قوله: "المجمل ما لم تتضح دلالته، فلا إجمال في آية السرقة" إلى آخره.
أقول: المجمل - لغة - المجموع، وجملة الشيء جميعه، ومنه أجمل الحساب، أي: جمعه (١).
واصطلاحًا: ما لم تتضح دلالته، أي: ما له دلالة غير واضحة (٢): لئلا يرد [عليه] (٣).
المهمل: لأنه يصدق عليه أنه لم تتضح دلالته، إذ لا دلالة فيه، ولا اتضاح.
وهذا الحد يتناول القول، والفعل، والمشترك، والمتواطئ.
_________________
(١) راجع: معجم مقاييس اللغة: ١/ ٤٨١، والمصباح المنير: ١/ ١١٠، ولسان العرب: ١٣/ ١٣٥.
(٢) راجع: اللمع: ص/ ٢٧، والحدود للباجي: ص/ ٤٥، والإشارات: ص/ ٤٣، والبرهان: ١/ ٤١٩، وأصول السرخسي: ١/ ١٦٨، والعدة: ١/ ١٤٢، والإحكام لابن حزم: ٣/ ٣٨٥، والمعتمد: ١/ ٢٩٢، والمستصفى: ١/ ٣٤٥، وأدب القاضي للماوردي: ١/ ٢٩٠، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٢٣١، وروضة الناظر: ص/ ١٥٩، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٣٧، ٢٧٤، وكشف الأسرار: ١/ ٥٤، وفتح الغفار: ١/ ١١٦، والتوضيح ١/ ١٢٦.
(٣) سقط من (ب) وأثبت بهامشها.
[ ٢ / ٤٣١ ]
قوله: "فلا إجمال في آية السرقة" (١)، تفريع على ما قدمه من تعريف المجمل، أي: لما كان المجمل ما لم تكن دلالته على المقصود واضحة، وهذه النصوص متضحة الدلالة، فلا إجمال.
بيان ذلك: أن اليد - لغة -: من رؤوس الأنامل إلى المنكب حقيقة، والقطع: عبارة عن الإبانة - أيضًا - لغة.
قيل: تطلق اليد تارة ويراد إلى الكوع، وتارة إلى المرفق، وتارة إلى المنكب، والقطع يطلق على الجرح، فكان كل منهما مجملًا (٢).
قلنا: المسألة لغوية يكفي فيها النقل عن الثقات، وهو ما ذكرنا، وفعل الشارع مبين أن المراد مما تناوله اللفظ - لغة -: هو ذلك البعض (٣).
وكذا لا إجمال في نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أي: في التحريم المضاف إلى الأعيان، مختار الجمهور: عدم الاجمال فيه (٤). / ق (٧٩/ ب من أ).
_________________
(١) وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].
(٢) راجع: الإحكام للآمدي: ٢/ ١٧٣، والمسودة: ص/ ١٠١، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٩، نهاية السول: ٢/ ٥٢٢، وشرح العضد ٢/ ١٦٠، وإرشاد الفحول: ص/ ١٧٠.
(٣) روى الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - في سارق رداء صفوان -: "أن النبي - ﷺ - أمر بقطعه من المفصل". راجع: السنن له: ٣/ ٢٠٥، والدراية في تخريج أحاديث الهداية: ٢/ ١١١، وسبل السلام: ٤/ ٢٧ - ٢٨.
(٤) آخر الورقة (٧٩/ ب من أ).
[ ٢ / ٤٣٢ ]
خلافًا للكرخي، وأبي عبد الله البصري (١).
لنا - على المختار - أن تحريم العين غير مراد: لأن التحريم إنما يتعين بفعل المكلف، فإذا أضيف إلى عين من الأعيان يقدر الفعل المقصود منه، ففي المأكولات يقدر الأكل، وفي المشروبات الشرب، وفي الملبوسات (٢) / ق (٨٠/ ب من ب) اللبس، وفي الموطؤات الوطء، فإذا أطلق أحد هذه الألفاظ سبق المعنى المراد إلى الفهم من غير توقف، فتلك الدلالة متضحة.
قالوا: [تعذر] (٣) تعلق الحكم بالعين [فيقدر] (٤) الفعل، وذلك الفعل ليس متعينًا فقد جاء الإجمال.
_________________
(١) هو الحسين بن علي أبو عبد الله البصري الحنفي، ويعرف بالجعل شيخ المتكلمين وأحد أعلام المعتزلة، أخذ الاعتزال، وعلم الكلام عن أبي علي بن خلاد، ثم أخذه عن أبي هاشم الجبائي، ولازم مجلس أبي الحسن الكرخي زمنًا طويلًا حتى صار مقدمًا في علمي الفقه، والكلام، وهو شيخ القاضي عبد الجبار، وله مؤلفات منها: شرح مختصر أبي الحسن الكرخي، وكتاب الأشربة، وتحليل نبيذ التمر، وكتاب تحريم المتعة، وجواز الصلاة بالفارسية، وتوفي سنة (٣٦٩ هـ) على الراجح. راجع: فرق وطبقات المعتزلة: ص/ ١١١، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: ص/ ٣٢٥، الفهرست: ص/ ٢٤٨، ٢٩٤، وتأريخ بغداد: ٨/ ٧٣، وطبقات الفقهاء للشيرازي: ص/ ١٤٣، وطبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٥٥، والجواهر المضيئة: ١/ ٢١٦، والفوائد البهية: ص/ ٦٧، وأخبار أبي حنيفة وأصحابه: ص/ ١٦٥، وشذرات الذهب: ٣/ ٦٨.
(٢) آخر الورقة (٨٠/ ب من ب).
(٣) في (ب): "القدر" والصواب المثبت من (أ).
(٤) في (أ، ب): "فبعد" وكتب عليها في (أ): "كذا" يعني في الأصل، والأولى، بل الصواب المثبت. وراجع: المعتمد: ١/ ٣٠٧، وشرح العضد: ٢/ ١٥٩.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
قلنا: ذلك البعض متعين عرفًا بدلالة سبق الفهم (١). وكذا في نحو: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، إذ الرأس اسم لمجموع العضو المعروف، فإن لم يثبت فيه عرف، طار، فالمراد الكل - وإليه ذهب الإمام مالك، والباقلاني، وابن جني - فلا إجمال (٢).
