[ ٤ / ١٠٣ ]
الكتاب السابع في الاجتهاد
قوله: "الكتاب السابع في الاجتهاد".
أقول: هذا آخر الأبواب، ولا يخفى وجه تأخيره عن سائر المباحث.
والاجتهاد -لغة-: من الجهد، وهو الطاقة، وبذل الوسع (١).
واصطلاحًا: ما ذكر وهو استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل الظن بحكم شرعي (٢).
ومعنى الاستفراغ: بذل الطاقة بحيث لا يمكن المزيد، فهو بمنزلة الجنس.
_________________
(١) راجع: معجم مقاييس اللغة: ١/ ٤٨٧، وأساس البلاغة: ص/ ١٤٤، والمصباح المنير: ١/ ١١٢، والقاموس المحيط: ١/ ٢٨٦.
(٢) راجع تعريف الاجتهاد عند الأصوليين مع اختلاف العبارات فيه: الإحكام لابن حزم ١/ ٤١، ٢/ ١١٥٥، والحدود للباجي: ص/ ٦٤، والمستصفى: ٢/ ٣٥٠، ٣٥٤، والمحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٧، ٣٩، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٠٤، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٤٢٩، وكشف الأسرار: ٤/ ١٤، والمعتمد: ٢/ ٣٥٧، ومجموع الفتاوى: ٢٠/ ٢٠٢، وفتح الغفار: ٣/ ٣٤، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٦٢، ومختصر الطوفي: ص/ ١٧٣، ومختصر البعلي: ص/ ١٦٣، وأصول مذهب أحمد: ص/ ٦٢٥، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ ١٧٩، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٥٠.
[ ٤ / ١٠٥ ]
وقولنا: الفقيه احتراز عن استفراغ غير الفقيه (١).
وقولنا: لتحصيل الظن يخرج القطعيات إذ لا اجتهاد فيها.
وقولنا: الحكم الشرعي يخرج ما ليس بحكم شرعي كبذل الوسع [لطلب] (٢) غيره من الأحكام.
والمصنف وإن لم يصرح بالحكم الشرعي لكنه أراده، وإنما اكتفى عن ذكره بلفظ الفقيه، لأن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية، لا يقال: الفقيه قد بذل الوسع في استخراج الأحكام اللغوية مثلًا فلا يدل ذكره على الحكم الشرعي، لأنا نقول: أراد الفقيه من حيث إنه فقيه، واستخراجه لسائر الأحكام ليس من تلك الحيثية.
قوله: "والمجتهد الفقيه".
أقول: يريد أنه قد علم من التعريف ركنا الاجتهاد، وهما المجتهد، والمجتهد فيه، وهما الفقيه، والحكم الشرعي، فأخذ في بيان شروط الفقيه، فقال: هو البالغ، أي: الواصل حد التكليف.
_________________
(١) المراد بالفقيه -عند الأصوليين- المجتهد هنا، وأما إطلاقه على من يحفظ الفروع الفقهية، فهو اصطلاح عند غيرهم. راجع: صفة الفتوى: ص/ ١٤، ومناهج العقول: ٣/ ٢٣٣، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٦٢، وتيسير التحرير: ٤/ ١٧٩، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٨٢، وأصول مذهب أحمد: ص/ ٦٢٦، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٥٠.
(٢) سقط من (أ) وأثبت بهامشها.
[ ٤ / ١٠٦ ]
العاقل: وفسره، بأنه ذو ملكة، وهي الهيئة الراسخة، كما سبق في تعريف الفقه يدرك بتلك المعلوم ما من شأنه أن يعلم وإلا فالعلم بالمعلوم محال، فالعقل على هذا هو تلك الملكة.
وقيل: هو نفس العلم، وقد نقل عن الشيخ الأشعري.
وقيل: هو الضروري منه.
وقيل: نور في بدن الإنسان مثله مثل الشمس في ملكوت الأرض. والحق: أنه مغاير للعلم، وهو قوة يدرك بها المغيبات، كما يدرك بالبصر المشاهدات، وإطلاقه على العلم تسامح، أو أريد به مصدر عقل يعقل عقلًا (١)، فإنه بمعنى العلم، والإدراك، وليس الكلام فيه، بل الكلام في تلك القوة المودعة التي لا تنفك عن الإنسان نومًا، ولا يقظة.
وشرطه: أن يكون فقيه النفس (٢)، أي: شديد التيقظ، والفطنة، فإن الاستنباط بدونه بعيد جدًا، إذ لا رتبة بعد النبوة وراء هذه الرتبة.
_________________
(١) راجع الخلاف في تعريف العقل: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين: ص/ ١٥٠، ومعالم أصول الدين: ص/ ٢٢ - ٢٣، والمواقف للإيجي: ص/ ١٤٥ - ١٤٦، وتشنيف المسامع: ق (١٤١/ ب)، والغيث الهامع: ق (١٥٠/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ ٤٢٥ - ٤٢٦، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٨٢.
(٢) راجع شروط المجتهد: الرسالة للشافعي: ص/ ٥٠٩، والمستصفى: ٢/ ٣٥٠، والمحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٣٠، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٤٣٧، وكشف الأسرار: ٤/ ١٥، وحاشية السعد على ابن الحاجب: ٢/ ٢٩٠، وفتح الغفار: ٣/ ٣٤، والموافقات: ٤/ ٦٧، =
[ ٤ / ١٠٧ ]
وإن كان منكرًا للقياس، فإنه لا يسلب ذلك عنه اسم الفقه هذا ما اختاره بعض الفقهاء.
والحق: ما اختاره القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين (١) أنهم لا يعدون فقهاء، لأنهم منكرون ركنًا من أركان الشريعة.
وفرق بعضهم بين القياس الجلي، والخفي، وقال: منكر الجلي منه لا يسمى فقيهًا بخلاف الخفي.
ويكون عارفًا بالدليل العقلي، معناه -على ما ذكره الغزالي والإمام (٢) - هو أن يعلم البراءة الأصلية، وأنَّا مكلفون به إلى أن [يرد] (٣) ناقل عن تلك البراءة من نص، أو إجماع، أو غيرهما.
ويكون متوسطًا في اللغة، لأن أدلة الشرع من الكتاب، والسنة عربيان، فلا يمكن الاستدلال بهما إلا بعد معرفة اللغة، وعلم العربية من النحو، والصرف لأن إفادة المعنى بدونهما مستحيل
_________________
(١) = وصفة الفتوى: ص/ ١٦، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٦٣، وتيسير التحرير: ٤/ ١٨٠، ومختصر الطوفي: ص/ ١٧٣، ومختصر البعلي: ص/ ١٦٣، والرد على من أخلد إلى الأرض: ص/ ١١٣، والمقنع ٤/ ٢٤٧، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ ١٨٠، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٥٠، والوسيط: ص/ ٤٨٦.
(٢) راجع: البرهان: ٢/ ١٣٣٠، وما بعدها. والمعتمد: ٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨.
(٣) راجع: المستصفى: ٢/ ٣٥١، والمحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٣٤.
(٤) في (أ، ب): "ورد".
[ ٤ / ١٠٨ ]
وأما معرفة الأصول -يريد به أصول الفقه- وهو عندي ليس بشرط إذ الشافعي كان مجتهدًا، ولم يكن هناك هذا العلم مدونًا.
ولو أدرج البلاغة في العربية كان أولى، مع أنها ليست شرطًا في المجتهد أيضًا، لأن جمهور المجتهدين كانوا متبحرين في الاجتهاد، مع أنه لم يكن هناك هذا مدونًا، بل كونه ذا طبع مستقيم كاف.
وشرطه: أن يكون عارفًا من الكتاب، والسنة بما يتعلق بالأحكام، وليس يلزمه حفظ المتون (١).
قيل: الآيات المحتاج إليها خمس مئة.
وكذلك يعرف من السنة ما يتعلق بالأحكام.
قال والد المصنف: "ليس المجتهد من له الدرجة الوسطى، بل من له ملكة في العلوم المذكورة، ويكون محيطًا بمعظم قواعد الشرع بحيث يحصل له قوة يدرك بها مقاصد الشارع" (٢).
وهذا مأخوذ من كلام الإمام الغزالي.
_________________
(١) يعني أنه لا يشترط في المجتهد حفظ ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة حيث أمكنه استحضار ذلك عند إرادة الاحتجاج به. راجع: المحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٣٣، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٠٥، وكشف الأسرار: ٤/ ١٥، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ ١٨٠، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٥٠.
