ومعنى وصفنا له بذلك أن المستعمل له جاوز استعماله فيما وضع له إلى غيره. من قولهم: جاوز فلان قدره، إذا تعداه. واستعمل ذلك وكثر في كلامهم حتى سموا اللفظ المستعمل في غير ما وضع له مجازًا وسموا المتكلم به متجوزًا. وهو شائع ذائع في كلام العرب، ولا يكون الناطق بذلك متكلمًا بغير لغة العرب، لأن العرب استعملت هذه الألفاظ في غير ما وضعت له على هذا الوجه، فكان ذلك من اللغة العربية.
الأمر: اقتضاء المأمور به بالقول على وجه الاستعلاء والقسر (٢).
ومعنى ذلك ألا يكون أمرًا إلا باستدعاء الفعل-، وذلك يتميز من الإباحة، لأن المبيح لا يستدعي الفعل، وإنما يأذن فيه والأمر يستدعيه على وجه ما هو آمر به من وجوب أو ندب.
وقوله "على وجه الاستعلاء والقسر" مما يختص به الأمر ويتميز به من الشفاعة والرغبة، لأن الشافع والراغب يستدعي الفعل، لكن على وجه الرغبة والخضوع، والآمر يستدعيه على وجه الغلبة والقهر.
الواجب: ما كان في تركه عقاب من حيث هو ترك له على وجه ما.
قوله: "ما كان في تركه عقاب" ترك الفعل هو ضده، وترك المشي الوقوف والجلوس والاضطجاع. كل واحد من هذه يسمى تركًا للمشي، والمشي ترك لكل واحد من هذه في عرف تخاطب المتكلمين وأهل الجدل.
_________________
(١) انظر مفتاح الوصول ص ٧٥.
(٢) انظر مفتاح الوصول ص ٣٠.
[ ١١١ ]
ويتميز الواجب من المندوب إليه بأنّ في تركه عقابًا، وليس في ترك المندوب إليه ولا المباح عقاب. مثال ذلك: أن من ترك صلاة الفرض إلى جلوس أو غيره حتى فات وقتها استحق العقاب. ومن ترك الصلاة النافلة إلى جلوس، أو ترك الوقوف المباح إلى جلوس لم يستحق بشيء من ذلك عقابًا.
وقلنا "من حيث هو تَرْك له" احترازًا من ترك المباح والمندوب إليه إلى معصية، فإنه يستحق العقاب، ليس من حيث إنه ترك المندوب والمباح، ولكن من حيث فعل المعصية.
يبين ذلك: أنه إذا ترك صلاة الفرض، إلى أي شيء تركها، استحق بذلك العقاب، لأنه ترك الواجب. وإذا ترك المندوب إليه والمباح، إلى معصية استحق العقاب من حيث فعل المعصية لا من حيث ترك المندوب إليه والمباح وإذا ترك أحدهما إلى غير معصية لم يستحق عقابًا، فتميز بذلك ترك الواجب من المندوب إليه والمباح. ولذلك قيدنا الحد بقولنا: "من حيث هو ترك له".
وقولنا: "على وجه ما" احتراز من الواجب المخير فيه كالكفارات التي خُيّر المكفر فيها بين العتق والإطعام والكسوة، لا سيما على قول من أصحابنا إن جميعها واجب، فإنه يترك بعضها وهو واجب، ولا إثم عليه إذا فعل واحدًا منها.
ومعنى قولنا: "على وجه" نريد ألا يكون أتى ببدل لما تركه من الواجب، أما لأن الواجب ليس فيه تخيير، وأما لأنه ترك جميع المخير فيه، ولم يقض الكفارة بشيء، وهو الغرض والمكتوب.
وقد عبّر بعض أصحابنا عن مؤكد السنن بالواجب، وهذا تجوز في العبارة وليس بحقيقة. وذهب بعض أصحابنا إلى أن الواجب وإن كان في تركه عقاب فرتبته دون رتبة الفرض.
ويعبر أصحاب أبي حنيفة عن ذلك بأن الفرض ما ثبت بنص القرآن والواجب ما ثبت بقول النبي -ﷺ-. وهذا ليس بصحيح لأن ما ثبت بقول النبي ﵇ وما ثبت بنص القرآن، فكل من عند اللَّه ثابت بنص القرآن، لقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المَائدة: الآية ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: الآية ٦٣].
وذهب القاضي أبو محمد في بعض كلامه إلى أن الواجب ما أثم بتركه ولم يجب قضاؤه، وأن الفرض ما يلزم -مع ما في تركه من الإثم- قضاؤه.
[ ١١٢ ]