وإن ثبت عرف في إطلاقه على [بعض] (٣) - كما هو مذهب الشافعي، والقاضى عبد الجبار، وأبي الحسين من المعتزلة - فلا إجمال أيضًا (٤).
_________________
(١) راجع: التبصرة ص/ ٢٠١، وأصول السرخسي: ١/ ١٩٥، والعدة: ١/ ١٠٦، والميزان للسمرقندي: ص/ ٣٤٩ - ٣٥٠، والمنهاج في ترتيب الحجاج: ص/ ١٠٣، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٢٤١، والمستصفى: ١/ ٣٤٦، والمسودة: ص/ ٦٠، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٢٧٥، وروضة الناظر: ص/ ١٦٠، وكشف الأسرار: ٢/ ١٠٦، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٣، وتيسير التحرير: ١/ ١٦٦، ومختصر الطوفي: ص/ ١١٦، والآيات البينات: ٣/ ١٠٩، وإرشاد الفحول: ص/ ١٦٩.
(٢) وهو مذهب الإمام أحمد، وأصحابه: لأنه عندهم بوضع حكم اللغة ظاهر في مسح جميع الرأس، وهو اسم لكله لا لبعضه. راجع: أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٥٦٨، والمغني لابن قدامة: ١/ ١٢٥، والمختصر لابن الحاجب: ٢/ ١٥٩، والمسودة: ص/ ١٧٨، وشرح الكوكب المنير: ٣/ ٤٢٣.
(٣) لم توجد في (أ، ب) وزدتها من شرح العضد: ٢/ ١٥٩، ليستقيم الكلام.
(٤) لأن عرف الاستعمال الطارئي على الوضع يقتضي إلصاق المسح ببعض الرأس ولأنه حقيقة في القدر المشترك بين الكل، والبعض، وهو ما ينطلق عليه الاسم. راجع: أحكام القرآن للشافعي: ١/ ٤٤، وأحكام القرآن للكيا الهراس: ٣/ ٨٥، والمعتمد: ١/ ٣٠٨، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٢٤٧، والإحكام للآمدي: ٢/ ١٦٩، ونهاية السول: ٢/ ٥٢١، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٥٩، والغيث الهامع: ق (٧٤/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ ٢٢١، وإرشاد الفحول: ص/ ١٧٠.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
وذهبت الحنفية: إلى أن الرأس مجمل (١) في حق المقدار بينه فعله - ﷺ - في حديث المغيرة (٢) -: "بمسح الناصية" (٣) أن المراد قدر الربع من أي جهة كان.
والدليل - على عدم إرادة الكل -: هو أن الباء إذا دخلت الآلة تعدى الفعل إلى محله، فيستوعبه، كما إذا قلت: مسحت رأس اليتيم بيدي: أي، جميع رأسه، ولا يلزم أن يكون بجميع اليد.
_________________
(١) حكاية القول في الإجمال عن الحنفية فيه نظر؛ لأن القائل بالإجمال منهم قلة، وجمهورهم على أنه لا إجمال فيه. راجع: فواتح الرحموت: ٢/ ٣٥، وتيسير التحرير: ١/ ١٦٦ - ١٦٧، وشرح فتح القدير: ١/ ٣٣.
(٢) هو الصحابي المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي أبو عبد الله، وقيل: أبو عيسى، أسلم عام الخندق، وكان موصوفا بالدهاء، والحلم، وشهد الحديبية، وولاه عمر بن الخطاب على البصرة مدة، ثم نقله إلى الكوفة واليًا، وأقره عثمان عليها، ثم عزله، وشهد اليمامة، وفتح الشام، وذهبت عينه يوم اليرموك، وشهد القادسية، وفتح نهاوند، واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان، ثم استعمله معاوية على الكوفة حتى توفي فيها سنة (٥٠ هـ أو ٥١ هـ) على خلاف في ذلك. راجع: الاستيعاب: ٣/ ٣٨٨، والإصابة: ٣/ ٤٥٣، والخلاصة: ص/ ٣٨٥.
(٣) روى أبو داود، وأحمد، والنسائي عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله - ﷺ -: "توضأ، ومسح على ناصيته، وذكر فوق العمامة"، وفي رواية: "أن نبي الله - ﷺ - كان يمسح على الخفين، وعلى ناصيته، وعلى عمامته". راجع: سنن أبي داود: ١/ ٣٣، ومسند أحمد: ٤/ ٢٥٥، وسنن النسائي: ١/ ٧٦ - ٧٧. وانظر تفصيل الخلاف في القدر الواجب مسحه من الرأس: شرح فتح القدير: ١/ ١٧، والمدونة: ١/ ١٦، والمجموع للنووي: ١/ ٣٩٩، والمغني لابن قدامة: ١/ ١٢٥.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
ومتى دخلت المحل تعدى إلى الآلة، فيستوعبها دون المحل، كما في الآية فيراد بعض الرأس، ولا يجوز أقل ما ينطلق عليه اسم البعض: لأنه يغسل، مع الوجه، فيكون مجملًا في السدس، والربع، والثلث، هكذا ذكره بعض (١) الأفاضل.
من غير زيادة. وليس بشيء: لأن كون البعض مغسولًا، مع الوجه لا يقوم مقام المسح: لأن الترتيب واجب عند الشافعي (٢).
وإنما لم نذكر أن البعضية، مستفادة من الباء لأن كون الباء للبعضية لم تثبت لغة (٣).
وكذا قوله: "لا نكاح إلا بولي" لا إجمال فيه: لأن المراد منه عرفًا هو الصحة، أي: لا صحة للنكاح إلا بولي.
وكذا نحو قوله: "رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان" [مما ينفى صفة] (٤) والمراد لازم من لوازمها.
_________________
(١) جاء في هامش (أ، ب): "هو التفتازاني في حاشية العضد" وانظر الحاشية له: ٢/ ١٥٩.