(٢) راجع: تشنيف المسامع: ق (١٤١/ ب)، والغيث الهامع: ق (١٥١/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٨٣، وهمع الهوامع: ص/ ٤٢٦.
[ ٤ / ١٠٩ ]
قال -في المستصفى-: "أحد الشرطين في المجتهد أن يكون محيطًا بمدارك الشرع متمكنًا من استثارة الظن بالنظر فيها، وتقديم ما يجب تقديمه" (١).
فإن قوله: متمكنًا معناه ذو ملكة له قوة الأخذ، والرد والقبول.
ومن شروط الاجتهاد كونه خبيرًا بمواقع الإجماع، لكن ليس لكونه مجتهدًا، بل لكون اجتهاده سالمًا، إذ الاجتهاد الواقع على خلاف الإجماع السابق ونقله عن والده، وليس له ذلك خاصة، بل هو ظاهر كلام الإمام، والغزالي (٢).
قال الإمام في المحصول: "ينبغي أن يكون عالمًا بمواقع الإجماع، حتى لا يفتي بخلافه" (٣).
والإفتاء: هو إيقاع الاجتهاد الذي قاله والده.
ومن شروط الإيقاع على الوجه الصحيح معرفة الناسخ والمنسوخ لئلا يفتي بالمنسوخ (٤).
وكذا أسباب النزول، لأنه يفيد قوة في فهم المراد، ويبعث على النظر في الأحكام.
_________________
(١) راجع: المستصفى: ٢/ ٣٥٠.
(٢) راجع: المستصفى: ٢/ ٣٥١.
(٣) راجع: المحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٣٤. وانظر: مختصر الطوفي: ص/ ١٧٤، ونزهة الخاطر: ٢/ ٤٠٥، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٨٤، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٥١.
(٤) راجع: المستصفى: ٢/ ٣٥٢، وتيسير التحرير: ٤/ ١٨٢.
[ ٤ / ١١٠ ]
وكذا العلم بشرط المتواتر، والآحاد، وامتياز الصحيح من الضعيف، ومعرفة الرواة ليعلم المقبول من المردود (١)، ويعول في ذلك على قول أئمة الحديث كالإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والدارقطني (٢)، وأبي داود لأن في زمننا يتعذر الوقوف على حالهم إلا بالواسطة، والمذكورون أولى من يقلد.
قوله: "ولا يشترط علم الكلام".
أقول: يريد ليس من شرط المجتهد في نفسه، ولا في إيقاع الاجتهاد معرفة علم الكلام، وهذا مأخوذ من كلام الغزالي (٣)، وهو مبني على جواز
_________________
(١) راجع: المحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٣٣، ٣٥، وكشف الأسرار: ٤/ ١٥، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٤٣٧، ٤٣٨، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ ١٨٠ - ١٨١، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٨٤، ومختصر الطوفي: ص/ ١٧٤.
(٢) وهو علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسين البغدادي الدارقطني الإمام الحافظ الكبير شيخ الإِسلام حافظ الزمان إليه النهاية في معرفة الحديث، وعلومه، وكان يدعى فيه أمير المؤمنين، وكان إمامًا في القراءات والنحو، انتهى إليه علم الأثر، والمعرفة بالعلل، وأسماء الرجال مع الصدق والثقة، وحسن الاعتقاد، وله مصنفات كثيرة منها: السنن، والعلل والأفراد، والمختلف والمؤتلف، والمعرفة بمذاهب الفقهاء، والمعرفة بالأدب والشعر، وتوفي سنة (٣٨٥ هـ)، وقيل غير ذلك. راجع: تأريخ بغداد: ١٢/ ٣٤، وفيات الأعيان: ١/ ٤٥٩، وطبقات القراء: ١/ ٥٥٨، وطبقات السبكي الكبرى: ٣/ ٤٦٢، وتذكرة الحفاظ: ٣/ ٩٩١، وطبقات الحفاظ: ص/ ٣٩٣.
(٣) قال الغزالي: "فأما الكلام، وتفاريع الفقه، فلا حاجة إليهما. . . نعم إنما يحصل منصب الاجتهاد في زماننا بممارسته، فهو طريق تحصيل الدربة في هذا الزمان، ولم يكن الطريق في زمن الصحابة ذلك" المستصفى: ٢/ ٣٥٣. =
[ ٤ / ١١١ ]
التقليد في العقائد، وليس هذا بصحيح. وكذا لا يشترط معرفة الفروع الفقهية.
وقيل: يشترط، والمراد بها المسائل الفرعية التي استخرجها غيره، فلا دور كما توهم (١).
وفائدة الاشتراط (٢) زيادة البصيرة، والإحاطة بما أجمع عليه.
وكذا المذكورة، والحرية، لأن الحكم على النساء بنقصان العقل (٣) باعتبار الغالب.
وأما الحرية فلأن ملاك الأمر هو العلم، وربما يخص اللَّه عبدًا مملوكًا بفطنة وقَّادَة يجمع مع خدمة السيد العلوم التي بها يحصل الاجتهاد. ولا
_________________
(١) = وراجع: الإحكام للآمدي: ٣/ ٢٠٥، والمحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٣٦، وصفة الفتوى: ص/ ١٦، والمجموع للنووي: ١/ ٧١، وكشف الأسرار: ٤/ ١٦، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ ١٨٢، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٥٢.
(٢) جاء في هامش (أ، ب): "الزركشي". راجع: تشنيف المسامع: ق (١٤٢/ ب) حيث قال: "فلو شرط فيه لزم الدور".
(٣) والذي شرطه هو الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني قال الزركشي: "ولعله أراد ممارسته وإليه مال الغزالي" ثم ذكر كلامه المذكور سابقًا. راجع: تشنيف المسامع: ق (١٤٢/ ب)، والغيث الهامع: ق (١٥١/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٨٤، ٣٨٥، وهمع الهوامع: ص/ ٤٢٧ - ٤٢٨.
(٤) يشير إلى حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلنا: بلى قال: فذلك من نقصان عقلها". راجع: صحيح البخاري: ٣/ ٢١٤، وسنن ابن ماجه: ٢/ ٤٨٣.
[ ٤ / ١١٢ ]
تَرِد الشهادة، والقضاء، لأن أمرهما مبني على الاحتياط، وكذا لا تشترط العدالة فيما يرجع إلى الاجتهاد.
قال الغزالي: العدالة شرط للاعتماد عليه لا للاجتهاد (١).
ويجب البحث عن المعارض، فينظر في العام هل له مخصص، أم لا؟ وفي المطلق هل له مقيد، أم لا؟ وفي النص هل له ناسخ؟
وإذا وجد (٢) في كلام الشارع لفظًا صريحًا للاستنباط ينظر هل معه قرينة صارفة، أم لا؟
ويكفي البحث إلى أن يغلب على ظنه وجودها، أو عدمها (٣)، وينبغي أن يكون هذا على الوجه الأولى، والأليق، وإلا قد سبق أن الاستدلال بالعام قبل البحث عن المخصص هو المختار عندنا.
ثم لفظ المجتهد يطلق على معنيين آخرين.
_________________
(١) راجع: المستصفى: ٢/ ٣٥٠، وهذه الشروط الآنفة الذكر في حق المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرع بما يؤديه إليه اجتهاده، لأنه سيأتي ذكر إطلاق آخر على المجتهد بعد قليل، والمجتهد المطلق مفقود الآن كذا قاله العلماء. راجع: تشنيف المسامع: ق (١٤٢/ ب)، والغيث الهامع: ق (١٥٢/ أ)، وهمع الهوامع: ص/ ٤٢٨.
(٢) آخر الورقة (١٣١/ ب من أ).
(٣) راجع: تشنيف المسامع: ق (١٤٢/ ب)، والغيث الهامع: ق (١٤٣/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٨٥، وهمع الهوامع: ص/ ٤٢٨.
[ ٤ / ١١٣ ]
أحدهما: المجتهد في المذهب، وهو من التزم مذهب مجتهد، وحذق فيه، وأتقن أصول ذلك الإمام، ونصوصه، وأحاط إحاطة تامة بمجتهداته، فإذا وجد نص إمامه يمشي عليه، فإن لم يجد خرَّج على تلك الأصول.
