المندوب
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف المندوب:
المندوب لغة مأخوذ من الندب، وهو: الدعاء إلى أمر مهم.
والمندوب اصطلاحًا هو: المطلوب فعله شرعًا من غير ذم على تركه مطلقًا.
* * *
المسألة الثانية:
صيغ المندوب هي كما يلي:
١ - كل أمر صريح إذا وجدت قرينة تصرفه من الوجوب إلى الندب، كقوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)، فإن هذا الأمر للندب، والقرينة الصارفة هي السنة التقريرية.
٢ - التصريح بأن ذلك سنة كقوله - ﷺ -: " وسننت لكم قيامه " - يقصد رمضان -.
[ ٣٧ ]
٣ - التصريح بالأفضلية الوارد من الشارع، كقوله في غسل الجمعة: " ومن اغتسل فالغسل أفضل ".
٤ - كل عبارة تدل على الترغيب، ومنه قوله ﵇ لبريرة: " لو راجعتيه ".
* * *
المسألة الثالثة:
أسماء المندوب: المستحب، والتطوع، والسنة، والإحسان، والمرغَّب فيه، وكلها أسماء مترادفة، حيث إنها أسماء لمسمَّى واحد، وهو: الفعل المطلوب طلبًا غير جازم.
* * *
المسألة الرابعة:
المندوب مأمور به حقيقة: لأن المندوب يدخل في حقيقة الأمر كما دخل الواجب، حيث إن حقيقة الأمر هي: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، والجامع بينهما: أن كلًا منهما مستدعى ومطلوب، فتصدق عليهما حقيقة الأمر.
ولأنه قد أطلق الأمر على المندوب في الكتاب والسنة واستُعمل، والأصل في الاستعمال والإطلاق الحقيقة، فيكون المندوب مأمورًا به حقيقة، من ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى)، فقد أمر هنا بواجب وهو: العدل، وأمر بمندوبين وهما: الإحسان، وإعطاء ذي القربى، ومن ذلك ما قالته أم عطية - ﵂ -: أمرنا
[ ٣٨ ]
النبي - ﷺ - أن نخرج في العيدين العواتق "، ومعروف أن ذلك ليس بواجب.
* * *
المسألة الخامسة:
المندوب من الأحكام التكليفية: لأن التكليف طلب ما فيه كلفة ومشقة، وفعل المندوب رغبة في الثواب واحتياطًا للدين فيه مشقة، وتركه فيه مشقة على المكلف القوي الإيمان، نظرًا لفوات الثواب الجزيل وربما كان ذلك أشق عليه من الفعل.
* * *
المسألة السادسة:
المندوب لا يلزم بالشروع فيه: حيث يجوز تركه وقطعه متى ما شاء؛ في غير مندوب الحج والعمرة؛ حيث يجب فيهما الإتمام، وقلنا لا يلزم المندوب بالشروع فيه، لصريح قوله - ﷺ -: " الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر ".
ولفعل النبي - ﷺ -؛ حيث أكل من الحيس الذي أهدي لعائشة
- ﵂ - ثم قال: " كنت أصبحت صائمًا "، ولإجماع الصحابة السكوتي، حيث إن بعض الصحابة - كأبي الدرداء، وأبي طلحة، وأبي هريرة، وابن عباس، وحذيفة - كانوا يصومون
[ ٣٩ ]
تطوعًا، ثم يقطعون ذلك - فيما ثبت عنهم - من غير نكير من بقية الصحابة، إذ لو حصل إنكار لنقل، وبلغنا، وما دام أنه لم يبلغنا إنكار، فإن هذا يكون إجماعًا منهم على جوازه.
وللقياس، وهو قياس وسط المندوب وآخره على أوله:
فكما أن المكلف مخير في الابتداء بين أن يشرع فيه وبين عدم الشروع، لكونه نفلًا، فكذلك هو مخيَّر في الوسط والانتهاء، إن شاء أتمَّه، وإن شاء قطعه.
[ ٤٠ ]