النوع الأول
السبب
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريفه:
السبب لغة هو: ما يتوصل به إلى مقصود ما؛ لذلك يسمى الطريق سببًا.
والسبب اصطلاحًا هو: ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته.
فيلزم من وجود دخول الوقت وجود الحكم وهو وجوب الصلاة على ذلك المكلف.
* * *
المسألة الثانية:
السبب باعتبار قدرة المكلف ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب مقدور عليه، وهو: ما كان داخلًا تحت كسب المكلف وطاقته، بحيث يستطيع فعله وتركه، كالقتل
[ ٦٣ ]
المسبب للقصاص، وعقد النكاح المسبب لحل الوطء.
القسم الثاني: سبب غير مقدور عليه، وهو: ما لم يكن من كسب المكلف، ولا دخل له في تحصيله أو عدم ذلك كزوال الشمس أو غروبها سبب لوجوب الصلاة أو الإفطار، والموت سبب لانتقال الملك، فهذه الأمور تكون، ولا يقدر المكلف على منعها أو جلبها.
* * *
المسألة الثالثة:
السبب باعتبار المشروعية ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب مشروع، وهو: ما كان سببًا للمصلحة أصالة، وإن كان مؤديًا إلى بعض المفاسد تبعًا، كالجهاد في سبيل الله فإنه سبب لإقامة الدين وإعلاء كلمة الله، وإن أدى في الطريق إلى نوع من المفاسد كإتلاف الأنفس، وإضاعة الأموال.
القسم الثاني: سبب غير مشروع وهو: ما كان سببًا للمفسدة أصالة وإن ترتب عليه نوع من المصلحة تبعًا، كالقتل بغير حق فإنه سبب غير مشروع، وإن ترتب عليه ميراث ورثة المقتول.
* * *
المسألة الرابعة:
السبب باعتبار المناسبة ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب مناسب للحكم، وهو الذي يترتب على شرع الحكم عنده تحقق مصلحة، أو دفع مفسدة يدركها العقل، كالسرقة بالنسبة لعقوبة القطع؛ حيث إنها تحقق مصلحة حفظ الأموال، وتدفع مفسدة ضياعها.
القسم الثاني: سبب غير مناسب للحكم، وهو الذي لا يترتب على شرع الحكم عنده تحقق مصلحة أو دفع مفسدة،
[ ٦٤ ]
كدلوك الشمس، حيث إنه سبب لوجوب الظهر، ومثل: شهود الشهر بالنسبة لوجوب الصيام.
* * *
المسألة الخامسة:
السبب باعتبار مصدره ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
ْالقسم الأول: سبب شرعي، وهو: ما كان مستمدًا من الشارع فقط، كالوقت بالنسبة لوجوب الصلاة.
القسم الثاني: سبب عقلي، وهو: ما كان مستمدًا من العقل فقط، كوجود النقيض فإنه سبب في انعدام نقيضه عقلًا مثل الموت فإنه سبب لعدم الحياة.
القسم الثالث: سبب عادي، وهو: ما كان مستمدًا من العادة المألوفة المتكرر وقوعها كالذبح، فإنه يتسبب في إزهاق الروح في العادة.
* * *
المسألة السادسة:
السبب باعتبار اقترانه بالحكم وعدم ذلك ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب متقدم على الحكم، وهذا هو الأصل كالأسباب الموجبة للصلوات، والزكاة، والبيع، والنكاح، وهو الأكثر.
القسم الثاني: سبب مقارن للحكم، كقتل المسلم للكافر في الحرب، فإنه سبب لاستحقاق سلبه فورًا، وإحياء الموات فإنه سبب فوري للملك.
* * *
المسألة السابعة:
السبب باعتبار اللفظ والفعل ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب قولي ولفظي، وهو: ما كان معتمدا
[ ٦٥ ]
على القول واللفظ، كصيغ العقود مثل البيع والشراء، وصيغ التصرفات كالطلاق والعتاق والنكاح.
القسم الثاني: سبب فعلي، وهو: ما كان ناشئًا عن الفعل، كالقتل سبب للقصاص، وشرب الخمر والسرقة سببان للحد، وإحياء الموات سبب للملك.
والفرق بينهما: أن الأسباب القولية لا تصح من السفيه أو المحجور عليه كما لو أعتق عبده، أو وهبه، أو باع واشترى.
