الحرام
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف الحرام:
الحرام لغة: الممنوع، يقال: " حرمه الشيء " إذا منعه إياه، والحرام اصطلاحًا: ما ذُم فاعله شرعًا.
* * *
المسألة الثانية:
صيغ الحرام هي كما يلي:
١ - لفظ " التحريم " ومشتقاتها، كقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ).
٢ - صيغة النهي المطلق، كقوله تعالى: (وَلَا تقربُوا الزِّنَا).
٣ - التصريح بعدم الحل، كقوله - ﷺ -: " لا يحل دم امرئ مسلم. . . ".
٤ - أن يرتب الشارع على فعل شيء عقوبة، فيدل هذا على أن هذا الفعل حرام، كقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا).
[ ٤٨ ]
المسألة الثالثة:
يجوز أن يكون الواحد بالنوع واجبًا وحرامًا، مثل: " السجود " حيث إنه واحد بالنوع، فمنه: سجود واجب هو السجود لله تعالى، ومنه سجود حرام وهو: السجود لغير الله تعالى، ولا تناقض في ذلك، وذلك لتغايرهما بالشخصية، فيكون بعض أفراده واجبًا كالسجود لله، وبعضها حرامًا كالسجود لغيره، قال تعالى: (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ).
* * *
المسألة الرابعة:
يمتنع أن يكون الواحد بالعين حرامًا واجبًا من جهة واحدة، كقوله: " اعتق هذا العبد لا تعتق هذا العبد " ويقصد معيَّنًا؛ وذلك لتضادهما وتنافيهما وتناقضهما، وهو من باب تكليف ما لا يطاق، وهو لا يجوز، لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).
* * *
المسألة الخامسة:
يجوز أن يكون الواحد بالعين حرامًا واجبًا من جهتين، كالصلاة في الدار المغصوبة فإنها صحيحة؛ لأن الفعل - وهو الصلاة - مطلوب الفعل، والمكان المصلى فيه مطلوب الترك؛ حيث إنه مغصوب، فيكون متعلق الأمر والنهي غير متَحِد.
[ ٤٩ ]
فالصلاة من حيث هي صلاة مأمور بها - بقطع النظر عما يلحقها من مكان أو غيره، والغصب من حيث هو غصب منهي عنه - بقطع النظر عما يلابسه من أفعال الصلاة، فتكون - على هذا - الصلاة معقولة بدون الغصب، والغصب معقول بدون الصلاة، فيمكن وجود أحدهما بدون الآخر؛ قياسًا على الصلاة منفردة، وعلى الغصب منفرد، فيجب أن يثبت للصلاة حكمها - وهو الأجر - ويثبت للغصب حكمه - وهو الإثم - كما لو كانا منفردين، فالجمع بينهما لا يقلب حقيقتهما في أنفسهما.
* * *
المسألة السادسة:
يجوز أن يحرم واحدًا لا بعينه - وهو الحرام المخيَّر - لأنه واقع شرعًا؛ حيث ثبت تحريم إحدى الأختين لا بعينها، ولأنه لا يمتنع عقلًا أن يقول السيد لعبده: " لا تكلم زيدًا أو عمرًا "، فلا يفهم من ذلك تحريم تكليم واحد بعينه، ولا تحريم تكليم زيد وعمرو، فلم يبق إلا أنه حرم عليه كلام أحدهما لا بعينه.
* * *
المسألة السابعة:
الأمر بالشيء المعين نهي عن ضد ذلك الشيء المعين من جهة المعنى، سواء كان له ضد واحد، أو أضداد؛ لأنه لا يمكن
[ ٥٠ ]
أن نتوصل إلى فعل المأمور به إلا بترك ضده، فوجب أن يكون الأمر به نهيًا عن ضده، وهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فلو قال له: " قم "، لا يمكنه فعل القيام إلا بترك ما يضاد القيام، فوجب - على هذا - أن يكون هذا نهيًا عن القعود، والركوع والاضطجاع ونحو ذلك.
[ ٥١ ]
التكليف وشروطه وما يتعلق به
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف التكليف:
التكليف لغة هو: المشقة، ويطلق على الأمر بما يشق عليك، فهو إذًا: الأمر بما فيه كُلفة.
التكليف اصطلاحًا هو: الخطاب بأمر أو نهي.
* * *
المسألة الثانية:
يشترط في المكلف أن يكون بالغًا، عاقلًا، فاهمًا للخطاب.
فخرج بشرط البلوغ: الصبي، وإن كان عاقلًا فاهمًا للخطاب، فإنه لا يمكن تكليفه.
