وجلَّ من لا ينسى، كم من إنسان ينسى حديثًا، بل قد ينسى آية، رسول الله ﷺ صلَّى ذات يوم في أصحابه فأسقط آية نسيانًا، وكان معه أُبي بن كعب ﵁، فلمَّا انصرف من صلاته قال: "هلا كنت ذَكَّرتنيها" ١ وهو الذي ينزل عليه الوحي، وقد قال له ربه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ ٢.
ومن هذا - أي مما يكون الحديث قد بلغ الإنسان ولكنه نسيه - قصة عمر بن الخطاب مع عمار بن ياسر ﵄ حينما أرسلهما رسول الله ﷺ في حاجة، فأجنبا جميعًا عمار وعمر. أما عمار فاجتهد
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة ٩٠٧. ٢ سورة الأعلى، الآيتان: ٦، ٧.
[ ١٥ ]
ورأى أن طهارة التراب كطهارة الماء، فتمرغ في الصعيد كما تمرغ الدابة، لأجل أن يشمل بدنه التراب، كما كان يجب أن يشمله الماء وصلَّى، أما عمر ﵁ فلم يصل.. ثم أتيا إلى رسول الله ﷺ فأرشدهما إلى الصواب، وقال لعمار: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا" - وضرب بيديه الأرض مرة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه. وكان عمار ﵁ يحدث بهذا الحديث في خلافة عمر، وفيما قبل ذلك، ولكن عمر دعاه ذات يوم وقال له: ما هذا الحديث الذي تحدث به؟ فأخبره وقال: أما تذكر حينما بعثنا رسول الله في حاجة فأجنبنا، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمرغت في الصعيد، فقال النبي ﷺ: "إنما كان يكفيك أن تقول كذا وكذا". ولكن عمر لم يذكر ذلك وقال: اتق الله يا عمار، فقال له عمار: إن شئت بما جعل الله عليَّ
[ ١٦ ]
من طاعتك أن لا أُحدِّث به فعلت، فقال له عمر: نوليك ما توليت١ - يعني فحدِّث به الناس - فعمر نسي أن يكون النبي ﷺ جعل التيمم في حال الجنابة كما هو في حال الحدث الأصغر، وقد تابع عمر على ذلك عبد الله بن مسعود ﵁، وحصل بينه وبين أبي موسى ﵄ مناظرة في هذا الأمر، فأورد عليه قول عمار لعمر، فقال ابن مسعود: ألم تر أن عمر لم يقنع بقول عمار، فقال أبو موسى: دعنا من قول عمار، ما تقول في هذه الآية؟ - يعني آية المائدة - فلم يقل ابن مسعود شيئًا، ولكن لا شك أن الصواب مع الجماعة الذين يقولون أن الجُنُب يتيمم، كما أن المحدث حدثًا أصغر يتيمم، والمقصود أن الإنسان قد ينسى فيخفى عليه الحكم الشرعي، فيقول قولًا يكون به معذورًا لكن مَن علِم الدليل فليس بمعذور. هذان سببان.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري، كتاب التيمم ٣٣٨، ٣٤٥، ٣٤٦، ومسلم، كتاب الحيض ٣٦٨.
[ ١٧ ]