(٢) وهو المشهور عن أحمد، ونقل عن عثمان، وابن عباس، ورواية للإمام علي ﵃، وبه قال قتادة، وأبو ثور، وأبو عبيد، وإسحاق بن راهويه. وقالت طائفة: لا يجب، وحكى عن أكثر العلماء، من الصحابة، وغيرهم كعلي، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، ومكحول، والنخعي، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، وأبي حنيفة، ومالك، وأصحابهما، والمزني، وابن المنذر وداود، وغيرهم. راجع: شرح فتح القدير: ١/ ٣٥، والمدونة الكبرى: ١/ ١٧، والمجموع للنووي: ١/ ٤٤٣، والمغني لابن قدامة: ١/ ١٣٦، والفقه على المذاهب الأربعة: ١/ ٥٤ - ٦٢.
(٣) جاء في هامش (أ): "بل ثبت لغة".
(٤) في (ب): "فما يبقى" والمثبت من (أ).
[ ٢ / ٤٣٦ ]
وإنما قلنا: لا إجمال فيه: لأن مثل هذا التركيب يدل على رفع المؤاخذة والعقاب، ولو قطع النظر عن وجود الشرع، كما إذا قال السيد لعبده: رفعت عنك الخطأ، أي: لا أُؤَاخذك.
قالوا: وجود الخطأ واقع قطعًا، فلا بد من تقدير فعل، وذلك المقدر يحتمل أفرادًا.
قلنا: العرف يخصصه، كما تقدم مرارًا (١).
وكذا لا إجمال في مثل: "لا صلاة إلا بطهور" (٢): و"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٣) خلافًا للقاضي أبي بكر، وقد علمت جوابه في قوله: "لا نكاح إلا بولي".
_________________
(١) راجع: الإحكام للآمدي: ٢/ ١٧٠ - ١٧١، والغيث الهامع: ق (٧٤/ ب)، والآيات البينات: ٣/ ١٠٩، وإرشاد الفحول: ص/ ١٧٠.
(٢) هذا لفظ الطبراني وقد تقدم في هامش: ١/ ٣٦٠. ورواه مسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وعنون له البخاري بلفظ: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور". راجع: صحيح البخاري: ١/ ٤٥، وصحيح مسلم: ١/ ١٤٠، وسنن أبي داود: ١/ ٤٧، وتحفة الأحوذي: ١/ ٢٣، ومسند أحمد: ٢/ ٢٠، وسنن النسائي: ١/ ٨٨، وسنن ابن ماجه: ١/ ١١٨، وسنن الدارمي: ١/ ١٧٥، وفيض القدير: ٦/ ٤١٥.
(٣) رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي عن عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعًا بلفظ: "لا صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وعند أحمد، والترمذي بلفظ: "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب"، وقد تقدم ذكره باللفظ الأول في هامش: ١/ ٢٧٧، وتقدم ذكر الشارح له بلفظ: "لا صلاة لمن لم =
[ ٢ / ٤٣٧ ]
ويظهر مما فصلنا أن المصنف لو قال: مع الخلاف في الكل. كان أولى من، "وخالف قوم" إذ المخالف في المسائل المذكورة أقوام مختلفة (١).
قوله: "وإنما الإجمال في مثل القرء".
أقول: أراد بمثل القرء كل لفظ مشترك تجرد عن القرينة، فإنه مجمل محتمل معنييه، فإن القرء موضوع تارة للطهر، وتارة للحيض، وكذا لفظ: نور، مجمل لإطلاقه على الضوء، وعلى العقل، وعلى الإيمان، وعلى القرآن، وعلى سائر العلوم الشرعية، فيتردد الذهن عند سماعه لعدم المرجح، وكذا الجسم صالح للأجسام المختلفة كالأرض، والسماء، وكلفظ المختار: لأنه إن قدر قلب الألف/ ق (٨١/ أمن ب) من الياء المكسورة كان/ ق (٨٠/ أمن أ) اسم فاعل، أو من المفتوحة كان اسم مفعول (٢).
_________________
(١) = يقرأ بأم القرآن" في ص/ ٤٢٤. راجع: صحيح البخاري: ١/ ١٨٢، ومسند أحمد: ٢/ ٢٤١، ٤٧٨، وسنن أبي داود: ١/ ١٨٨، وتحفة الأحوذي: ٢/ ٥٩، وسنن النسائي: ٢/ ١٢٧ - ١٢٨، وسنن ابن ماجه: ١/ ٢٧٧، وسنن الدارمي: ١/ ٢٨٣، وسنن الدارقطني: ١/ ٣٢١، وتلخيص الحبير: ١/ ٢٣٠، ونصب الراية: ١/ ٣٦٣.
(٢) راجع: الإحكام للآمدي: ٢/ ١٧١ - ١٧٣، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٦٠، وتشنيف المسامع: ق (٧٣/ ب) والغيث الهامع: ق (٧٤/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ ٢٢١ - ٢٢٢.
(٣) راجع: اللمع: ص/ ٢٧، والبرهان: ١/ ٤٢١، والمستصفى: ١/ ٣٦١، وأدب القاضي: للماوردي: ١/ ٢٩٢، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٢٣٤، وروضة الناظر: ص/ ١٥٩، والإحكام للآمدي: ٢/ ١٦٧، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٢٧٤، ونهاية السول: ٢/ ٥٠٩، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٢، ونشر البنود: ١/ ٢٧٦، وإرشاد الفحول: ص/ ١٦٩.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
وكذا: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يحتمل الزوج، والولي، وعلى الأول حمله الشافعي (١)، ومالك على الولي (٢)، لما لاح لكل منهما من الدليل.
وكذا: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١، الحج: ٣٠] (٣) قبل نزول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] إلى آخر المحرمات لتردد الذهن في المحللات: لكون الحكم على المستثنى منه بعد العلم بالمستثنى، وإخراجه (٤).
وكذا: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] مجمل لاحتماله الابتداء، أو العطف، كما هو المشهور بين السلف، والخلف (٥).