ودُونَ هذا المجتهد في الفتيا، وهو المتبحر في مذهب إمامه بحيث يقدر على ترجيح أحد قولي إمامه، ولكن لا يقدر على التخريج (١).
قوله: "والصحيح جواز تجزؤ الاجتهاد".
أقول: قد اختلف في تجزؤ الاجتهاد.
وهو أن ينال شخص رتبة الاجتهاد في باب من الأبواب، كالفرائض مثلًا، ومسألة واحدة من المسائل، بأن يحصل من العلوم المحتاج إليها في ذلك الباب، أو في تلك المسألة (٢).
_________________
(١) المجتهد في المذهب له أربع حالات منها ما ذكره الشارح هنا وسيأتي في: ص/ ١٥٢ - ١٥٣، من هذا الكتاب ذكر حالات أخرى مع الإحالة إلى المراجع.
(٢) وهو مذهب الجمهور، واختاره الغزالي، وابن دقيق العيد، والآمدي، وابن الحاجب، والكمال بن الهمام، وبه قالت المعتزلة، وقيل: لا يتجزأ، وهو منقول عن الإمام أبي حنيفة، واختاره الشوكاني، وقيل: يتجزأ في باب لا في مسألة، وقيل: في الفرائض لا في غيرها. راجع الخلاف في هذه المسألة: المعتمد: ٢/ ٣٥٩، والمستصفى: ٢/ ٣٥٣، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٠٥، والمحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٣٧، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٤٣٨، وكشف الأسرار: ٤/ ١٧، وفتح الغفار: ٣/ ٣٧، ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢٩، والموافقات ٤/ ٦٨، ومجموع الفتاوى: ٢٠/ ٢٠٤، ٢١٢، ومختصر البعلي: =
[ ٤ / ١١٤ ]
اختار المصنف جوازه لصدق حد المجتهد عليه في ذلك القدر. وليس من لوازم الاجتهاد الإحاطة بجميع المآخذ، ولا هو مأخوذ في تعريفه (١).
والاستدلال بأن مالكًا سئل في أربعين مسألة، فقال -في ست وثلاثين-: لا أدري، ليس بتام، لأن المراد بالعلم بتلك المآخذ هو الملكة التي يمكنه -بعد التوجه، وارتفاع الموانع- تحصيل المقصود بها.
ولا نسلم أن مالكًا لم يكن بتلك المثابة، بل أعلى كعبًا من ذلك.
قيل: إن لم يكن محيطًا بالمآخذ، فكل ما قدر جهله به يمكن أن يكون متعلقًا بتلك المسألة، فكيف يحكم بدونه؟ .
الجواب: أن ذلك لا يقدح في غلبة ظنه بأن كل ما يتعلق بالمسألة حاصل عنده (٢).
قوله: "وجواز الاجتهاد للنبي -ﷺ-".
_________________
(١) = ص/ ١٦٤، ومختصر الطوفي: ص/ ١٧٤، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٦٤، وصفة الفتوى: ص/ ٢٤، وتيسير التحرير: ٤/ ١٨٢، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ ١٨٣، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٥٤.
(٢) يعني أنه يكفي معرفة المجتهد جميع مآخذ المسألة الواحدة من الكتاب والسنة ليجتهد بها لا أن يعلم جميع مآخذ الأحكام في غير المسألة المجتهد فيها. راجع: العضد على ابن الحاجب: ٢/ ٢٩٠، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٦٤، وتيسير التحرير: ٤/ ١٨٣.
(٣) راجع: الإحكام للآمدي: ٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦، ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢٩٠.
[ ٤ / ١١٥ ]
أقول: اختلف في جواز الاجتهاد له -ﷺ- ووقوعه، قيل: لا يجوز مطلقًا، وقيل: يجوز في الآراء، والحروب (١)، المختار الوقوع مطلقًا (٢).
_________________
(١) اختلف في جواز الاجتهاد للنبي -ﷺ- فيما لا نص فيه على مذاهب: أحدها: وبه قال الأكثرون، وهو الصحيح جوازه، وحكي عن الشافعي، وأحمد، ومالك، وأبي يوسف، والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري، واختاره الغزالي، والرازي، والآمدي والبيضاوي، وابن الحاجب، والمصنف وهو مذهب الحنفية. بشرط أن يكون الاجتهاد بعد انتظار الوحي، واليأس من نزوله. الثاني: وبه قال أبو علي الجبائي، وأبو هاشم الجبائي، وابن حزم وغيرهم، فمن منع القياس أصلًا منع الاجتهاد على الرسول -ﷺ- عقلًا، وشرعًا، وقال به بعض الأشعرية. الثالث: يجوز في الآراء والحروب دون غيرها، وقد حكى الإجماع على جواز اجتهاده في الأمور الدنيوية سليم الرازي، وابن حزم، وغيرهما. راجع: الإحكام لابن حزم: ٢/ ٦٩٩، ٨٠٣، والبرهان: ٢/ ١٣٥٦، وأصول السرخسي: ٢/ ٩١، والمعتمد: ٢/ ٢١٠، واللمع: ص/ ٧٦، والتبصرة: ص/ ٥٢١، والمستصفى: ٢/ ٣٥٥، ٣٥٦، والمنخول: ص/ ٤٦٨، والمحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٩، ١٨ - ١٩، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٠٦، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٤٣٦، والمسودة: ص/ ٥٠٦ - ٥٠٨، ومختصر البعلي: ص/ ١٦٤، ومختصر الطوفي: ص/ ١٧٥، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٦٦، ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢٩١، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٥٦.
(٢) وعلى القول بجوازه ففي وقوعه مذاهب: الأول: الوقوع، وهو ظاهر كلام الرازي ومن تبعه، واختاره الآمدي، وابن الحاجب. الثاني: عدم الوقوع وقال به أكثر المتكلمين، وبعض الشافعية. الثالث: القول بالوقف لتعارض الأدلة، ونسبه الرازي إلى المحققين. الرابع: الجواز، والوقوع في الآراء، والحروب، والمنع في غيرهما جمعًا بين الأدلة. =
[ ٤ / ١١٦ ]
لنا: قوله ﵊: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي" (١).
وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧]، عوتب على الإذن للمنافقين بعد استئذانهم (٢).
وأخذ الفداء من الأسرى يوم بدر (٣)، ولا يعاتب إلا على ما لم يكن بوحي.
_________________
(١) = راجع: التبصرة: ص/ ٥٢١، والمستصفى: ٢/ ٣٥٥، والمحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٩، ١٤، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٠٦، ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢٩١، والمسودة: ص/ ٥٠٦، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٨٧، وتيسير التحرير: ٤/ ١٨٥، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٥٦.
(٢) الحديث رواه البخاري، ومسلم والشافعي عن جابر مرفوعًا ورواه أبو داود عن عائشة مرفوعًا، ورواه أحمد عن ابن عباس مرفوعًا. راجع: صحيح البخاري: ٢/ ١٦٧ - ١٦٨، وصحيح مسلم: ٤/ ٣٧ - ٣٨، ومسند أحمد: ١/ ٢٥٩، وشرح النووي على مسلم: ٨/ ١٥٥، وسنن أبي داود: ١/ ٤١٤، وبدائع المنن: ١/ ٣٠١، وتلخيص الحبير: ٢/ ٢٣١.
(٣) قال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذنوا رسول اللَّه -ﷺ-، فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا. ولهذا قال تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [التوبة: ٤٣]، وكان ذلك في غزوة تبوك. راجع: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٦١، وفتح القدير: ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٧.
(٤) روى مسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي عن ابن عباس، وأنس أن رسول اللَّه -ﷺ- استشار في أسرى بدر، فأشار أبو بكر بالفداء، وعمر بالقتل، فجاء عمر من الغد، =
[ ٤ / ١١٧ ]
قالوا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] صريح في نفي الاجتهاد.
قلنا: [إذا] (١) أذن له في الاجتهاد، فهو بالوحي.
قالوا: لو أجاز له الاجتهاد لجاز مخالفته، لأن المجتهد فيه في معرض الظنون، وما لا قطع فيه يجوز مخالفته.
الجواب: المنع من جواز المخالفة مطلقًا، كما إذا انعقد الإجماع على المجتهد فيه، فإنه لا يجوز مخالفته، فكذا اجتهاده من باب الأولى.
قالوا: لو جاز له الاجتهاد لما توقف في حادثة.
الجواب: جواز الاجتهاد له مشروط بعدم النص.