وخرج بشرط العقل: المجنون وإن كان بالغًا، فإنه لا يمكن تكليفه.
وخرج بشرط الفهم: النائم والغافل والساهي، فإنه لا يمكن
[ ٥٢ ]
تكليف هؤلاء لعدم الفهم - وهم في حالتهم تلك.
* * *
المسألة الثالثة:
الصبي غير المميِّز بين الأشياء وهو ما دون سبع سنوات - غير مكلف، لعدم فهمه للخطاب الوارد من الشارع وإدراكه لمقتضاه، فلا يمكن أن يعمل عملًا وهم لم يعرف المراد منه، ولعدم صحة النية والقصد منه، فلا يقبل أيُّ عملٍ إلا بنية.
* * *
المسألة الرابعة:
الصبي المميز بين الأشياء وهو من تجاوز سن السابعة من عمره - غير مكلف، لأن هذا وإن كان مميزًا بين حقائق الأمور إلا أنه لا يمكن تكليفه؛ لأننا لا نعرف متى ميَّز، ومتى فهم الخطاب؛ لأن الفهم يتزايد تزايدًا غير واضح، فلا يمكن له ولا لغيره. أن يقف على أول وقت فهم خطاب الشارع، وعرف المرسل، والغرض من الرسل، ولذلك حط عنه التكليف؛ لعدم الانضباط في ذلك، فوضع الشارع ضابطًا يضبط الحد الذي تتكامل فيه بنيته وعقله وهو: " البلوغ "، ولهذا فإن أكثر الأحكام تتعلق به.
* * *
المسألة الخامسة:
المجنون - سواء كان جنونه أصليًا أو طارئًا، وسواء كان
[ ٥٣ ]
مطبقًا أو غير مطبق - غير مكلف؛ لعدم فهمه للخطاب الوارد من الشارع، وعدم إدراكه وعلمه للفعل المكلف به، وطريقة امتثاله، وعدم وجود النية والقصد منه.
* * *
المسألة السادسة:
المعتوه - وهو مختلط الكلام بسبب ما يعرض للعقل من خلل - غير مكلف؛ قياسًا على المجنون، والصبي غير المميز، فكما أن المجنون والصبي غير المميز غير مكلفين، فكذلك المعتوه ولا فرق، والجامع: ضعف العقل عن إدراك حقائق الأمور، وعن فهم خطابات الشارع على ما هي عليه.
* * *
المسألة السابعة:
الناسي والساهي والغافل والنائم والمغمى عليه غير مكلفين وهم في حالة السهو والنسيان والغفلة والنوم والإغماء، لأن هؤلاء وهم في حالتهم تلك قد فقدوا شرطًا من شروط التكليف، وهو: " الفهم "، فهم لا يدركون - وهم في تلك الحالة - معنى الخطاب، فلو كلفوا وهم في تلك الحال لكان تكليفًا بما لا يطاق، وهو لا يجوز.
[ ٥٤ ]
المسألة الثامنة:
السكران غير مكلف مطلقًا: لأن السكران في حالة سكره لا يفهم الخطاب فكيف يتوجه إليه خطاب لا يفهم المراد منه؟! فلو طلب منه امتثال ما يقتضيه الخطاب - وهو في حالته تلك - لكان تكليفًا بما لا يطاق، وهو لا يجوز.
* * *
المسألة التاسعة:
المكره المُلْجَأ - وهو: من حمل على أمر يكرهه ولا يرضاه، ولا تتعلق به قدرته واختياره، كمن ألقي من شاهق على مسلم فقتله - غير مكلف اتفاقًا؛ لأنه مسلوب القدرة غير مختار كالآلة.
* * *
المسألة العاشرة:
المكره غير الملجأ - وهو: من حُمل على أمر يكرهه، ولا يرضاه، ولكن تتعلق به قدرته واختياره وإرادته، كمن قيل له: اقتل أخاك المسلم وإلا قتلناك - هذا مكلف؛ لأن شروط التكليف - وهي: البلوغ، والعقل والفهم - قد توفرت فيه، فلا يوجد مانع من تكليفه، فهو بهذا كغير المكره بجامع: توفر جميع شروط التكليف بالإضافة إلى توفر القدرة، وكمال البدن والذمة، ومجرد الإكراه ليس سببًا لإسقاط الخطاب عن المكره بأي حال.
[ ٥٥ ]
المسألة الحادية عشرة:
الكفار مكلَّفون بفروع الإسلام مطلقًا: لعموم قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) فيدخل الكفار؛ حيث إنهم من جملة الناس، ولا يوجد مانع من دخولهم؛ لأنه لو وجد لعرفناه عند الطلب.