_________________
(١) لأن الزوج هو الذي بيده دوام العقد، والعصمة، وهذا هو مذهب أبي حنيفة، والراجح من الروايتين عن الإمام أحمد ﵃ جميعًا. راجع: أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٤٠، وأحكام القرآن للشافعي: ١/ ٢٠٠، وأحكام القرآن للكيا الهراس: ١/ ٣٠٥، وسنن البيهقي: ٧/ ٢٥٢، والمهذب: ٢/ ٦١، والإفصاح لابن هبيرة: ٢/ ١٣٨، والمحرر: ٢/ ٣٨، وكشاف القناع: ٥/ ١٦١، وشرح منتهى الإرادات: ٣/ ٧٤، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٢، ونهاية السول: ٢/ ٥١١.
(٢) لأنه الذي يتولى نكاح المرأة إذ هي لا تزوج نفسها. راجع: أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٢٢، ونشر البنود: ١/ ٢٧٦.
(٣) فإنه استثنى من المعلوم ما لم يعلم، فكان الباقي محتملًا، فصار مجملًا.
(٤) راجع: المعتمد: ١/ ٢٩٩، واللمع: ص/ ٢٧، والبرهان: ١/ ٤٢١، والإحكام للآمدي: ٢/ ١٦٧، ونهاية السول: ٢/ ٥١٢، وشرح العضد: ٢/ ١٥٩، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٦١.
(٥) تقدم بيان ذلك عند الكلام على المحكم والمتشابه. وانظر: تشنيف المسامع: ق (٧٤/ أ) والغيث الهامع: ق (٧٥/ أ) وهمع الهوامع: ص/ ٢٢٢.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
وكذا قوله - ﷺ -: "لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره" (١) لاحتمال عود الضمير إلى الجار، وإلى أحد.
واختار الشافعي رجوعه إلى الجار لموافقته قانون اللغة من كون الضمير يعود إلى أقرب المذكور.
وللحديث الصحيح: "لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه من طيب نفسه" (٢). فالمعنى على هذا لا يمنعه من وضع الخشبة على جدار نفسه (٣)، أي: لا يظلمه.
_________________
(١) رواه البخاري، ومسلم، ومالك، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي عن أبي هريرة، وابن عباس. راجع: صحيح البخاري: ٣/ ١٦٣ - ١٦٤، وصحيح مسلم: ٥/ ٥٧، والموطأ: ص/ ٤٦٤، والمسند: ٢/ ٢٤٠، وسنن أبي داود: ٢/ ٢٨٣، وعارضة الأحوذي: ٦/ ١٠٥، وسنن ابن ماجه: ٢/ ٥٦ - ٥٧، والسنن الكبرى: ٦/ ٦٨.
(٢) رواه البيهقي عن عكرمة عن ابن عباس. راجع: السنن الكبرى: ٦/ ٩٦ - ٩٧.
(٣) وعلى هذا، فلا دلالة في الحديث على وجوب تمكين صاحب الجدار لجاره من وضع خشبته عليه، وبه قال أبو حنيفة، ومالك. وذهب الإمام أحمد، وأصحابه وغيرهم: إلى أن الضمير يعود إلى أحد، لقول أبي هريرة ﵁: "مالي أراكم عنها معرضين! !، والله لأرمين بها بين أظهركم" ولو كان الضمير عائدًا إلى الجار لما قال ذلك، وهو قول الشافعي القديم. راجع: الإفصاح لابن هبيرة: ١/ ٣٨١، والقواعد لابن رجب: ص/ ٢٢٧، والمغني لابن قدامة: ٤/ ٥٥٥، والشرح الكبير: ٥/ ٣٦، والمختصر لابن الحاجب: ٢/ ١٥٨، ونشر البنود: ١/ ٢٧٦، والآيات البينات: ٣/ ١١٤، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٦١، وهمع الهوامع: ص/ ٢٢٢، وإرشاد الفحول: ص/ ١٦٩.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
وكذا: زيد طبيب ماهر، إذ المستكن في ماهر، يمكن عوده إلى زيد، وإلى طبيب (١)، فعلى ما اختاره الشافعي - ﵁ - يعود إلى طبيب، فتنحصر مهارة زيد في الطب.
وكذا الثلاثة زوج وفرد: لاحتمال أن يريد المتكلم [كون] (٢) هذا العدد، يمكن اتصافه بالزوج والفرد، فتكون القصة كاذبة، وأن يريد اشتمال أجزائه عليهما، فتكون صادقة.
والشراح خبطوا في تفسير هذا، بل غلطوا (٣).
_________________
(١) وهذا إجمال في مرجع الصفة، والمعنى متفاوت باعتبار الاحتمالين، فإن عاد ماهر إلى زيد، فإن مهارته تكون في غير الطب، وإن عاد إلى طبيب فكما ذكر الشارح. راجع: الأحكام للآمدي: ٢/ ١٦٧، وشرح العضد: ٢/ ١٥٨، وفواتح الرحموت؛ ٢/ ٣٣، ونهاية السول: ٢/ ٥١١.
(٢) سقط من (أ) وأثبت بهامشها.
(٣) يعني الزركشي، والمحلي لأنهما قالا: "لتردد الثلاثة بين جميع أجزائها، وجميع صفاتها، وبالنظر إلى دلالة اللفظ لا يتعين أحدهما، وبالنظر إلى صدق القائل يتعين أن يكون المراد منه جميع الأجزاء، فإن حمله على جميع الصفات يوجب كذبه" وكان الأولى أن يقولا - في نظر الشارح -: لتردد الثلاثة بين اتصافها بصفتيها، واتصاف أجزائها بهما، كما عبر هو، وما اعترض به الشارح هنا، أورده العلامة العبادي نقلًا عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، ثم ذكر العبادي أن ما عبر به الشارح هنا أقعد؛ لأن المدعَى إجماله لفظ الثلاثة، ولا معنى لإجماله إلا تردده بين أن يراد به الأجزاء، وأن يراد به الصفات وأما أن ترد الثلاثة بين اتصافها، واتصاف أجزائها، فهو فرع من هذا التردد. راجع: تشنيف المسامع: ق (٧٤/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٦٢ - ٦٣، والغيث الهامع: ق (٧٥/ أ)، والدرر اللوامع للكمال: ق (١٧٦/ ب - ١٧٧/ أ)، وهمع الهوامع: ص/ ٢٢٣، والآيات البينات: ٣/ ١١٤ - ١١٥.
[ ٢ / ٤٤١ ]
قوله: "والأصح وقوعه في الكتاب، والسنة".
