ألفاظ الراوي غير الصحابي في نقل الخبر تختلف باختلاف موقف الشيخ المروي عنه من هذا الراوي والعكس مما سيتبين على التفصيل الآتي:
أولًا: قراءة الشيخ على الراوي وهو يسمع تجوز الرواية عنه والعمل به سواء قرأ إملاء من حفظه أو من مكتوب.
ثانيًا: إذا قصد الشيخ إسماع الراوي خاصة، فإن الراوي يقول: " حدثني فلان "، أو " أخبرني فلان ".
ثالثًا: إذا قصد الشيخ إسماع الراوي مع غيره فإن الراوي يقول: " حدثنا فلان "، أو " أخبرنا فلان ".
[ ١٢٣ ]
رابعًا: إذا لم يقصد الشيخ إسماع الراوي منفردًا ولا مع جماعة فإنه يقول: " سمعته يقول كذا "، أو يقول: " سمعته يخبر بكذا ".
خامسًا: قراءة الشيخ الحديث على الراوي أقوى من قراءة الراوي على الشيخ، لأنه هو طريق النبي - ﷺ -، ولأن ذلك أبعد عن الخطأ والسهو والغلط؛ لكون الشيخ يقرأ ما تحقق منه، فيكون أحق فيما هو المقصود، وهو تحمل الأمانة بصفة تامة.
سادسًا: قراءة الراوي على الشيخ وهو يسمع، وقول الشيخ بعد ذلك: " سمعت ذلك "، أو قوله: " الأمر كما قرئ علي "، تجوز الرواية عنه مع العمل بذلك.
سابعًا: إذا قرأ الراوي على الشيخ وهو يسمع، ثم قال الراوي: هل سمعت أيها الشيخ؛ فسكت الشيخ، فإنه تجوز الرواية عنه، ويجب العمل بذلك بشرط: أن لا يوجد لدى الشيخ أي مانع من الإنكار إذا أخطأ الراوي في القراءة؛ لأنه لو لم تكن قراءة الراوي على الشيخ صحيحة، لكان سكوت الشيخ عن الإنكار مع القدرة عليه فسقًا؛ لما فيه من إيهام صحة ما ليس بصحيح، وذلك بعيد جدًا عن العدل والثقة، أما إذا غلب على ظننا وجود مانع من الإنكار لدى الشيخ كغفلة أو قلة مبالاة، أو نوم، أو إكراه على السكوت، ففي هذه الحالة لا يكتفى بسكوته، بل لا بد من نطقه بلفظ " نعم " أو نحو ذلك مما يدل على موافقته على صحة ما قرئ عليه.
[ ١٢٤ ]
ثامنًا: إذا قرأ الراوي على الشيخ، وأراد - هذا الراوي - أن يُحدِّث بما قرأه على الشيخ فإنه يقول: " أخبرنا أو أنبأنا أو حدثنا فلان قراءة عليه "، فلا يجوز أن يقول: " حدثنا أو أخبرنا " مطلقًا بدون ذكر لفظ " قراءة عليه "؛ لأن هذا يوهم: أن الشيخ هو الذي قرأ على الراوي، وهذا ليس بصحيح، حيث إن الحقيقة: أن الراوي هو الذي تولى القراءة على الشيخ، وفرق بين أن يقرأ الشيخ على الراوي وبين أن يقرأ الراوي على الشيخ؛ حيث إن الأولى أقوى من الثانية كما سبق بيانه.
ثاسعًا: إذا قال الشيخ: " حدثنا "، يجوز للراوي أن يبدلها بقوله: " أخبرنا " أو العكس، ولا مانع من ذلك؛ لأن معنى " حدثنا " و" أخبرنا " واحد في اللغة؛ لاشتقاقه من الخبر والحديث، فهما لفظان لمعنى واحد.
عاشرًا: إذا قال الشيخ للراوي عنه: " أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك من مسموعاتي "، فإن ذلك يُسمَّى: " إجازة ".
حادي عشر: إذا قال الشيخ للراوي عنه: " خذ هذا الكتاب فأروه عني ".
أو قال: " خذ هذا وحدث به عني فقد سمعته من فلان "، فإن هذا يُسمَّى " مناولة ".
ثاني عشر: تجوز الرواية بالإجازة والمناولة، فيقول الراوي:
[ ١٢٥ ]
" حدثني فلان إجازة " أو " أخبرني فلان إجازة "؛ لأن الطريق - وهو قول الراوي: " حدَّثنا فلان عن فلان " - إنما هو وسيلة إلى معرفة صحة الحديث، ومعرفة صحة الحديث حاصلة بالإجازة والمناولة؛ لأن الظاهر من حال المجيز العدل الثقة أنه لا يُجيز شيئًا إلا إذا علم صحته، وإلا كان - بإجازته رواية ما لم يروه - فاسقًا وهو لا يمكن في العدل. وإذا علمت الرواية بإجازته: جازت الرواية عنه.
ثالث عشر: الراوي المجاز لا بد أن يقول: " حدثني فلان إجازة "، ولا يجوز أن يقول: " حدثني أو أخبرني " مطلقًا، بدون ذكر " إجازة "؛ لأن ذلك يوهم أن الرواية بالتحديث على الحقيقة والسماع؛ لأنها الأصل المتبادر إلى الذهن، فمنعًا لذلك الوهم قلنا: لا بد من ذكر لفظ: " إجازة ".
