معنى السهو أن لا يكون الساهي ذاكرًا لما نسي. وهو على قسمين:
أحدهما: أن يتقدمه ذكر ثم يعدم الذكره فهذا يصح أن يسمى سهوًا ويصح أن يسمى نسيانًا.
والقسم الثاني: لا يتقدمه ذكره فهذا لا يصح أن يوصف بالنسيان، وإنما يوصف بالسهو والذهول.
والعقل: العلم الضروري الذي يقع ابتداءً ويعم العقلاء.
فلا يلزمنا على هذا معرفة الإنسان بحال نفسه من صحته وسقمه وفرحه وحزنه، لأن ذلك لا يقع ابتداءً، ولولا وجود ذلك به ما علمه.
وليس كذلك علمنا بأن الاثنين أكثر من الواحد وأن الضدين لا يجتمعان، فإن ذلك يعلمه العاقل من غير حدوث شيء ولا وقوعه ولا إدراك حاسة ولا سماع خبر.
وليس كذلك العلم الواقع عن إدراك الحواس، فإنه لا يقع إلا بإدراك الحواس، وكذلك علم الإنسان بصحته وسقمه، فإنه لا يقع ابتداءً، وإنما يقع بعد أن يوجد ذلك به.
[ ٩٩ ]
وقاله القاضي أبو بكر إنه يقع ابتداءً، فقد قرن به ما بين هذا، فقال إنه يقع ابتداءً من غير إدراك حاسة، ولم يقل إنه يقع ابتداءً على الإطلاق، وإنما قال إنه لا يحتاج في العلم به إلى إدراك حاسة من الحواس المتقدم ذكرها (١). واللَّه أعلم.
ووجه آخر، وهو أن معرفة الإنسان بمرضه وصحته لا يعم العقلاء، وإنما يختص بذلك من وجد به، وكذلك مخبر أخبار التواتر لا يعم العقلاء وإنما يقع العلم به لمن سمع بذلك الخبر دون غيره على الوجه الذي يقع به العلم. واللَّه أعلم.
وقال القاضي أبو بكر: حد العقل بعض العلوم الضرورية. وكان الشيخ أبو عبد اللَّه بن مجاهد يذهب في حده إلى أنه "مادة تعرف بها حقائق الأشياء" وأنكره أكثر شيويخنا البغداديين، لأنه إن كان أراد بقوله "مادة" أنه من جنس الأجسام والجواهر على ما يذهب إليه الفلاسفة من أنه جوهر بسيط فغير صحيح، لأن الأحكام لا تثبت بالأجسام ولا بالجواهر، ولا تكون عللًا لها، ولذلك لم يكن المتحرك متحركًا بجسم ولا جوهر، ولا الأبيض أبيض ولا الأسود أسود ولا العالم عالمًا ولا الجاهل جاهلًا، وإنما تثبت الأحكام بالأعراض التي هي علل لثبوتها.
وإن كان أراد بقوله "مادة" أنه عرض من الأعراض، فينتقض بالعلم الذي تعلم به حقائق الأشياء، فإنَّه ليس من العقل بسبيل، لأن الحيوان يعلم كثيرًا من الأشياء، فيعلم ما يتقوت به فيقصده، وما لا يتقوت به ويضره فيجتنبه، ويعلم زجر من يزجره فيزدجر، ولا يوصف لذلك أنه عاقل. فوجب أن يكون ما يختص به من يُسمى عاقلًا ويوصف بذلك في لسان العرب وهو الإنسان.
فإذا كان العقل مما يختص به الإنسان من العلوم، فقد قال القاضي أبو بكر بأنه ما يُعلم به أن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الضدين لا يجتمعان وهذا يختص بمعرفته الإنسان الذي يختص بالوصف بالعقل دون الحيوان الذي لا يوصف بذلك. وهذا الذي قاله القاضي أبو بكر في هذه المسألة وذهب إليه كثير من شيوخنا.
وأما ما حُدّ به العقل بأنه "بعض العلوم الضرورية" فعندي أنه ينتقض بخبر أخبار التواتر وما يدرك بالحواس من العلوم، فإنه بعض العلوم الضرورية، ومع ذلك فإنه
_________________
(١) انظر التمهيد للباقلاني ص ٣٧.
[ ١٠٠ ]
ليس بعقل. وأيضًا فإن هذا ليس بطريق للتحديد، لأن التحديد إنما يراد به تفسير المحدود وتبيينه، وقولنا "عقل" أبين وأكثر تمييزًا مما ليس بعقل من قولنا "بعض العلوم الضرورية" فإنه لا يفهم من لفظ الحد ولا يتميز به من غيره، ولذلك لا يجوز أن يقال في حد الجوهر إنه بعض المحدثات.
فصل: ومحله القلب. هذا الذي ذهب إليه مالك ﵁، وهو قول أهل السنة من المتكلمين.
وقال أبو حنيفة: محله الرأس. وبه قالت المعتزلة.
وتتعلق به مسألة من الفقه، وذلك أن من شج رجلًا موضحة، فذهب عقله، لزمه عند مالك دية العقل وأرش الموضحة، لأنه إنما أتلف عليه منفعة ليست في عضو الشجة، فتكون الشجة تبعًا لها.
وقال أبو حنيفة: إنما عليه دية العقل فقط، لأنه لما شج رأسه وأتلف عليه العقل الذي هو منفعة في العضو المشجوج دخل أرش الشجة في الدية.
والصحيح ما قاله مالك ﵀، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: الآية ٤٦]، فوصف القلوب بأنها يعقل بها، فلولا أن العقل موجود بها لما وصفت بذلك حقيقة، كما لا توصف الأذن بأنه يُرى بها ولا يُصغي بها. وأيضًا فإنه قال ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج: الآية ٤٦] فأضاف منفعة كل عضو إليه كما فعل في الأذن. وكما قال تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: الآية ١٩٥] فأضاف إلى كل عضو المنفعة المخصوصة به، فثبت بذلك أن العقل منفعة القلب ومختص به.