لا يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين، لأن الواقع يدل على ذلك، فلو أخبر أهل بلد من بلدان الكفار عن حصول فتنة لحصل العلم بخبرهم مع كونهم كفارًا فضلًا عن كون الإمام المعصوم ليس فيهم.
* * *
المسألة الثانية عشر:
لا يجوز على أهل التواتر والجماعة العظيمة أن يكتموا ما يحتاج الخلق إلى نقله ومعرفته، لأن كتمان ذلك بمثابة الكذب - وهو: الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع - والكذب محال على أهل التواتر والجماعة العظيمة، لاستحالة أهل التواتر على الكذب.
* * *
المسألة الثالثة عشرة:
خبر الواحد المجرد يفيد الظن، ولا يفيد العلم؛ لأنه لو كان خبر الواحد يفيد العلم، لكان العلم حاصلًا بخبر الأنبياء إذا أخبروا ببعثهم من غير حاجة إلى إظهار المعجزات والأدلة على صدقهم، ولوجب على القاضي أن يصدق المدَّعي من غير بينة، ولما احتيج إلى عدد من الشهود، ولجاز أن ينسخ خبر الواحد
[ ١٠١ ]
القرآن والسنة المتواترة، ولكن لما أخبر الأنبياء عن نبوتهم وأظهروا مع ذلك المعجزات الدالة على ذلك، ولما لم يصدق القاضي المدَّعي إلا ببينة، ولما احتيج إلى عدد من الشهود، ولما لم يجز نسخ القرآن والسنة المتواترة بخبر الواحد، دل كل ذلك على أن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن.
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
المستفيض وهو: ما نقله جماعة تزيد على الثلاثة، وهو المشهور - داخل ضمن خبر الواحد؛ لأن خبر الواحد ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما لا يفيد الظن أصلًا، وهو ما تقابلت فيه الاحتمالات على السواء.
القسم الثاني: ما يفيد الظن، وهو: ترجيح أحد الاحتمالين الممكنين على الآخر في النفس من غير قطع، سواء نقله واحد أو نقله الثلاثة والأربعة.
* * *
المسألة الخامسة عشرة:
يجوز التعبد بخبر الواحد شرعًا والعمل به لدليلين:
[ ١٠٢ ]
أولهما: إجماع الصحابة السكوتي؛ حيث قبل أبو بكر - ﵁ - خبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في أن الرسول - ﷺ - قد أعطى الجدة السدس، وأن عمر قبل خبر حمل ابن مالك وهو قوله: " كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله - ﷺ - في جنينها بغرة عبد أو أمة وأن تقتل "، وقبل عمر خبر عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - ﷺ - قال - في المجوس -: " سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب ".
وقبل الصحابة خبر عائشة أن النبي - ﷺ - قال: " إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل "، وقبل ابن عباس خبر أبي سعيد الخدري في الصرف وهو أن رسول الله - ﷺ - قال: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل"، فحرم بذلك ربا الفضل وربا النسيئة، وقال ابن عمر: كنا نخابر أربعين سنة لا نرى في ذلك بأسًا حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي - ﷺ - نهى عن المخابرة، وغير ذلك.
وهذه الأخبار وإن لم تتواتر آحادها إلا أنها بمجموعها أفادتنا علمًا يقينيًا لا يقبل الشك أن الصحابة كانوا يقبلون خبر الواحد ويعملون به، ويتركون ما خالفه، دون إنكار من أحد؛ إذ لو وجد إنكار لبلغنا كما بلغتنا تلك الأخبار، فلما لم يبلغنا إنكار على العمل بتلك الأخبار دل هذا على إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد.
ثائيهما: أن النبي - ﷺ - كان يبعث آحاد الصحابة إلى البلاد، كبعثة مصعب بن عمير إلى المدينة، وعتاب بن أسيد إلى مكة، وإرساله عليًا ومعاذًا إلى اليمن، ليعلِّموا أهل تلك الديار الأحكام
[ ١٠٣ ]
الشرعية، ويبعث الواحد من الصحابة ليخبرهم بالناسخ والمنسوخ، وكان أهل تلك الديار يقبلون منهم ذلك، فلو أن خبر الواحد غير مقبول لما بعثهم النبي - ﷺ -، ولما قبل السامعون الأحكام التي جاء بها.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
لا يشترط لقَبول الخبر أن يرويه اثنان، بل يقبل الخبر وإن كان راويه واحدًا؛ لما سبق من الدليلين اللذين ذكرا في المسألة السابقة.
* * *