رابع عشر: إذا قال الشيخ: " خذ هذا الكتاب وهو مسموعي " ولم يقل: " اروه عني "، فإنه لا تجوز الرواية عنه مطلقًا؛ لأن علامة الإذن في الرواية هي عبارة: " اروه عني "، وهي لم توجد هنا، فيحتمل احتمالًا قويًا أن الشيخ لم يقل: " اراوه عني " نظرًا لكونه يعرف أن في هذا الكتاب خللًا قد منع من إذنه لروايته عنه، فلم يجوز ذلك، فامتنع من قوله: " اروه عني ".
[ ١٢٦ ]
خامس عشر: إذا وجد الراوي شيئًا من الأحاديث مكتوبًا بخط الشيخ الذي يعرفه ويثق بأنه خطه: فإن ذلك يسمى " وِجادة ".
سادس عشر: لا تجوز الرواية في الوجادة، فلا يجوز أن يقول: " حدثني فلان أو أخبرني فلان إجازة "، ولا غيرها؛ لأن روايته بذلك شهادة عليه بأنه قاله، وهذا ليس بصحيح، فيكون كذبًا، ولكن الشخص إذا وجد صحيفة مكتوبة بخط شيخه له أن يقول: " رأيت مكتوبًا في كتاب بخط ظننت أنه خط فلان "، يقول ذلك لأن الخط قد يشبه الخط.
سابع عشر: إذا قال الشيخ: " هذا خطي " يقبل قوله، ولكن لا يروى عنه ما لم يأذن بروايته عنه بصريح قوله بأن يقول: " اروه عني "، أو يكون الإذن بقرينة حاله في الجلوس لرواية الحديث.
ثامن عشر: إذا رأى الراوي سماعه في كتاب ووجده، ولم يذكر سماعه ولا قراءته، لكن غلب على ظنه سماعه كما يراه من خطه الذي توثَّق منه، فإنه يجوز له روايته والعمل به؛ لأن الرواية قد بُني أمرها على حسن الظن وغلبته، والمسامحة، ومراعاة الظاهر من الحال، ألا ترى أن الرواية تقبل من العبيد والنساء، ولا تعتبر فيها العدالة الباطنة، كل ذلك يدل على خفتها، فإذا وجد الراوي سماعه، وغلب على ظنه أنه سمعه كما يراه من خطه الذي توثق منه فإنه تجوز الرواية بذلك والعمل به.
[ ١٢٧ ]
تاسع عشر: إذا روى الراوي كتابًا عن بعض المحدثين فيه مائة حديث، ولكنه شك في سماع حديث واحد منها، ولم يستطع تعيين ذلك الحديث المشكوك فيه، فإنه لا يجوز أن يروي شيئًا من جميع تلك الأحاديث المائة؛ لأن الرواية تعتبر شهادة، والشهادة لا تجوز مع الشك والتردد؛ حيث إنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون هو الذي لم يسمعه من شيخه، فلذلك يتركها جميعها احتياطًا.
عشرون: إذا غلب على ظن الراوي أن حديثًا قد سمعه من شيخه، ولكنه لم يقطع بذلك السماع، فإنه يجوز أن يرويه ويعمل به، لأن الراوي العدل الثقة إذا غلب على ظنه وجود شيء فهو صدق يجب العمل به، في حين أنه لا معارض لذلك، وغالب الأحكام مبناها على غلبة الظن.
واحد وعشرون: إذا روى الراوي حديثًا عن شيخ، ولكن الشيخ قد أنكر ذلك إنكارًا صريحًا وقال: " كذب علي " أو " ما رويت له قط "، فلا يقبل هذا الحديث، ولا يعمل به؛ لأن كل واحد من الشيخ والراوي موصوف بالعدالة والثقة، وكل منهما مكذَّب للآخر فيما يدعيه، فلا بد أن يكون أحدهما كاذب، وهذا موجب للقدح في الحديث، لكن هذا لا يوجب جرح واحد منهما على التعيين؛ لأنه وقع الشك في كذبه، والأصل العدالة، وهي متيقنة، فلا يترك اليقين بالشك، ولذلك؛ فإن رواية كل واحد منهما تقبل في غير ذلك الحديث الذي أنكره الشيخ.
[ ١٢٨ ]
ثاني وعشرون: إذا أنكر الشيخ الحديث الذي رواه عنه الراوي إنكارًا غير صريح؛ حيث يقول: " لست أذكر ذلك الحديث "، فإنه لا يقدح في الحديث، بل يُقبل ويُعمل به، لأن الراوي العدل الثقة قد جزم بهذه الرواية عن ذلك الشيخ في حين أن الشيخ لم يكذبه، ولم ينكر حديثه على وجه الجزم، فيقتضي ذلك ترجيح صدق الراوي، واذا كان صادقًا فيجب قبول الحديث الذي رواه والعمل به، أما قول الشيخ فيحمل على أنه نسي الحديث، لأن النسيان غالب على الإنسان.
* * *