قالوا: يقدر على اليقين، فلا يجوز له العمل بالظن.
الجواب: منع قدرته على اليقين في الحال، وبعده لا اجتهاد، مع أن العمل بالظن جائز، مع القدرة على اليقين، لجواز التحري في الأواني، وإن كان على جانب (٢) البحر.
_________________
(١) = وهما يبكيان، وقال -ﷺ-: "أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذ الفداء" أو كما قال -ﷺ-. راجع: صحيح مسلم وعليه شرح النووي: ١٢/ ٨٦ - ٨٧، ومسند أحمد: ٣/ ٢١٩، وسنن أبي داود: ٢/ ٥٦، وتحفة الأحوذي: ٥/ ٣٧٢.
(٢) في (أ): "إذ" والمثبت من (ب).
(٣) هذا الخلاف السابق بالنسبة في فتواه -ﷺ-، أما الأقضية فيجوز له الاجتهاد فيها بالإجماع. راجع: المحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٢٢، ونهاية السول: ٤/ ٥٣٣، وهمع الهوامع: ص/ ٤٢٩.
[ ٤ / ١١٨ ]
وإذا وقع منه الاجتهاد.
فالصواب: أنه لا يخطئ في الاجتهاد (١)، لأنه معصوم مؤيد من عند اللَّه، ما نطق به وحي، فكيف يكون خطأ؟
ويرد الإشكال على ما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣]، وقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧]، لأن العتاب لا يكون إلا على [مخالفة ما يجب اللهم] (٢) (٣)، إلا أن يقال (٤): ما وقع عليه العتاب أمور تتعلق به، لا دخل للتشريع فيها، والكلام فيه، فيجمع بين الكلامين.
_________________
(١) واختاره الحليمي، والرازي، والبيضاوي، والمصنف، وبه قالت الشيعة، وغيرهم، وقيل: يقع منه، ولكن لا يقر عليه، واختاره الآمدي، ونقله عن أكثر أصحاب الشافعي، والحنابلة، وأصحاب الحديث، ورجحه ابن الحاجب. راجع: اللمع: ص/ ٧٦، وأصول السرخسي: ٢/ ٩١، ٩٥، والتبصرة: ص/ ٥٢٤، والإحكام لابن حزم: ٢/ ٧٠٥، والمستصفى: ٢/ ٣٥٥، والمحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٢٢، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٤١، ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ٣٠٣، والمسودة: ص ٥٠٩، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٧٣، وتيسير التحرير: ٤/ ١٩٠، ومناهج العقول: ٣/ ٢٣٦، ومختصر البعلي: ص/ ١٦٤، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٨٧، ونهاية السول: ٤/ ٥٣٧.
(٢) ما بين المعكوفتين سقط من (ب) وأثبت بهامشها.
(٣) آخر الورقة (١٢١/ ب من ب) وجاء في نهايتها على الهامش: (بلغ مقابلة على أصله).
(٤) جاء في بداية الورقة (١٢٢/ أمن ب) على الهامش: (الرابع عشر) يعني الجزء بتجزئة الناسخ.
[ ٤ / ١١٩ ]
قوله: "وأن الاجتهاد جائز".
أقول: قد اختلف في جواز الاجتهاد في زمنه -ﷺ-.
قيل: لا يجوز لإمكان الاطلاع على الحكم منه (١).
وقيل: جائز بإذنه، قيل: صريحًا، وقيل: ولو سكوتًا عن المنع بعد (٢) العلم به.
وقيل: جائز للبعيد عنه للضرورة، ودفع الحرج (٣).
وقيل: للولاة خاصة لكثرة مباشرتهم الأحكام، فاحتياجهم (٤) أوفر، ثم القائلون بالجواز، منهم منع الوقوع مطلقًا.
وقيل: لم يقع من الحاضر، وقيل: بالوقف.
_________________
(١) وهو قول أبي علي الجبائي، وأبي هاشم، وبعض الشافعية، وأبي الخطاب من الحنابلة. راجع: المعتمد: ٢/ ٢١٢ - ٢١٣، والبرهان: ٢/ ١٣٥٦، واللمع: ص/ ٧٥، والتبصرة: ص/ ٥١٩، والمستصفى: ٢/ ٣٥٤، والمسودة: ص/ ٥١١، ومختصر البعلي: ص/ ١٦٤.
(٢) راجع: المحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٢٦، ٢٧، ومختصر الطوفي: ص/ ١٧٥، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٧٤، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٥٦.
(٣) وأيده الغزالي في المنخول، والجويني. راجع: البرهان: ٢/ ١٣٥٦، والمنخول: ص/ ٤٦٨، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٨٧، وتيسير التحرير: ٤/ ١٩٣.
(٤) راجع: تشنيف المسامع: ق (١٤٣/ أ)، والغيث الهامع: ق (١٥٢/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ ٤٢٩، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢١٣.
[ ٤ / ١٢٠ ]
والحق: جوازه، ووقوعه (١).
لنا - على الوقوع قضية سعد بن معاذ (٢) في بني قريظة (٣) حين حكم، فقال: "حكمت بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم".
_________________
(١) وهذا مذهب الجمهور من العلماء، واختاره الرازي، وأتباعه، وغيرهم. راجع: الإحكام لابن حزم: ٢/ ٦٩٨، والتبصرة: ص/ ٥١٩، واللمع: ص/ ٧٥، والمستصفى: ٢/ ٣٥٤، والمحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٢٧، ٢٥، والبرهان: ٢/ ١٣٥٥، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢١٣ - ٢١٤، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٤٣٦، والمسودة: ص/ ٥١١، ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢٩٢، ومناهج العقول: ٣/ ٢٣٩، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٧٤، وتيسير التحرير: ٤/ ١٩٣، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ ١٨٦، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٥٦.
(٢) هو سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي الصحابي سيد الأوس أسلم على يد مصعب بن عمير قبل الهجرة، وأسلم معه جميع بني عبد الأشهل، وشهد بدرًا واحدًا، والخندق، وقريظة، ونزلوا على حكمه فيهم، وتوفي شهيدًا من جرح أصابه في وقعة الخندق، فقال النبي -ﷺ-: "اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ"، ومناقبه كثيرة، ومشهورة، ومنها كلامه وتأييده للنبي -ﷺ- قبل معركة بدر. راجع: الإصابة ٢/ ٣٧ - ٣٨، وأسد الغابة: ٢/ ٣٧٣، وتهذيب الأسماء واللغات: ١/ ٢١٥، والخلاصة: ١/ ٣٧١.
(٣) قدم النبي -ﷺ- المدينة المنورة وفيها يهود بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة ومن تبعهم، فعاهدوه على أن يكونوا يدًا واحدة على من سواهم ممن أراد المدينة بسوء إلى آخر العهد الذي ارتضاه الطرفان ولكن يهود، كما هي عادتهم نقضوا العهد، فبدأ بنو قينقاع في سوقهم حيث أساؤوا إلى امرأة مسلمة، فحاصرهم النبي -ﷺ-، ثم طلب عبد اللَّه بن أبي ابن سلول أن يهبهم له، فأعطاهم له، ثم في سنة أربع هجرية نقضت =
[ ٤ / ١٢١ ]
فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "لقد حكمت بحكم الملك" (١).
وقضية أبي بكر في غزوة حنين (٢) حين قتل أبو
_________________
(١) = بنو النضير العهد حيث ذهب الرسول -ﷺ- إليهم يستعينهم في دية قتلى بني عامر فهموا بالغدر به، فأخبره اللَّه بذلك، فأمر بجلائهم من المدينة، ثم في سنة خمس هجرية كانت غزوة الأحزاب - الخندق، فانضمت بنو قريظة إليهم لمحاربة المسلمين فنقضوا العهد، فنزل بهم ما حكم به سعد ﵁. راجع: السيرة لابن هشام: ٢/ ٤٧، ١٩٠، ٢٣٣، والروض الأنف: ٦/ ٢٠٨، ٢٣٢، ٢٣٦، ٢٨٢، وفقه السيرة: ص/ ١٩٦، وصحيح البخاري: ٥/ ١١٢، وصحيح مسلم: ٥/ ١٥٩ - ١٦٠.