أما الأسباب الفعلية فإنها تصح منه، كما لو وطأ المحجور عليه أمته فإنها تصير أم ولد؛ وذلك لأن أقواله يمكن إلغاؤها - كما قال ابن القيم في بدائع الفوائد - حيث إنها مجرد كلام لا يترتب عليه شيء، أما الأفعال فإنها إذا وقعت فلا يمكن إلغاؤها، فلا يمكن أن يقال لمن وطأ أمته، أو أتلف شيئًا لغيره، إنه لم يطأ أو لم يتلف.
* * *
المسألة الثامنة:
العلة - وهي: الوصف المعرِّف للحكم، تعتبر قسمًا من أقسام السبب. فالسبب أعم من العلة؛ حيث إن السبب ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب معقول المعنى: أي: أدرك العقل ارتباط الحكم به، فهذا يُسمَّى سببًا وكلة كقطع يد السارق، فالسرقة تسمى سببًا وعلة للقطع.
[ ٦٦ ]
القسم الثاني: سبب غير معقول المعنى، وهو الذي لا يدرك العقل ارتباط الحكم به، فهذا يُسمَّى سببًا لا علة، كدخول الوقت يسمَّى سببًا لوجوب الصلاة، ولا يسمى علة؛ لعدم إدراكنا للمناسبة بين دخول الوقت ووجوب هذه الصلاة بعينها.
فالسبب - على هذا - شامل للوصف المناسب وغير المناسب.
* * *
المسألة التاسعة:
الصحة، وهي: موافقة الفعل ذي الوجهين لأمر الشارع، والفساد: وهو مخالفة الفعل ذي الوجهين لأمر الشارع داخلان ضمن السبب، لأن حقيقة السبب قد وجدت فيهما؛ حيث إن الفعل إذا استوفى أركانه وشروطه فإن هذا سبب لصحته، وترتب عليه آثاره، والفعل إذا لم يستوف أركانه أو شروطه فإن هذا سبب لفساده وعدم ترتب آثاره عليه.
* * *
المسألة العاشرة:
الصحة والفساد من الأحكام الشرعية لا من الأحكام العقلية، لأن معرفة استجماع الفعل لشروطه وأركانه، وارتفاع موانعه موقوفة على معرفة الركن والشرط والمانع، ومعرفة هذه
[ ٦٧ ]
الأمور الثلاثة موقوفة على خطاب الشارع اتفاقًا، فتكون الصحة والفساد لا يعرفان إلا من الشارع.
* * *
المسألة الحادية عشرة:
الصحة والفساد من الأحكام الوضعية لا من الأحكام التكليفية، لأن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين - فقط - وهما: " الحكم التكليفي " و" الحكم الوضعي "، ولا يمكن أن تكون الصحة والفساد من الأحكام التكليفية؛ لأن الحكم التكليفي - كما سبق - فيه اقتضاء أو تخيير، وبعد النظر في الصحة والفساد تبين عدم وجود اقتضاء ولا تخيير فيهما؛ حيث إن الحكم بصحة العبادة وفسادها، والحكم بصحة المعاملة وفسادها لا يفهم اقتضاء ولا تخييرًا، فلم توجد حقيقة الحكم التكليفي، فلم يبق إلا أن نقول: إن الصحة والفساد من القسم الثاني، وهو: الحكم الوضعي.
* * *
المسألة الثانية عشرة:
المقصود بالصحة في العبادات هو: ما وافق الأمر، وأجزأ، وأسقط القضاء، كالصلاة إذا وقعت بجميع واجباتها مع انتفاء موانعها، فعدم وجوب قضائها هو: صحتها، وهذا اختيار
[ ٦٨ ]
الفقهاء؛ حيث إن ذلك هو الموافق للغة - فالعرب تسمي الآنية صحيحة إذا كانت سليمة من جميع الجهات، وإذا كانت صحيحة من جميع الجهات إلا جهة واحدة، فإن العرب لا تسميها صحيحة، وهذه الصلاة - مثلًا - قد تطرق إليها الخلل من جهة ذكر الحدث، فلا تكون صحيحة؛ قياسًا على الآنية المكسورة من جهة.
* * *
المسألة الثالثة عشرة:
المقصود بالصحة في المعاملات هو: ترتب أحكامها المقصودة عليها؛ لأن العقد لم يوضع إلا من أجل إفادة مقصوده، كملك المبيع، وملك البضع في النكاح. وإن لم يكن الأمر كذلك فهو فاسد، فيكون الفاسد في المعاملات: كون الشيء لا يترتب عليه أثره المطلوب منه؛ نظرًا لوجود خلل في ركنه أو شرطه كبيع المجنون، أو بيع المعدوم أو بيع الميتة.