أقول: الجمهور: على وقوع المجمل في الكتاب، والسنة خلافًا لداود (١).
لنا: - على المختار - الآيات، والأحاديث المذكورة له (٢).
إن الإجمال بدون البيان لا يفيد، ومعه تطويل لا يقع في كلام البلغاء فضلًا عن الله، وسيد الأنبياء.
الجواب: أن الكلام إذا ورد مجملًا، ثم بين، وفصل [كان] (٣) أوقع عند النفس من ذكره مبينًا ابتداء.
_________________
(١) هو داود بن علي بن خلف الأصفهاني البغدادي، أبو سليمان إمام أهل الظاهر، كان زاهدًا، ورعًا، عالمًا متبحرًا، وكان أكثر الناس التزامًا لأقوال الشافعي، وصنف في فضائله، والثناء عليه كتابين، ثم صار صاحب مذهب مستقل، متبعًا لظاهر النصوص، وله مؤلفات منها: الكافي في مقالة المطبي، وإبطال القياس، والمعرفة، والدعاء، والطهارة، والحيض، والصلاة، وغيرها، وتوفي في بغداد سنة (٢٧٠ هـ). راجع: تأريخ بغداد: ٨/ ٣٦٩، وتأريخ أصفهان: ١/ ٣١٢، وطبقات الشيرازي: ص/ ٩٢، ومرآة الجنان: ٢/ ١٨٤، وطبقات السبكي: ٢/ ٢٨٤، وميزان الاعتدال: ٢/ ١٤، وطبقات الحفاظ: ص/ ٢٥٧، وطبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٦٦، وشذرات الذهب: ٢/ ٢٥٨.
(٢) يعني فيما تقدم راجع: أدب القاضي للماوردي: ١/ ٢٩٠، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٢٣٧، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٢٨٠، وتشنيف المسامع: ق (٧٤/ أ)، والغيث الهامع: ق (٧٥/ أ) والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٦٣، وهمع الهوامع: ص/ ٢٢٣، وإرشاد الفحول: ص/ ١٦٨.
(٣) سقط من (أ، ب) وأثبت بهامش (أ).
[ ٢ / ٤٤٢ ]
وأجاب الإمام - في المحصول عن هذا السوال -: بأن الله يفعل ما يشاء (١). ولا يخفى أنه ليس بجواب: لأن قوله: مع البيان تطويل، بلا فائدة يكون مسلمًا عند المجيب، ولا يرضى به عاقل، فضلًا عن محقق فاضل.
قوله: "وأن المسمى الشرعي".
أقول: قد يكون للفظ مسمى شرعي، ومسمى لغوي، فإذا صدر من الشارع يحمل على المفهوم الشرعي، هو المختار إثباتًا، ونهيًا (٢).
الغزالي: يحمل في الإثبات دون النهي، فإنه مجمل.
وقيل: يتعين في الإثبات الشرعي، وفي النهي اللغوي، فلا (٣) / ق (٨١/ ب من ب) إجمال (٤).
لنا - على المختار - أنه ظاهر في الشرعي لصدوره من الشارع: لأنه إنما بعث لتعريف الأحكام، لا لبيان اللغات.
قالوا: يصلح لهما، فيكون مجملًا. قلنا: بل متضح بقرينة صدوره منه.
_________________
(١) راجع: المحصول: ١/ ق/ ٣/ ٢٣٩.
(٢) راجع: التبصرة: ص / ١٩٥، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٥٧٧، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ١١٢، ١١٤، والمسودة: ص/ ١٧٧، وشرح العضد: ٢/ ١٦١، وفواتح الرحموت: ٢/ ٤١، وتخريج الفروع للزنجاني: ص/ ١٢٣، والآيات البينات: ٣/ ١١٥، وإرشاد الفحول: ص/ ١٧٢.
(٣) آخر الورقة (٨١/ ب من ب) وجاء في هامشها: "بلغ مقابلة على خط مؤلفه أمتع الله بحياته"، كما جاء في بداية ورقة (٨٢/ أ) على الهامش: "العاشر" يعني بداية الجزء العاشر.
(٤) واختاره الآمدي. راجع: الإحكام له: ٢/ ١٧٦.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
الغزالي: في الإثبات ما ذكرتم مسلم، لا في النهي، إذا لو حمل على الشرعي لدل النهي على الصحة، وإنما يدل على الفساد (١).
الجواب: ليس المراد بالشرعي ما يكون صحيحًا شرعًا، بل ما يستفاد من الشرع تسميته بذلك الاسم صحيحًا كان ذلك الاسم، أو فاسدًا، وقد تقدمت المسألة في بحث الحقيقة، والمجاز، ولكن لم يذكر هناك تفاريع المسألة، فأعادها لذلك.
ثم إن تعذر الحمل على المعنى الشرعي حمل على المعنى المجازي الشرعي.
مثاله: قوله: "طوافكم بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام" (٢).
_________________
(١) راجع: المستصفى: ١/ ٣٥٩.
(٢) رواه أحمد، والترمذي، وابن حبان، والدارمي، والحاكم، والبيهقي عن ابن عباس مرفوعًا، مع الاختلاف في بعض ألفاظه، ورواه الطبراني عن ابن عمر، وأخرجه موقوفا النسائي عن رجل أدرك النبي - ﷺ -، ورجح وقفه الترمذي والنسائي، والبيهقي، وابن الصلاح، والمنذري، والنووي، وصحح الحديث ابن السكن، وابن حبان، وابن خزيمة، وذكر الحافظ طرقه، وأنه اختلف فيها على طاوس على خمسة أوجه، وأن أوضح الطرق، وأسلمها رواية القاسم ابن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فإنها سالمة من الاضطراب لكنها لا تخلو من الإدراج. راجع: المسند: ٣/ ٤١٤، ٤/ ٦٤، ٥/ ٣٧٧، وتحفة الأحوذي: ٤/ ٣٣ - ٣٤، وسنن النسائي: ٥/ ٢٢٢، وسنن الدارمي: ٢/ ٤٤، وصحيح ابن خزيمة: ٤/ ٢٢٢، والمستدرك: ١/ ٤٥٩، ٢/ ٢٦٧، والسنن الكبرى: ٥/ ٨٥، وتلخيص الحبير: ١/ ١٢٩، وفيض القدير: ٤/ ٢٩٣.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
ولما تعذر حقيقة الصلاة، فيقال: إنه كالصلاة في اشتراط الطهارة، والنية، رعاية لقصد الشارع، بما أمكن (١).