(٢) رواه البخاري، وغيره من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ يقول: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبي -ﷺ- إلى سعد، فأتى على حمار، فلما دنا من المسجد قال للأنصار: "قوموا إلى سيدكم، أو خيركم"، فقال: "هؤلاء نزلوا على حكمك"، فقال: تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، قال: "قضيت بحكم اللَّه"، وربما قال: "بحكم الملك". راجع: صحيح البخاري: ٥/ ١٤٣.
(٣) حنين: واد بين مكة والطائف، ويعرف اليوم بوادي جدعان وهو على بعد ثمانية وثلاثين كيلو مترًا للسيارة، أو ثلاثة وعشرين ميلًا ويبعد عن ذي المجاز السوق المشهورة بنحو خمسة أميال، وكانت هذه المعركة بعد فتح مكة سنة ثمان هجرية اجتمعت هوازن وثقيف لحرب المسلمين، فخرج إليهم الرسول -ﷺ- بأصحابه وحصل من المسلمين تراجع في بداية المعركة، ولكن الرسول الكريم والقائد العظيم زحف نحو أعدائه قائلًا: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب". وأمر العباس أن ينادي المهاحرين والأنصار فالتفوا حوله، فزحفوا وتم النصر، وهزم الأعداء، وقد ذكر القرآن هذه الغزوة بقوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ =
[ ٤ / ١٢٢ ]
قتادة (١) مشركًا، وأخذ سلبه غيره، فلما طلبه أبو قتادة، فقال القرشي: سلبه عندي، فأرضه عني يا رسول اللَّه، فقال أبو بكر: لا ها اللَّه، إذ لا يعمد على أسد من أسد اللَّه يقاتل عن اللَّه ورسوله، فيعطيك سلبه (٢). والدال على الوقوع [دال] (٣) على الجواز.
_________________
(١) = مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦]. راجع: معجم ما استعجم: ٢/ ٤٧١ - ٤٧٢، ومراصد الاطلاع: ١/ ٤٣٢، والسيرة لابن هشام: ٢/ ٣٩٧، وأشعة الأنوار: ١/ ١٠٦، وصحيح البخاري: ٥/ ١٩٤، وصحيح مسلم: ٥/ ١٦٦.
(٢) هو فارس رسول اللَّه -ﷺ- أبو قتادة اختلف في اسمه فقيل: الحارث بن ربعي بن بلدمة، وقيل: النعمان بن ربعي، وقيل: النعمان بن عمرو بن بلدمة، وقيل غير ذلك، أبو أسيد الأنصاري، الساعدي مشهور بكنيته شهد بدرًا، وأحدًا وما بعدها، وكان معه راية بني ساعدة يوم الفتح، روى عن النبي -ﷺ- أحاديث، وروى عنه أولاده، وبعض الصحابة، وأخرج أحاديثه البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وأضر في آخر عمره، مات بالمدينة سنة (٥٤ هجرية)، وقيل غير ذلك، وهو آخر البدريين موتًا. راجع: الإصابة: ٤/ ١٥٨ - ١٥٩، وأسد الغابة: ٥/ ٢٣، والمعارف: ص/ ٢٧٢، ونكت الهميان: ص/ ٢٣٣، والخلاصة: ٣/ ٤، وغاية المرام: ص/ ٦٥ - ٦٦.
(٣) هذا من حديث طويل رواه البخاري، وغيره عن أبي قتادة وفيه بعد قول أبي بكر ذلك. . . فقال النبي -ﷺ-: "صدق فأعطه، فأعطانيه. . .". راجع: صحيح البخاري: ٥/ ١٩٦، وصحيح مسلم: ٥/ ١٤٧ - ١٤٨.
(٤) سقط من (أ) وأثبت بهامشها.
[ ٤ / ١٢٣ ]
قوله: "مسألة المصيب في العقليات واحد".
أقول: قد اختلف في أن كل مجتهد مصيب أم لا.
والحق: أن الأمر مختلف في العقليات، والشرعيات ففي العقليات واحد، وهو من صادف الواقع، ومن لم يصادف مخطئ آثم، وإن بالغ في تدقيق النظر وبذل المجهود.
وذلك العقل مثل: حدوث العالم، وبعثة الرسل.
وأما نافي الإِسلام كله، أو بعضه مخطئ آثم كافر (١).
قال الجاحظ، والعنبري (٢) لا يأثم المجتهد، أي: مطلقًا كافرًا كان أو مسلمًا (٣).
_________________
(١) وما ذكره الشارح هو مذهب أئمة الإِسلام، وعلمائه. راجع: المعتمد: ٢/ ٣٩٦، واللمع: ص/ ٧٣، والتبصرة: ص/ ٤٩٦، والبرهان: ٢/ ١٣١٦، والملل والنحل: ١/ ٢٠١، والمستصفى: ٢/ ٣٥٤، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢١٥، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٤٣٨ - ٤٣٩، والمسودة: ص/ ٤٩٥، ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢٩٣، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٧٦، وتيسير التحرير: ٤/ ١٩٥، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ ١٨٦، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٥٩.
(٢) عبيد اللَّه بن الحسن بن الحصين العنبري من تميم قاض من الفقهاء العلماء بالحديث من أهل البصرة، قال ابن حبان: من ساداتها فقهًا، وعلمًا، ولي قضاءها سنة (١٥٧ هـ) وعزل سنة (١٦٦ هـ) وتوفي فيها سنة (١٦٨ هـ). راجع: تهذيب التهذيب: ٧/ ٧، والميزان للذهبي: ٣/ ٥، والأعلام للزركلي: ٤/ ٣٤٦.
(٣) ومذهب الجاحظ، والعنبري باطل لأنه مخالف للإجماع على خلافه. =
[ ٤ / ١٢٤ ]
وقيل: بل إن كان مسلمًا، وهذا هو الظاهر، ونقل عن العنبري أن كل مجتهد في العقليات مصيب (١).
فإن قلت: يكفي أن يقول: نافي الإِسلام كافر، فإنه إذا كان كافرًا يكون مخطئًا آثمًا.
قلت: إنما ذكر الخطأ ردًا على العنبري بقوله: "كل مجتهد مصيب وإن كان كافرًا".
وذكر الإثم ردًا على الجاحظ في قوله: "وإن كان كافرًا لا يأثم".
لنا -على المختار-: الإجماع قبل ظهور المعاندين على قتل الكفار، وقتالهم، وأنهم من أهل النار من غير تفرقة بين المجتهد، والمقلد منهم.
قالوا: تكليفهم بنقيض اجتهادهم تكليف بما لا يطاق، وهو غير واقع اتفاقًا.
قلنا: مثله ليس تكليفًا بالمحال الذي اتفقوا على عدم وقوعه، إذ هو ما لا يتصور وقوعه عادة كالطيران، وحمل الجبل، وما كلفوا به هم هو الإِسلام، وهو أمر ممكن في ذاته، بل معتاد معروف وقوعه.
_________________
(١) = راجع: اللمع: ص/ ٧٣، والمنخول: ص/ ٤٥١، والمستصفى: ٢/ ٣٥٤، ٣٥٧، والمحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٤٢، والملل والنحل: ١/ ٢٠٣، وكشف الأسرار: ٤/ ١٧، وفتح الغفار: ٣/ ٣١، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٤٣٩، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٧٦.
(٢) راجع: المعتمد: ٢/ ٣٩٨، ومختصر البعلي: ص/ ١٦٤، ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢٩٣، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢١٥ - ٢١٦، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٨٨، وإرشاد الفحول: ص/ ٣٥٩.
[ ٤ / ١٢٥ ]
وقوله: "أما المسألة التي لا قاطع فيها".
أقول: ما تقدم كان متعلقًا بالاجتهاد في القطعيات العقليات أما الفروع الفقهية، فقال الشيخ الأشعري، والقاضي أبو بكر، وأبو يوسف، ومحمد من أصحاب (١) أبي حنيفة، وابن سريج منا: كل مجتهد، فيها مصيب.
قال ابن الحاجب: والقول بهذا مروي عن الأئمة الأربعة (٢).
ثم قال الأولان الشيخ، والقاضي: حكم اللَّه فيها تابع لظن المجتهد، فما ظنه، فهو حكم اللَّه في حقه، وحق مقلديه، والباقون على أن في كل واقعة شيئًا لو حكم اللَّه لم يحكم إلا به، وهؤلاء يقولون: المجتهد مصيب في اجتهاده مخطئ في الحكم، وربما قالوا: مخطئ انتهاء لا ابتداء، وتعلم أن هذا كلام ركيك مضطرب لا حاصل له.
