بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلّم تسليمًا كثيرًا.
وبعد: فإن علم الأصول عظيم شأنه، عميم نفعه، يحتاج إليه الفقيه، والمتفقه، والمحدِّث، والمفسر، لا يستغني عنه ذو نظر، ولا ينكر فضله أهل الأثر، إذ هو الدستور القويم للاستنباط، والاجتهاد، به يتمكن من نصب الأدلة السمعية على مدلولاتها، ومعرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية.
ولذا فإنه يعتبر من أهم الوسائل التي تُثبِّت قواعد الدين، وتدعمها، وترد على شُبَه الملحدين، والمضلّلين، وتبطلها، فكان لأهل البحث والاجتهاد هاديًا، وللمبتدعة على بدعهم رادًّا، وقاضيًا.
ولقد كان بين أهل الرأي، وأهل الحديث بَوْنٌ شاسع، ﵏ جميعًا؛ إذ كان الفريق الأول متميزًا بقوة البحث والنظر والاستنباط، بينما كان الفريق الثاني متضلِّعًا بعلم الحديث، دراية ورواية، وكان كل فريق يوجه اللوم إلى الآخر، ويتهمه بالقصور، حتى جاء الإمام الشافعي رضي الله
[ ١ / ٩ ]
عنه وأرضاه، وكان قد رزقه الله معرفة بكتابه، وسنة نبيه - ﷺ -، مع اطلاعه على مسالك الرأي، وطرقه، متمرِّسًا بالبيان وفنونه، مع عقل ثاقب، ورأي صائب، وحجة بالغة، ومكانة عالية، فنظر إلى ذلك الخلاف المحتدم، ورأى اقتصار أهل الحديث عليه دون سواه من جدال ونظر، كما رأى غلوَّ أهل الرأي، وتوسعهم في فن الاستنباط والنظر، فوضع كتابه المسمى بـ "الرسالة" جامعًا فيه بين الحديث والرأي، مبيّنًا الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيَّد، والمجمل والمبين، والعام الذي أُريد به الخاص، والظاهر الذي أُريد به غير ظاهره وتكلم فيه على حُجِّية أخبار الآحاد، وتقديمها على القياس، ومنزلة السنة ومكانتها، وتكلم على القياس، والإجماع، والاجتهاد، وشروط المفتي في دين الله تعالى، إلى غير ذلك من المباحث الأصولية التي حررها، ودونها. فكانت هذه الرسالة بمثابة القانون القويم الذي يعوَّل عليه، ويحتكم إليه، مع خلوها من علم المنطق الذي أُحدِث بعد ذلك.
وبذلك خف أثر النزاع بعد أن علم كلا الفريقين القواعد التي يجب عليهم أن يلتزموها، ويسيروا على نهجها، وصاروا على بينة مما يدافعون به عن مذاهبهم، وآرائهم.
ثم جاء العلماء من بعده، فواصلوا البحث، ونظموا الأصول، ورتبوها، غير أنه أُدخل فيها علم المنطق والجدل نتيجة لحركة الترجمة النشطة؛ حيث ترجمت علوم اليونان في العهد العباسي الأول إلى اللغة العربية.
[ ١ / ١٠ ]
وهكذا مزج أصول الفقه بعلم المنطق، وبخاصة من أواخر القرن الثالث وما بعده.
وقد شاء الله تعالى -بعد الانتهاء من مرحلة الماجستير- أن يقع اختياري على هذا المخطوط "الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع" في علم الأصول، فقدمته إلى قسم الدراسات العليا بالجامعة ليكون موضوعًا لرسالة الدكتوراة، وتم قبوله بحمد الله وتوفيقه.
* * *
[ ١ / ١١ ]