وقيل: مجمل لتردده بين الصلاة (٢) / ق (٨٠/ ب من أ) شرعًا، وبين الدعاء (٣)، أو يحمل على اللغوي، وهو الدعاء (٤). المختار: هو الأول.
قوله: "والمختار اللفظ المستعمل لمعنى تارة، ولمعنيين".
أقول: إذا استعمل لفظ لمعنى تارة، ولمعنيين [أخرى] (٥) على السواء - وليس المعنى الواحد المستعمل فيه أحد المعنيين - مجمل، لوقوع التردد عند إطلاق اللفظ، وهو آية الإجمال (٦).
_________________
(١) وهذا هو مذهب الجمهور: لأن النبي - ﷺ - بعث لتعريف الأحكام وفائدة التأسيس أولى، فهو شرعي من هذه الناحية، ومجازي من ناحية أنه ليس فيه حقيقة الصلاة الشرعية. راجع: الأحكام للآمدي: ٢/ ١٧٥ - ١٧٦، وشرح العضد: ٢/ ١٦١، ونهاية السول: ٢/ ٥٤٥، وتشنيف المسامع: ق (٧٤/ أ)، والغيث الهامع: ق (٧٥/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٦٣، وهمع الهوامع: ص/ ٢٢٣ - ٢٢٤، والآيات البينات: ٣/ ١١٥، وإرشاد الفحول: ص/ ١٧٢.
(٢) آخر الورقة (٨٠/ ب من أ).
(٣) من غير ميزة لأحدهما على الآخر، وهذا مذهب الغزالي، راجع: المستصفى: ١/ ٣٥٧.
(٤) تقديمًا للحقيقة اللغوية على المجاز.
(٥) سقط من (أ) وأثبت بهامشها.
(٦) ومثلوا لذلك بحديث عثمان بن عفان ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح" بناء على أن النكاح مشترك بين العقد، والوطء، فإنه إن حمل على =
[ ٢ / ٤٤٥ ]
أما إذا كان المعنى المستعمل فيه أحد المعنيين الآخرين، فلا إجمال لتعينه على كلا التقديرين، والآخر يوقف (١).
وقيل: يعمل به - أيضًا - لكثرة الفائدة.
قوله: "البيان: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي".
أقول: البيان - لغة -: مصدر بان (٢)، إذا ظهر، وانفصل.
_________________
(١) = الوطء استفيد منه واحد، وهو أن المحرم لا يطأ، ولا يوطأ، أي: لا يمكن غيره من وطئه، يعني المرأة، وإن حمل على العقد استفيد منه معنيان بينهما قدر مشترك، وهو أن المحرم لا يعقد لنفسه، ولا يعقد لغيره. والحديث رواه مسلم في صحيحه: ٤/ ١٣٦ - ١٣٧، وقد رجح الإجمال الغزالي، وابن الحاجب، وهو مذهب الحنابلة. وذهب الآمدي إلى أنه ظاهر في المعنيين، وحكاه عن الأكثر، واختاره. راجع: الإحكام للآمدي: ٢/ ١٧٤، ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ١٦١، وشرح الكوكب المنير: ٣/ ٤٣١، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٦٥، وفواتح الرحموت: ٢/ ٤٠، وإرشاد الفحول: ص/ ١٧١.
(٢) ومثلوا له بقوله - ﷺ -: "الثيب أحق بنفسها من وليها" أي: بأن تعقد لنفسها، أو تأذن لوليها، فيعقد لها، ولا يجبرها، وقد قال بصحة عقدها لنفسها أبو حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي، لكن إذا كانت في مكان لا ولي فيه، ولا حاكم. راجع: صحيح مسلم: ٤/ ١٤١، وشرح فتح القدير: ٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٦٥ - ٦٦، وهمع الهوامع: ص/ ٢٢٤.
(٣) بان: ثلاثي، ولا يستعمل إلا لازمًا، وأما غير الثلاثي، فإنه يستعمل لازمًا، ومتعديًا، كأبان، وبين، وتبين، واستبان، وهي كلها بمعنى الوضوح، والانكشاف، والاسم هو البيان. راجع: المصباح المنير: ١/ ٧٠، والقاموس المحيط: ٤/ ٢٠٤، ومختار الصحاح: ص/ ٧٢.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
واصطلاحًا: ما قاله المصنف (١)، وهذا التعريف مختار الصيرفي (٢).
وأورد عليه إشكالان: أحدهما: البيان ابتداء، فإنه لا إشكال هناك حتى يخرج اللفظ منه.
ثانيهما: لفظ الحيز، مجاز، والحدود تصان عنه.
الجواب - عن الأول -: أن البيان لا يقتضي إشكالًا، بل يكفي توهم الإشكال.
وعن الثاني: أن المجاز المشهور ملحق بالحقائق.
ويطلق البيان - أيضًا - على الدليل الدال على ذلك الإخراج، وعلى المدلول المبين، ثم ليعلم أن المبين نقيض المجمل، فيعرف: بمتضح الدلالة (٣).
_________________
(١) راجع: الرسالة: ص/ ٢١، والبرهان: ١/ ١٥٩، والعدة: ١/ ١٠٢، والحدود للباجي: ص/ ٤١، واللمع: ص/ ٢٩، وأصول السرخسي: ٢/ ٢٦، والإحكام لابن حزم: ١/ ٣٨، والمعتمد: ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤، الفقيه والمتفقه: ١/ ١١٥، المحصول: ١/ ق/ ٣/ ٢٢٦، والمستصفى: ١/ ٣٦٤، وكشف الأسرار: ٣/ ١٠٤، وفتح الغفار: ٢/ ١١٩، وروضة الناظر: ص/ ١٦٣، والمسودة: ص/ ٥٧٢.