والحق -عند الجمهور-: أن حكم اللَّه واحد (٣)، وكل مجتهد مأمور بطلبه فإن صادفه، فله أجران، وإلا فله أجر واحد، وعلى قول
_________________
(١) آخر الورقة (١٣٢/ ب من أ).
(٢) قال ابن الحاجب: "ونقل عن الأئمة الأربعة التخطئة والتصويب" المختصر وعليه العضد: ٢/ ٢٩٤.
(٣) هذه المسألة تعرف: بتصويب المجتهد. وقد ذكر العلماء الأقوال فيها في كتبهم مع أدلة كل قول، ومناقشتها، وبيان الراجع منها. =
[ ٤ / ١٢٦ ]
الجمهور لا دليل على الحكم المذكور، بل هو مثل الكنز من صادفه، فهو له.
والصحيح أن عليه أمارة، وأن المجتهد مكلف بإصابة الحكم لإمكان الإصابة بواسطة تلك الأمارة.
وإذا أخطأ لم يأثم للحديث المذكور (١).
وقيل: يأثم، لأنه أخطأ الإصابة المأمور بها (٢) وهذا قول باطل معارض للحديث، بل انعقد الإجماع على خلافه. هذا حكم الفرع الذي لا قاطع فيه.
_________________
(١) = راجع الخلاف فيها: الرسالة: ص/ ٤٨٩، والإحكام لابن حزم: ٢/ ٦٤٨، والبرهان: ٢/ ١٣١٩، والمعتمد: ٢/ ٣٧٠، واللمع: ص/ ٧٣، والتبصرة: ص/ ٤٩٦، والمنخول: ص/ ٤٥٣، والمستصفى: ٢/ ٣٥٧، ٣٦٣، والمحصول: ٢/ ٤٧، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٤٣٨، ومجموع الفتاوى: ١٩/ ٢٠٤، ٢٠/ ١٩، والمسودة: ص/ ٤٩٧، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢١٩، ومختصر البعلي: ص/ ١٦٥، ومختصر الطوفي: ص/ ١٧٦، وكشف الأسرار: ٤/ ١٦، ١٨، ٢٥، وفتح الغفار: ٣/ ٣٥، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٨٠، وتيسير التحرير: ٤/ ٢٠٢، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ ١٨٦.
(٢) يعني قوله -ﷺ-: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وأن أخطأ فله أجر". رواه البخاري، ومسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم. راجع: صحيح البخاري: ٩/ ١٣٢ - ١٣٣، وصحيح مسلم: ٥/ ١٣١ وبذل المجهود: ١٥/ ٢٥٤، وعارضة الأحوذي: ٦/ ٦٧.
(٣) لأن المصيب واحد، والحق في جهة واحدة، والمخطئ آثم مطقًا سواء بذل جهده في الاجتهاد أم لا. وهو قول بشر المريسي، وابن علية، وأبي بكر بن الأصم، وبعض المتكلمين. وقالت الظاهرية: إن المصيب واحد، ولا إثم على المخطئ المعذور الذي بذل جهده. =
[ ٤ / ١٢٧ ]
أما إذا كان فيه قاطع كالنص، والإجماع، فإما أن يقصر المجتهد في طلبه، أو لا.
فإن قصر كان آثمًا، وإن لم يقصر، فالصحيح أنه لا يأثم ولكنه مخطئ.
والمصيب فيها واحد اتفاقًا (١)، وهو الذي أصاب ما هو حكم اللَّه في نفس الأمر.
لنا -على المختار- وهو أن المصيب واحد لا بعينه -لا دليل على كون كل واحد مصيبًا، والأصل عدمه، فيجب تركه، ويلزم منه تصويب واحد غير معين، وإلا لزم تخطئة الكل وهو باطل إجماعًا.
_________________
(١) = وقال عبيد اللَّه بن الحسن العنبري، والجاحظ: لا يأثم مطلقًا، كما تقدم عنهما في كلام الشارح، وقيل: إن العنبري رجع عن هذا الرأي. راجع: الإحكام لابن حزم: ٢/ ٦٤٧، ٦٥٨، ١١٥٩، والبرهان: ٢/ ١٣١٦ - ١٣٢٠، والمعتمد: ٢/ ٢٧٢، واللمع: ص/ ٧٣، والتبصرة: ص/ ٤٩٦، والمستصفى: ٢/ ٣٥٤، ٣٦٠، والمنخول: ص/ ٤٥٤، والمحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٤١، ٤٦، ٥٠، والاعتصام: ١/ ١٦٧، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٤٣٨، ومجموع الفتاوى: ١٩/ ١٢٤، ٢٠٣، ٢٠٦، والإحكام للآمدي: ٣/ ٣١٨، ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢٩٤، والمسودة: ص/ ٤٩٥، ٤٩٧، ٥٠٣، والفقيه والمتفقه: ٢/ ٦٠، ومختصر الطوفي: ص/ ١٧٧، ١٧٨، ١٨٤، وكشف الأسرار: ٤/ ١٧، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٧٧، وتيسير التحرير: ٤/ ١٩٧، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٥٩.
(٢) راجع: المستصفى: ٢/ ٣٥٤، ٣٧٥، ومجموع الفتاوى: ١٩/ ٢٠٥، ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢٩٤، ومختصر الطوفي: ص/ ١٧٦ - ١٧٧، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ ١٨٦، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٦٠، والوسيط: ص/ ٥٣٦.
[ ٤ / ١٢٨ ]
ولنا -أيضًا- لو كان كل مجتهد مصيبًا لزم الجمع بين النقيضين، لأن المجتهد إذا غلب على ظنه الإباحة في المسألة مثلًا، فلو حصل القطع بأنّه حكم اللَّه في حقه لزم القطع بالمظنون، لأن القطع بذلك الحكم المظنون مستمر مع ذلك الظن، والفرض استمرار ظنه إذ لو زال ظنه وجب عليه الرجوع إلى ما [تعين] (١) إليه ظنه، وإذا استمر القطع، مع ذلك الظن لزم أن يكون المظنون معلومًا مقطوعًا، وهذا خلف.
لا يقال: هذا مشترك الإلزام، لأنه يرد على القائلين: بأن المصيب واحد.
بيان ذلك: أن الإجماع منعقد على وجوب اتباع الظن وما [دل] (٢) عليه الإجماع قطعي، فيكون المظنون مقطوعًا به.
لأنا نقول: الظن، والقطع لم يتواردا على محل واحد، بل القطع متعلق بوجوب العمل، والظن بالحكم، فأين هذا من ذاك؟ !
قالوا: لو كان المصيب واحدًا - وأنتم تقولون: إن المخطئ يجب عليه العمل بموجب ظنه، فنقول: إما أن يجب عليه، مع بقاء الحكم الذي في نفس الأمر في حقه، أو مع زواله، وكلاهما باطل.
أما الأول: فلاستلزامه ثبوت الحكمين في حقه، ولا شك أنهما نقيضان، فيلزم الجمع بين النقيضين، وهو محال.
_________________
(١) في (ب): "الغير".
(٢) سقط من (أ) وأثبت بهامشها.
[ ٤ / ١٢٩ ]
وأما الثاني: فلأنه يلزم منه أن يكون العمل بالخطأ واجبًا، وبالصواب محرمًا، وهو محال أيضًا.
الجواب: اختيارنا القسم الثاني، وهو زوال الحكم الأول.
قولك: محال ممنوع ألا ترى أنه إذا كان في المسألة نص، أو إجماع، ولم يطلع عليه المجتهد يجب عليه مخالفته، مع أنه خطأ مخالف للواقع، فما نحن فيه أولى، وأجدر، إذ لا قاطع.
قالوا: قال -ﷺ-: "بأيهم اقتديتم اهتديتم" (١)، فيدل على أن كلًا من الصحابة مصيب فيما ذهب إليه، وإلا لم يكن الاقتداء به اهتداء.
