على الرغم مما اكتنف القرن الثامن الهجري، فإنه يعتبر مرحلة من مراحل النشاط الفكري، التي ظهرت في الدولة الإسلامية عقب الزحف التتري على بلاد الإسلام في القرنين السادس والسابع، فإن الأهوال العظيمة التي صحبت هذا المد، وما نجم عنها من إهلاك للبشر، وتخريب للديار، وحرق وإغراق للثروة العلمية، والتراث الإسلامي على يد أولئك الهمج، نبَّه جهور علماء المسلمين ودفعهم دفعًا إلى تراث آبائهم وأجدادهم، فعكفوا عليه تحصيلًا، وفهمًا، وتمثلوه علمًا وفنًّا، ثم فزعوا -بعد ذلك- إلى أقلامهم يسجلونه على نحو جديد، يدنيه من كل قلب، ويحببه إلى كل نفس، وكان ذلك إيذانًا ببداية عصر الموسوعات العلمية والأدبية، ولمعت آنذاك في سماء الفكر شخصيات فريدة ظلت تحافظ على هذه الثروة الفكرية، يسلمونها من جيل إلى جيل حتى وصلت إلينا غنية موفورة، تقدم بعض العزاء عما فقدناه من أصول الفكر الإسلامي، التي ذهب بها الغزو التتري، وأتت على كثير منها الحروب الصليبية.
وكانت أسرة زين الدين أبي محمد السبكي من بين الأسر التي كان لها حظ المشاركة بنصيب كبير في تلك النهضة العلمية.
[ ١ / ١٢٠ ]
فعبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف السبكي، المصري، قاضي القضاة، زين الدين، أبو محمد كان مشهورًا بالصلاح، كثير الذكاء، سمع الحديث من علماء عصره، كما أخذ الفروع عن آخرين، وقرأ الأصول على القرافي، وتنقل في أعمال الديار المصرية، وحدَّث بالقاهرة والمحلَّة، وخرج له تقي الدين أبو الفتح (١) السبكي مشيخة حدث بها، وله نظم كثير غالبه زهد ومدح في النبي -ﷺ-، وتوفي سنة (٧٣٥ هـ) (٢).
وولده علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف الأنصاري الخزرجي السبكي، الشافعي، تقي الدين، أبو الحسن، عالم مشارك في الفقه، والتفسير، والحديث، والأصلين، والمنطق، والقراءات، والحديث، والخلاف، والأدب، والنحو، واللغة، والحكمة، ولد بسبك العبيد من أعمال المنوفية بمصر سنة (٦٨٣ هـ) وتفقه على والده، ودخل القاهرة،
_________________
(١) هو محمد بن عبد اللطيف بن يحيى بن علي بن تمام السبكي، المصري، الشافعي، فقيه، أصولي، متكلم، محدث، أديب، ناثر، ناظم، ولد في المحلة بمصر سنة (٧٠٤ هـ) ولازم أبا حيان، وأخذ عنه القراءات والعربية، مدة سبعة عشر عامًا، وتوفي بدمشق سنة (٧٤٤ هـ). راجع: طبقات الأسنوي: ٢/ ٧٤، ومرآة الجنان: ٤/ ٣٠٧، والوافي بالوفيات: ٣/ ٢٨٤، وطبقات ابن قاضي شهبة: ٣/ ٧٨ - ٧٩، والدرر الكامنة: ٤/ ٢٥، وحسن المحاضرة: ١/ ٢٤١، وشذرات الذهب: ٦/ ١٤١، وذيل التذكرة للحسيني: ص/ ٥١، والبيت السبكي: ص/ ٦٩.
(٢) راجع: الطبقات الكبرى لحفيده، ٦/ ١٢٧، والبداية والنهاية: ١٤/ ١٧٢، وطبقات ابن قاضي شهبة: ٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩، والدرر الكامنة: ٢/ ٣٩٦، والنجوم الزاهرة: ٩/ ٣٠٧، وتاريخ ابن الوردي: ٢/ ٣٠٩، وشذرات الذهب: ٦/ ١١٠.
[ ١ / ١٢١ ]
وولي قضاء الشام، وله مؤلفات كثيرة، بلغت (١٥٠) كتابًا، منها: "الإبهاج في شرح المنهاج" وأكمل غالبه ولده تاج الدين، و"الابتهاج في شرح المنهاج" للنووي في الفروع، و"الدر النظيم في تفسير القرآن العظيم"، و"الطوالع المشرقة في الوقف على طبقة بعد طبقة"، و"المواهب الصمدية في المواريث الصفدية"، و"الفتاوى" جمعها ولده التاج في ثلاث مجلدات، وتوفي بالقاهرة سنة (٧٥٦ هـ) (١).
وحفيده: الحسين بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي، جمال الدين أبو الطيب، ولد بالقاهرة سنة (٧٢٢ هـ) ودرس بها وبدمشق، كان عارفًا بالرجال، وناب في القضاء، وتوفي سنة (٧٥٥ هـ)، ومن آثاره كتاب في "من اسمه الحسين بن علي" (٢).
وحفيده: أحمد بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي، بهاء الدين، أبو حامد، فقيه، أصولي، مشارك في بعض العلوم ولد سنة (٧١٩ هـ) وسمع بمصر، والشام، وولي قضاء الشام، وأفتى، ودرس، ومن
_________________
(١) راجع: طبقات الأسنوي: ٢/ ٧٥، وطبقات ولده التاج: ٦/ ١٤٦ - ٢٢٧، والبداية والنهاية: ١٤/ ٢٥٢، وقضاة دمشق: ص/ ١٠١، ١٠٢، وطبقات ابن قاضي شهبة: ٣/ ٤٧ - ٥٣، والدرر الكامنة: ٣/ ٦٣، والنحوم الزاهرة: ١/ ٣١٨٠، وبغية الوعاة: ص/ ٣٤٢، وذيل التذكرة للحسيني: ص/ ٣٩، وللسيوطي: ص/ ٣٥٢، والدارس: ١/ ١٣٤، والبيت السبكي: ص/ ٥٠ - ٦٠، وحسن المحاضرة: ١/ ١٧٧، وشذرات الذهب: ٦/ ١٨٠.
(٢) راجع: طبقات ابن قاضي شهبة: ٣/ ٢٥ - ٢٧، والدرر الكامنة: ٢/ ٦١ - ٦٢، وحسن المحاضرة: ١/ ٢٤٨، وكشف الظنون: ٢/ ١٤٦٤.
[ ١ / ١٢٢ ]
مؤلفاته: "شرح الحاوي الصغير في فروع الفقه الشافعي"، و"شرح التلخيص في المعاني والبيان"، و"شرح مختصر ابن الحاجب"، وغيرها، وتوفي سنة (٧٧٣ هـ) (١).
وأما حفيده المترجم له التاج أبو نصر عبد الوهاب بن علي، فقد أوفى على الغاية، واستطاع بذكائه وجده ودأبه -بعد عون الله ﷿- أن يصل إلى أرقى المناصب، وأن يحتل مكان الصدارة في الفتيا والتدريس، وأن يخرج إلى الناس من مؤلفاته ما يبهر، غزارة في العلم، وجال عرض، وحسن تنسيق.