(٢) هو محمد بن عبد الله البغدادي، أبو بكر الصيرفي الشافعي الإمام الفقية الأصولي، كان أعلم الناس بعد الشافعي في زمانه، ومن مؤلفاته: البيان في دلائل الأعلام على أصول الأحكام، في أصول الفقه، وشرح الرسالة للشافعي، وكتاب الإجماع، والشروط، وتوفي سنة (٣٣٠ هـ). راجع: تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ١٩٣، ووفيات الأعيان: ٣/ ٣٣٧، وطبقات السبكي: ٣/ ١٨٦، وشذرات الذهب: ٢/ ٣٢٥، والفتح المبين: ١/ ١٨٠.
(٣) راجع: الإحكام للآمدي: ٢/ ١٧٧، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٢٧٤، وفواتح الرحموت: ٢/ ٤٢، وتيسير التحرير: ٣/ ١٧١، نهاية السول: ٢/ ٥٢٤، وشرح العضد: =
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وكما أن المجمل يكون مفردًا، ومركبًا على ما تقدم من الأمثلة، فكذلك المبين وقد يكون في فعل، وفيما سبق له إجمال، وهو ظاهر، وفيما لا إجمال فيه، كمن يقول - ابتداء -: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٦]، وإنما يجب البيان لمن أريد فهمه، وأما إذا لم يرد، فلا وجوب لخلوه عن الفائدة.
قوله: "والأصح أنه قد يكون بالفعل".
أقول: الجمهور على أن البيان يجوز أن يكون بالفعل، وهو المختار (١).
لنا: أنه - ﷺ - بين مجمل الكتاب به، مثل الصلاة، والحج.
_________________
(١) = ٢/ ١٦٢، ونشر البنود: ١/ ٢٧٧، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٦٧، وتشنيف المسامع: ق (٧٤/ ب)، والغيث الهامع: ق (٧٥/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ ٢٢٤.
(٢) وعليه معظم العلماء، وخالف في ذلك القليل، وأما البيان بالقول من الكتاب، والسنة، فيجوز اتفاقًا كقوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] على القول أن المراد بالبقرة، بقرة معينة، وهو المشهور، وكقوله - ﷺ -: "فيما سقت السماء، والعيون، أو كان عَثَرِيًا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر" رواه البخاري في صحيحه ٢/ ١٤٨، بين قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. راجع: اللمع: ص/ ٢٩، والعدة: ١/ ١١٨، وأصول السرخسي: ٢/ ٢٧، والتبصرة ص/ ٢٤٧، والإحكام لابن حزم: ١/ ٧٢، والمستصفى: ١/ ٣٦٦، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ١٦٩، والمسودة: ص/ ٥٧٣، ومختصر الطوفي: ص/ ١١٩، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٢٨١، ونشر البنود: ١/ ٢٧٨، وفواتح الرحموت: ٢/ ٤٥، والأحكام للآمدي: ٢/ ١٧٨.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
قيل: إنما بين بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، و"خذوا عني مناسككم".
قلنا: ذلك دليل كون الفعل بيانًا: لأن هذا القول لم يفد كيفية الحج، والصلاة، بل أحال معرفته على تتبع فعله.
ولنا - أيضًا -: أن الفعل أدل على البيان من القول: لأنه لا يحتمل غير المقصود بخلاف القول، ولهذا نسمعهم يقولون: "ليس الخبر كالمعاينة" (١).
قالوا: الفعل أطول، فلو بين به لزم تأخير/ ق (٨٢/ أمن ب) البيان.
الجواب: لا نسلم أنه أطول من القول إذ ربما يكون بيان الركعتين على الوجه الأكمل أطول من الفعل بكثير، ولئن سلم، ولزم تأخير البيان لا ضرر فيه، إنما الفساد في تأخير البيان عن وقت الحاجة.
فإن قلت: إذا سلمت أن الفعل يكون أطول، فقد حصل مقصود الخصم إذ لا يجوز عند البلغاء ارتكاب التطويل.
_________________
(١) جاء في هامش (أ): "هو حديث رواه أحمد بسند صحيح وابن حبان والطبراني". قلت: ورواه - أيضًا - الدارقطني، والبغوي، والضياء، وابن عدي، وابن منيع، وأبو يعلى، والحاكم عن ابن عباس، وقد صححه ابن حبان، والحاكم، وغيرهما. راجع: المسند: ١/ ٢٧١، وموارد الظمآن: ص/ ٥١٠، والمقاصد الحسنة: ص/ ٣٥٤، وكشف الخفاء: ٢/ ١٦٨، وفيفر القدير: ٥/ ٣٥٧، وأسنى المطالب: ص/ ١٨٦.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
قلت: ذلك عند عدم اشتمال الأطول على فائدة، وقد بينا أن الفعل أدل من القول، فسقط السؤال (١).
قوله: "وأن المظنون يبين المعلوم".
أقول: الحق أن البيان يجوز أن يكون مظنونًا، والمبين معلومًا (٢).
_________________
(١) ولعل التحقيق في ذلك التوسط، وهو أن القول أقوى في الدلالة على الحكم، والفعل أقوى في الدلالة على الكيفية، فمثلًا فعل الصلاة أدل من وصفها بالقول لأنه فيه مشاهدة، وأما استفادة وجوبها، أو ندبها، أو غيرهما، فالقول أقوى لصراحته. راجع: المعتمد: ١/ ٣١٢.
(٢) ونقل عن الجمهور، واختاره القاضي، وأبو الحسين البصري، والفخر الرازي، وغيرهم، وذهب ابن الحاجب، وغيره إلى أن البيان لا بد وأن يكون أقوى عن المبين لأنه دونه، فكيف يجعل في محله، حتى إنه المذكور بدله؟ وذهب آخرون: إلى أنه إن عم وجوبه جميع المكلفين كالصلاة، ونحوها وجب أن يكون بيانه معلومًا، متواترًا، وإن لم تعم البلوى، واختص العلماء بمعرفته، كنصاب السرقة، وأحكام المكاتب قبل في بيانه خبر الواحد، وحو مروي عن العراقيين من الأحناف، وقال الكرخي: لا بد من التساوي بينهما. راجع: العدة: ١/ ١٢٥، والمعتمد: ١/ ٣١٣، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٢٧٥ - ٢٧٦، وروضة الناظر: ص/ ١٤٣، والإحكام للآمدي: ٢/ ١٨١، وشرح العضد على المختصر: ٢/ ١٦٣، ونهاية السول: ٢/ ٥٤٦، وفواتح الرحموت: ٢/ ٤٨، وتيسير التحرير: ٣/ ١٧٣، ومختصر الطوفي: ص/ ١١٩، وتشنيف المسامع: ق (٧٤/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٦٩، والغيث الهامع: ق (٧٦/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ ٢٢٥، والآيات البينات: ٣/ ١٢٠.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
لنا: أن البيان كالتخصيص، فكما يجوز تخصيص القطعي بالظني كخبر الواحد، والقياس، فكذلك يجوز بيان المعلوم، أي: ما كان متنه قطعيًا بالمظنون لأن البيان يتوقف على وضوح الدلالة، لا على قطعية المتن. هذا ظاهر كلام الإمام في المحصول (١).