_________________
(١) أول الحديث: "أصحابي كالنجوم. . . الحديث" رواه عبد بن حميد في مسنده من طريق حمزة النصيبي عن نافع عن ابن عمر وحمزة ضعيف جدًا. ورواه الدارقطني في غرائب مالك من طريق جميل بن زيد عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، وجميل لا يعرف، ولا أصل له في حديث مالك ولا من فوقه. قاله الحافظ. ورواه ابن عبد البر من طريق الحارث بن غصين عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي -ﷺ-. . وقال: هذا إسناد لا تقوم به حجة لأن الحارث مجهول. ورواه البزار من حديث أنس، قال الحافظ: إسناده واه، ورواه أبو ذر الهروي في السنة من طريق مندل عن جويبر عن الضحاك به منقطعًا، وجويبر شديد الضعف. ورواه ابن عدي، والبيهقي، وابن عساكر من طريق نعيم بن حماد عن عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن ابن المسيب عن عمر مرفوعًا بلفظ آخر ورواه القضاعي في مسند الشهاب من حديث أبي هريرة، وفيه جعفر بن عبد الواحد الهاشمي كذاب. وبالجملة فالحديث لا يصح كما قال ابن الجوزي في العلل، وقال الذهبي في الميزان باطل، وقال ابن حزم هذا خبر مكذوب. =
[ ٤ / ١٣٠ ]
قلنا: هدى لأنه بذل وسعه في طلب الحق، وأتى بما وجب عليه، فلا ينافي وقوع الخطأ في رأيه؛ لأنه غير معصوم اتفاقًا.
قوله: "مسألة لا ينقض الحكم".
أقول: ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز نقض حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية، وهي الأحكام الشرعية التي أدلتها ظنية (١).
لا من الحاكم بها، ولا من الغير إذ لو جاز نقضه جاز نقض النقض وهلم جرًا، فتفوت فائدة نصب الحاكم لفصل الخصومات، إلا إذا خالف نصًا قاطعًا، أو إجماعًا، أو ظاهرًا جليًا (٢)، وإن كان ذلك الظاهر الجلي
_________________
(١) = راجع: الكامل في ضعفاء الرجال: ٣/ ١٠٥٧، وجامع بيان العلم وفضله: ٢/ ١١١، وتلخيص الحبير: ٤/ ١٩٠ - ١٩١، وميزان الاعتدال: ٢/ ٦٠٥، وفيض القدير: ٤/ ٧٦، والابتهاج: ص/ ٢٠٥ - ٢٠٧.
(٢) هو معنى قول الفقهاء في الفروع: "لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد". قال حجة الإِسلام الغزالي: "هذه مسائل فقهية أعني نقض الحاكم في هذه الصور وليست من الأصول في شيء" المستصفى: ٢/ ٣٨٤.
(٣) وخالف الجمهورَ أبو بكر الأصم قائلًا بنقض الاجتهاد بالاجتهاد. راجع: أدب القضاء لابن أبي الدم: ص/ ١٦٤، وروضة الطالبين: ١١/ ١٥٠، وتأسيس النظر: ص/ ١٥٤، والمغني لابن قدامة: ٩/ ٥٦، والفروق للقرافي: ٢/ ١٠٣، والمحرر لمجد الدين: ٢/ ٢١٠، والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: ص/ ٢٠ والأشباه والنظائر لابن نجيم: ص/ ٨٥، والمحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٥٠، ٩١، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٤٣٩، وفتح الغفار: ٣/ ٣٧، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٩١، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ ١٩٠، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٦٣.
[ ٤ / ١٣١ ]
قياسًا (١) ينقض اتفاقًا؛ لأنه مخالف للدليل الشرعي. وكذا ينقض إذا أدى اجتهاده إلى حكم، وخالفه تقليدًا لغيره: لأنه مخالف للإجماع على وجوب العمل بموجب ظنه (٢).
وكذا ينقض فيما إذا حكم مقلد بخلاف نص مقلده، ولم يقلد غيره، بل حكم استقلالًا: لأنه مخالف للإجماع على أن المقلد لا يستقل بالقول (٣).
_________________
(١) صرح الغزالي، والآمدي، والقرافي، والمصنف، وغيرهم بنقض الحكم بمخالفته القياس الجلي، وذهب البعض إلى أنه لا ينقض الحكم بمخالفة قياس ولو جليًا. راجع: المستصفى: ٢/ ٣٨٢، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٣٢، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٤٣٢، ٤٤٢، والفروع لابن مفلح: ٦/ ٤٥٦، وغاية الوصول: ص/ ١٤٩، وتشنيف المسامع: ق (١٤٤/ أ)، والغيث الهامع: ق (١٥٣/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٩١، وهمع الهوامع: ص/ ٤٣٢، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ ١٩٠.
(٢) راجع: المعتمد: ٢/ ٣٦٦، والمستصفى: ٢/ ٣٨٤، والمحصول: ٢/ ق/ ٣/ ١١٥، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٤٤٣، والملل والنحل: ١/ ٢٠٥، وفتح الغفار: ٣/ ٣٧، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٩٢، وتيسير التحرير: ٤/ ٢٢٧، ومختصر الطوفي: ص/ ١٨٠، ومختصر البعلي: ص/ ١٦٧، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ ١٨٩، ١٩١، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٦٤.
(٣) وهذا ما نقله الإمام النووي عن ابن الصلاح حيث قال: "قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: وإن كان المفتي إنما يفتي على مذهب إمام معين فرجع لكونه تيقن مخالفة نص إمامه وجب نقضه". راجع: روضة الطالبين: ١١/ ١٠٧، والمجموع: ١/ ١٦، وانظر: المحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٩١، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ ١٩١، ومجموع الفتاوى: ٢٠/ ٢٢٠، وأعلام الموقعين: ٤/ ٢٩٩، والمسودة: ص/ ٥٣٨.
[ ٤ / ١٣٢ ]
وأما إذا قلد غير إمامه، فينبني على جواز مخالفة المقلد إمامه، فمن جوزه لا ينقض، ومن لم يجوز ينقض، هذا على وفق ما قرره ابن الحاجب (١)، والمصنف قيد بما لا يجوز تقليد غير إمامه فيه، وسيأتي تفصيل ذلك.
ولو تزوج المجتهد بغير ولي اجتهادًا منه، ثم لاح له دليل عدم الجواز، فالأصح أنها تحرم عليه لبطلان اجتهاده (٢).
وقيل: إذا لم يحكم به حاكم، فإنه لا يجوز نقض حكمه، وينبغي أن يكون هذا هو الصواب إذ لا موجب لنقض (٣) حكمه، وكذلك الحكم في العامي إذا تغير اجتهاد إمامه (٤).
_________________
(١) راجع: مختصر ابن الحاجب: ٢/ ٣٠٠، ومختصر البعلي: ص/ ١٦٦، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٩٥، وتيسير التحرير: ٤/ ٢٣٤، والوسيط: ص/ ٥٥٥.
(٢) واختاره الغزالي، وابن الحاجب وغيرهما. راجع: المستصفى: ٢/ ٣٨٢، ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ٣٠٠، وتيسير التحرير: ٤/ ٢٣٤، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٩١.
(٣) وهو قول الأكثر، واختاره أبو يعلى، وابن قدامة، والآمدي، والبيضاوي، والهندي، والطوفي، وغيرهم. راجع: المحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٩١، وروضة الناظر: ص/ ٣٤٢، والمغني: ٩/ ٥٧، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٣٢، ومختصر الطوفي: ص/ ١٨٢، وصفة الفتوى: ص/ ٣٠، ونهاية السول: ٤/ ٥٧٣ - ٥٧٤، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٤٤١، وروضة الطالبين: ١١/ ١٠٦، والفروع: ٣/ ١٠٣، وأدب القضاء لابن أبي الدم: ٣/ ١٧٣، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٩٦، والفروع لابن مفلح: ٦/ ٤٩١، وتيسير التحرير: ٤/ ٢٣٥، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ ١٩١.
(٤) واختاره أبو الخطاب، وابن قدامة، والطوفي، وغيرهم، وفي قول تحرم عليه كحكمه لنفسه، واختاره الغزالي، والرازي والآمدي، والقرافي، والكمال بن الهمام، وغيرهم =
[ ٤ / ١٣٣ ]
ويجب على المفتي إذا تغير اجتهاده في المسألة التي أفتى بها أن يُعلِم المستفتي بذلك ليكف عن العمل بها.
وإن عمل هو، أو المستفتي بمسألة لم ينقض ذلك المعمول، لأن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد، وهذا إذا كان القول الثاني في محل الاجتهاد (١).
وأما إذا كان نصًا قاطعًا، ينقض الأول قطعًا.
وكذا لا يضمن المتلف بافتائه إذا تغير اجتهاده.
وهذا -أيضًا- مفروض فيما لا قاطع فيه، وأما إذا تغير لقاطع يضمن لتقصيره (٢).