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
الفاسد والباطل مترادفانْ قياسًا للشرع على اللغة، حيث إن الباطل لغة بمعنى الفاسد والساقط، يقال: " بطل الشيء "، إذا فسد وسقط حكمه، فإذا لم يفرق بينهما لغة فإنه يجب عدم التفريق بينهما شرعًا؛ حملًا للمقتضيات الشرعية على مقتضياتها اللغوية؛ لأن الأصل عدم التغيير.
[ ٦٩ ]
المسألة الخامسة عشرة:
بيان أن التقديرات الشرعية والحجاج داخلان ضمن السبب؛ حيث إن التقديرات الشرعية هي: إعطاء الموجود حكم المعدوم، أو إعطاء المعدوم حكم الموجود.
فمثال الأول - وهو إعطاء الموجود حكم المعدوم - الماء في حق المريض والخائف، ومثال الثاني - وهو: إعطاء المعدوم حكم الموجود - المقتول خطأ تورث عنه ديته، حيث إنها لا تملك إلا بعد موته، وهي ليست في ملكه قبل موته، فنقدِّر دخولها في ملكه قبل موته حتى تنتقل إلى ورثته، فهنا قدرنا المعدوم موجودًا، للضرورة.
أما الحجاج فهي التي يستند إليها القضاء في الأحكام، كالشهود، والإقرار، واليمين، فإذا نهضت تلك الحجة عند القاضي وجب عليه الحكم.
والأمران لو دققت النظر فيهما لوجدتهما يرجعان إلى السبب، حيث إن هذه التقديرات وهذه الحجاج إنما نشأت عن أسبابها.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
الأداء: وهو ما فُعل أولًا في وقته المقدر له شرعًا، والإعادة: وهو ما فُعل ثانيًا في وقت الأداء لخلل في الأول،
[ ٧٠ ]
والقضاء: وهو ما فعل بعد خروج وقته المحدَّد شرعًا مطلقا، كلها داخلة ضمن السبب؛ لأن دخول الوقت سبب للأداء، وخروجه سبب للقضاء، وفساد الفعل سبب للإعادة.
* * *
المسألة السابعة عشرة:
إذا حاضت المرأة، أو سافر مكلف، أو مرض آخر في رمضان فأفطروا، فلما انقضى رمضان صاموا الأيام التي أفطروها، فإن هذا يُسمى قضاء، لا أداء؛ لقول عائشة ﵂: " كنا نحيض على عهد رسول الله - ﷺ - فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة "، فسمَّت ما يفعل بعد رمضان قضاء بدون نكير.
ولإجماع العلماء على أنه إذا صام هؤلاء الأيام التي أفطروها سابقًا فإن الواجب عليهم نية القضاء، لا نية الأداء.
* * *
المسألة الثامنة عشرة:
القضاء يتعلّق بالمندوب إذا كان له وقت معيَّن؛ قياسًا على الواجب؛ لأنه لا فرق بينهما من حيث حقيقة القضاء. وبناء على هذا يكون قضاء المندوب مندوبًا، كما أن قضاء الواجب واجب.
[ ٧١ ]
المسألة التاسعة عشرة:
وجوب القضاء ثابت بالأمر الأول: فالدليل الذي أوجب الأداء هو الذي أوجب القضاء، ولا يحتاج إلى أمر جديد، لأن الأداء كان واجبًا مستحقًا على المكلف في الوقت المحدَّد شرعًا، والواجب لا يسقط عن المكلف إلا بالفعل، أو بإسقاط من له الحق، أو بالعجز، ولم يوجد شيء من ذلك، وخروج الوقت ليس مما يسقط الواجب، فتبقى الذمة مشغولة بهذا الواجب لا يزول هذا الشغل إلا بمزيل له وهو: أحد الأمور الثلاثة السابقة.
وللقياس على الذين؛ حيث إن الوقت للمأمور به كالأجل للدين، فكما أن الدَّين لا يسقط بترك تأديته في أجله المعيَّن فكذلك المأمور به إذا لم يفعل في وقته المعين كأنه لا يسقط، بل يجب قضاؤه في وقت آخر. ويكون ذلك مستفادًا من الأمر الأول بدلالة التضمن، لا بدلالة المطابقة.
[ ٧٢ ]