، ومسلم (٣٣٤) عن عائشة.
(٣) رواه الإمام أحمد ٦/ ٣٨١ - ٣٨٢، وأبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٢٨٧)، والحاكم ١/ ١٧٢ - ١٧٣، والبيهقي ١/ ٣٣٨ عن حمنة بنت جحش. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ونقل في "العلل الكبير" ١/ ١٨٧ تحسين البخاري للحديث وقول أحمد هو حديث صحيح. وحسنه الألباني في "الإرواء" (١٨٨).
(٤) رواه الإمام أحمد ٣/ ١٠٨، والبخاري (٣٥٥٠)، ومسلم (٢٣٤١).
(٥) رواه الإمام أحمد ٢/ ١٧، والبخاري (١٦٦)، ومسلم (١١٨٧).
[ ٥ / ٧٨ ]
قال: الذي شهد على النبي -ﷺ- لي بمنزله من لم يشهد.
"الترجل" للخلال (١١١)
قال أحمد في رواية يعقوب بن بختان في الخبرين يجيئان عن النبي -ﷺ- متضادين: لكل خبر وجهه.
وقال في رواية المروذي: لا تضرب الأخبار بعضها ببعض، لكل خبر وجهه، مثل: من اشترى شاة مصراة، فليرد معها صاعًا من تمر، وذكر قول النبي -ﷺ-: "الْخَرَاجُ بِالضَّمَان"، وذكر مع السلم أن النبي -ﷺ-: نهى حكيم ابن حزام عن بيع ما ليس عنده.
وقال ﵀ في رواية أبي طالب: حديث أم سلمة: "من أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره وأظفاره" (١)، وحديث عائشة عام، وحديث أم سلمة مخصوص، فهو آكد، لأنه قد خُصَّ من العام: إذا أراد أن يضحي أمسك، وإذا بعث لم يمسك، هذا على وجهه، وهذا على وجهه.
"العدة في أصول الفقه" ٢/ ٦١٥ - ٦١٦
_________________
(١) رواه مسلم (١٩٧٧) من حديث أم سلمة وقد تقدم.
[ ٥ / ٧٩ ]