_________________
(١) = راجع: المستصفى: ٢/ ٣٨٢، والمحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٩١، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٣٢، وروضة الناظر: ص/ ٣٤٢، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٤٤١، والمجموع: ١/ ٧٥، وتيسير التحرير: ٤/ ٢٣٦، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٩٦، والمسودة: ص/ ٤٧٢، ٥٤٣، ومختصر الطوفي: ص/ ١٨٢، وغاية الوصول: ص/ ١٥٠، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ ١٩١، وقد ذكر العلامة ابن القيم بحثًا مفصلًا عن تغير الفتوى بتغير الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، وهو نفيس في موضوعه. راجع: أعلام الموقعين: ٤/ ١٥٧ - ٢٦٥، ذكر ذلك تحت عنوان فوائد تتعلق بالفتوى.
(٢) راجع: روضة الطالبين: ١١/ ١٠٧، والمجموع: ١/ ٧٥، وصفة الفتوى: ص/ ٣٠، والمحصول: ٢/ ق/ ٣/ ٩٥، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٤٤٢، وغاية الوصول: ص/ ١٥٠، والمحلي على جميع الجوامع: ٢/ ٣٩١.
(٣) راجع: الأنوار: ٢/ ٣٩٦، وصفة الفتوى: ص/ ٣١. والمجموع: ١/ ٧٦، وروضة الطالبين: ١١/ ١٠٧، وغاية الوصول: ص/ ١٥٠.
[ ٤ / ١٣٤ ]
قوله: "مسألة يجوز".
أقول: هل يجوز أن يقال -لنبي أو عالم-:
احكم بما شئت، فإنك مصيب أم لا؟
وهذه المسألة تعرف بمسألة التفويض (١).
الجمهور على جوازه، وعدم الوقوع، أما الجواز، فلأنه ليس محالًا لذاته قطعًا، ولا لغيره أيضًا إذ الأصل عدم المانع.
قيل: جهل العبد بالمصلحة مانع إذ ربما اختار ما يكون المصلحة في خلافه.
قلنا: الكلام في الجواز لا في الوقوع، وجواز انتفاء المصلحة هو مذهب أهل السنة، ولئن سلمنا استلزام المصلحة لا نسلم جهله بها، لأنه
_________________
(١) وتبحث في علم الكلام كصفة من صفات اللَّه تعالى المتصلة بالتشريع وبالقدر توفيقًا، وتسديدًا، فذهب فريق من العلماء إلى جواز التفويض للنبي -ﷺ- أو المجتهد، ومنعه أكثر القدرية، والمعتزلة، وصححه الرازي أبو بكر الحنفي، وتوقف فيه الشافعي، واختاره الرازي، وفصل آخرون فجوزوه للنبي -ﷺ- دون العالم، وهو أحد قولي الجبائي، واختاره ابن السمعاني. راجع: المعتمد: ٢/ ٣٢٩، واللمع: ص/ ٧٦، والمحصول: ٢/ ق/ ٣/ ١٨٥، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٣٦، والمسودة: ص/ ٥١٠، ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ٣٠١، ٣٠٢، ومناهج العقول: ص/ ٣/ ١٧٥، ونهاية السول: ٤/ ٤٢١، وفواتح الرحموت: ٢/ ٢٩٧، وتيسير التحرير: ٤/ ٢٣٦، وغاية الوصول: ص/ ١٥٠، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٦٤، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٩١.
[ ٤ / ١٣٥ ]
عند الأمر يلهم ما فيه المصلحة، فتكون المصلحة لازمة لما يختاره، ونقل عن الشافعي التردد، وقيل: في الجواز (١)، وقيل: في الوقوع.
وقيل: يجوز للنبي دون العالم؛ لأن رتبته تقصر عن (٢) ذلك.
وأما عدم الوقوع، فلأنه لم يدل عليه دليل.
قالوا: قوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" (٣) دليل واضح على أنه مفوض إليه.
والجواب: أنه لا يدل على المقصود بل ربما قاله وحيًا.
قالوا: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾ [آل عمران: ٩٣]. وتحريمه (٤) لا يتصور إلا بتفويض التحريم إليه.
_________________
(١) واختار الرازي توقف الشافعي في الجواز لا في الوقوع، وقال الأكثر: إن توقف الشافعي في الوقوع لا في الجواز، فقد جزم به. راجع: المحصول: ٢/ ق/ ٣/ ١٨٥، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٩١، ونهاية السول: ٤/ ٤٢١، وهمع الهوامع: ص/ ٤٣٤.
(٢) راجع: المعتمد: ٢/ ٣٢٩، وإرشاد الفحول: ص/ ٢٦٤.
(٣) رواه أحمد، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة، وغيره. راجع: صحيح مسلم: ١/ ١٥١ - ١٥٢، ومسند أحمد: ١/ ٢١٤، ٢/ ٤٤٢، وسنن البيهقي: ١/ ٣٥ - ٣٧، والمستدرك: ١/ ١٤٦.
(٤) آخر الورقة (١٣٣/ ب من أ).
[ ٤ / ١٣٦ ]
الجواب: لا نسلم أنه لا يتصور التحريم إلا بالتفويض، بل ربما كان بدليل ظني اجتهادًا.
قالوا: لما أمر الناس بالحج سأله الأقرع بن حابس (١)، أكل عام؟
فقال: "لو قلت لوجب" (٢).
_________________
(١) هو الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع من أشراف تميم وساداتهم شهد هو وعيينة بن حصن فتح مكة، وحنينًا والطائف مع النبي -ﷺ- وهما من المؤلفة قلوبهم، وقد قدم الأقرع على النبي -ﷺ- مع وفد بني تميم، وهم الذين نادوا رسول اللَّه -ﷺ- من وراء حجراته فنزل فيهم قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] وتوفي الأقرع ﵁ في معركة اليرموك شهيدًا في عشرة من بنيه. راجع: الإصابة: ١/ ٥٨، والاستيعاب: ١/ ٩٦.
(٢) الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول اللَّه -ﷺ- فقال: "أيها الناس قد فرض اللَّه عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول اللَّه؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا فقال رسول اللَّه -ﷺ-: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم. . ." الحديث رواه مسلم، وأحمد، والنسائي عن أبي هريرة، ولم يذكر فيه الأقرع ورواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، والدارمي، عن ابن عباس مرفوعًا، مع بيان أن السائل الأقرع بن حابس، وروى معناه الترمذي، وابن ماجه عن علي مرفوعًا، وكذا روى ابن ماجه مثله عن أنس مرفوعًا. راجع: صحيح مسلم: ٤/ ١٠٢، وشرح النووي عليه: ٩/ ١٠٠، ومسند أحمد: ١/ ٢٥٥، ٢٩١، ٢/ ٥٠٨، وسنن أبي داود: ١/ ٤٠٠، وتحفة الأحوذي: ٨/ ٤٢٠، وسنن النسائي: ٥/ ١١٠ - ١١١، وسنن ابن ماجه: ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨، وسنن الدارمي: ٢/ ٢٩، والمستدرك: ١/ ٤٤٤.
[ ٤ / ١٣٧ ]
فقد دل على أن الأمر كان إليه في ذلك.
الجواب: أنه لا توجد قضية تصلح دليلًا للوقوع نصًا فيه، بل كلها ظواهر لا يمكن (١) إثبات قاعدة علمية بها. وفي تعليق الأمر باختيار المأمور خلاف.
قيل: لا يجوز لما بين طلب الفعل، والتخيير من المنافاة.
وقيل: يجوز ويكون التخيير دليلًا على عدم الجزم في الطلب، والظاهر هذا إذ لا مانع عقلًا، ولا نقلًا (٢)، بل في الحديث ما يدل على وقوعه حيث قال: "صلوا قبل المغرب". ثم قال: "لمن شاء" (٣).
* * *
_________________
(١) آخر الورقة (١٢٢/ ب من ب).
(٢) راجع: تشنيف المسامع: ق (١٤٥/ أ)، والغيث الهامع: ق (١٥٤/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٩٢، وهمع الهوامع: ص/ ٤٣٤.
(٣) رواه الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن مغفل، ورواه البخاري عن عبد اللَّه المزني. راجع: صحيح البخاري: ٢/ ٧١، ومسند أحمد: ٥/ ٥٥.
[ ٤ / ١٣٨ ]