ولعموم قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، حيث إن هذا عام في حق المسلمين والكفار، فلا يخرج الكافر إلا بدليل والكفر ليس برخصة مسقطة للخطاب عن الكافر.
ولقوله تعالى: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢».
حيث إن الله تعالى ذم الكافر على تركه لفرع من فروع الشريعة وهي الصلاة، وهذا يدل على أنهم مكلفون بها.
وللقياس على المسلم المحدِث، فكما أن المحدِث قد فقد شرط الصلاة، ولم يمنع ذلك من وجوب الصلاة عليه وإلزامه بها بسبب قدرته على تحصيل الشرط، فكذلك الكافر فإن فقد شرط العبادة - وهما الشهادتان - مع القدرة عليه لا يمنع من توجه الخطاب بها، حيث إنه قادر على تحصيل شرط العبادة وهو: الإيمان.
* * *
المسألة الثانية عشرة:
يشترط في الفعل المكلف به ما يلي:
الشرط الأول: أن يعلم المكلف حقيقة الفعل المكلف به،
[ ٥٦ ]
وذلك من أجل أن يتصور هذا الفعل المأمور به، إذ لا يعقل أن يكلف بشيء مجهول، فيجب أن يعلم طريقة الصلاة وشروطها، وأركانها وواجباتها ونحو ذلك مما يتعلق بها، فلو لم يعلم ذلك لم يصح منه الفعل.
الشرط الثاني: أن يعلم المكلف أن هذا الفعل مأمور به من قِبل الله تعالى؛ لأنه إذا علم ذلك تُصوِّر منه قصد الطاعة والامتثال بفعله؛ أما إذا لم يعلم ذلك فلا يكفي مجرد حصول الفعل منه من غير قصد ولا نية لامتثال أمر الله تعالى، لقوله ﵇: " لا عمل إلا بنية ".
الشرط الثالث: أن يكون حاصلًا بكسب المكلف، فلا يصح تكليف المسلم بكسب غيره؛ لقوله تعالى (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، وقوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩».
الشرط الرابع: أن يكون الفعل الذي طلب من المكلف فعله معدومًا، أي: لم يوجد، فيؤمر المسلم بصلاة الظهر - مثلًا - قبل الزوال، فهنا أمر بها قبل وجودها، ويؤمر الإنسان بخياطة ثوب معدوم.
وقلنا ذلك؛ لأن إيجاد الشيء الموجود تحصيل حاصل لا يرد به الشرع، ولأنه لا يحسن عقلًا أن يؤمر من هو قائم بالقيام، ومن هو يكتب بالكتابة.
[ ٥٧ ]
الشرط الخامس: أن يكون الفعل مقدورًا للمكلف، أي:
يستطيع المكلف فعله والقدرة عليه، فلا يجوز تكليفه بما لا يطاق كالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس، وإيجاد الموجود؛ لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، وقوله: (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا)؛ حيث بين الله تعالى: أنه لا يكلف العباد عملًا من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلف، وفي مقتضى إدراكه.
ولقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، وأيُّ حرج فوق التكليف بما لا يطاق، قال بعض العلماء: ولا حرج أشد من التكليف بما لا يطاق.
ولقوله - ﷺ -: " فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم "، فكلف الناس بما يستطيعون من الفعل.
الشرط السادس: أن يكون التكليف بفعل - بيانه: أن متعلق التكليف هو الأمر والنهي، وكلاهما لا يكون إلا فعلًا، فلا يكلف إلا بفعل، ولا يطلب من المكلف إلا فعل، والتكليف في الأمر تكليف بفعل بالاتفاق؛ لأن مقتضاه: إيجاد الفعل المأمور به كالصلاة والزكاة، وكذلك التكليف في النهي تكليف بفعل؛ لأن المكلف به في النهي هو كف النفس عن الفعل لا نفي الفعل؛ حيث إن كف النفس عن المنهي عنه فعل، فالأمر بالصوم
[ ٥٨ ]
- مثلًا - أمر بكف النفس عن الفطر، والكف فعل الإِنسان، وهو داخل تحت كسبه يؤجر عليه، وكذلك لما نهي عن شرب الخمر فإنه اقتضى التلبس بضد من أضداده، وهو: الترك، فيكون الترك داخلًا تحت كسب المكلف فيثاب عليه، فالترك - في الحقيقة - فعل؛ لكونه ضد الحال التي هو عليها.
[ ٥٩ ]