ومعنى ذلك أن الصدق والكذب من صفات الذي يختص به، فلا يدخل في شيء من أنواع الكلام غيره فكل من وصف شيئًا على ما هو به فهو صادق في خبره، وكل صادق في خبره هو واصف للموصوف على ما هو به، سواء قصد ذلك أو لم يقصده. وكذلك الكذب. قال اللَّه تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: الآية ٣٩]. وقد تقدم الكلام على باقي ما في الحد من الألفاظ.
التواتر: كل خبر وقع العلم بمخبره ضرورة من جهة الخبر.
لفظة "التواتر" مقتضاها في كلام العرب التتابع والاتصال. فكان هذا الخبر اتصل وتتابع حتى وقع العلم به فمتى بلغ هذا الحد من الاتصال وصف بأنه متواتر، ومتى قصر عنه ولم يبلغه لم يوصف بذلك وإن كان قد تتابع وتواتر.
وهذا بحسب عرف تخاطب أهل الجدل وتواطئهم على هذه الألفاظ وما يريدون بها، وذلك سائغ إذا لم يخرج عن لغة العرب على حسب ما بيناه في الكتاب من حكم الأسماء العرفية.
وقلنا: "بمخبره ضرورة" يقتضي أن العلم الواقع بالخبر المتواتر علم ضرورة على ما يقوله شيوخ أهل الحق لا علم نظر واستدلال على ما يقوله غيرهم.
_________________
(١) انظر التمهيد ص ١٦٠.
[ ١١٦ ]