والتحقيق - في هذا المقام -: أن المبين إن كان عامًا، أو مطلقًا، فيشترط أن يكون بيانه أقوى [لأنه يدفع العموم الظاهر، والإطلاق، / ق (٨١/ أمن أ) وشرائط الدافع أن يكون أقوى، وأما المجمل، فلا يشترط أن يكون بيانه أقوى] (٢). بل يحصل بأدنى دلالة لأن المجمل لما كان محتملًا للمعنيين على السواء، فإذا انضم إلى أحد الاحتمالات أدنى مرجح كفاه (٣).
قوله: "وأن المتقدم، وإن جهلنا عينه".
أقول: إذا ورد عقيب مجمل فعل وقول، يصلح كل منهما أن يكون بيانًا، فإن اتفقا، أي: لم يزد مقتضى أحدهما على الآخر، فإن عرف المتقدم منهما، فهو البيان لحصوله به قبل وجود الآخر، والثاني يقع تأكيدًا (٤).
_________________
(١) راجع: المحصول: ١/ ق/ ٣/ ٢٧٦.
(٢) ما بين المعكوفتين سقط من (ب) وأثبت بهامشها.
(٣) هذا التفصيل هو اختيار الآمدي في الإحكام ٢/ ١٨١.
(٤) واشترط الآمدي أن لا يكون دون الأول في الدلالة لاستحالة تأكيد الشيء بما هو دونه في الدلالة. راجع: الإحكام له: ٢/ ١٧٩.
[ ٢ / ٤٥١ ]
وقيل: إن جهل، فالبيان أحدهما، وهو الذي تقدم صدوره، وإن لم يعلم، فالآخر تأكيد (١).
وقيل: إن كان أحدهما أرجح تعين للتأخر: لأن التأكيد لا يكون إلا بالأرجح (٢).
قلنا: ذلك في المفردات نحو: جاءني القوم كلهم، فإن لفظ الكل في الشمول، والإحاطة، أرجح من لفظ القوم، وأما في المجمل لا يشترط ذلك، فإن الثانية وإن كانت أضعف إلا أنها بانضمامها تفيد زيادة تقرير في النفس.
قوله: "وإن لم يتفق البيانان".
أقول: ما تقدم كان فيما إذا اتفق القول، والفعل، أما إذا اختلفا، فالقول هو البيان (٣): كما لو طاف طوافين، وأمر
_________________
(١) راجع: المعتمد: ١/ ٣٢١، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٢٨١، وفواتح الرحموت: ٢/ ٤٦، ونشر البنود: ١/ ٢٧٩، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٦٨، وإرشاد الفحول: ص/ ١٧٣.
(٢) واختاره الآمدي في الإحكام: ٢/ ١٨٠.
(٣) وهذا هو مذهب الجمهور، وذلك لأن القول يدل على البيان بنفسه، أما الفعل لا يدل عليه إلا بواسطة أمور ثلاثة: إما أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده، أو أن يقول: هذا الفعل بيان للمجمل، أو بالدليل العقلي، بأن يذكر المجمل وقت الحاجة إلى العمل به، ثم يفعل فعلًا يصلح أن يكون بيانًا له، ولا يفعل شيئًا آخر، فيعلم أن ذلك الفعل بيان له، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة. ويرى الآمدي أنه إن تقدم القول، فهو المبين، وإن تأخر، فيكون الفعل المتقدم مبنيًا في حقه حتى يجب عليه الطوافان، والقول المتاخر مبينًا في حقنا، حتى يكون الواجب طوافًا واحدًا عملًا بالدليلين من غير نسخ، ولا تعطيل. =
[ ٢ / ٤٥٢ ]
بواحد (١)، فالمأمور به هو الواجب على الأمة، وما فعله زائدًا مندوب له، أو واجب عليه، ولا فرق بين تقدم القول، وتأخره.
وقال أبو الحسين: المتأخر ناسخ أيًا كان، ويلزمه نسخ الفعل إذا كان متقدمًا، كما إذا طاف طوافين، وأمر بواحد، فقد نسخ عنا أحد الطوافين (٢).
وقد قدمنا غير مرة أن الجمع بين الدليلين أولى من إبطال أحدهما.
قوله: "مسألة: تأخير البيان عن وقت الفعل غير واقع، وإن جاز".
_________________
(١) = راجع: التبصرة ص/ ٢٤٩، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٢٧٥، والإحكام للآمدي: ٢/ ١٨٠، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٢٨١، والمسودة: ص/ ١٢٦، وشرح العضد: ٢/ ١٦٣، ونهاية السول: ٢/ ٥٣٠، مناهج العقول: ٢/ ١٥٠، ونشر البنود: ١/ ٢٨٠، وفواتح الرحموت: ٢/ ٤٧، وتيسير التحرير: ٣/ ١٧٦، وإرشاد الفحول: ص/ ١٧٣.
(٢) وقد ورد أن النبي - ﷺ - بعد آية الحج - طاف طوافين، وكان قارنًا فعن علي ﵁ أن النبي - ﷺ -: "كان قارنًا، فطاف طوافين، وسعى سعيين"، وكذا روي عن ابن عمر أنه فعله، وقال: "هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - صنع، كما صنعت". كما أنه - ﷺ - أمر من حج قارنًا بطواف واحد، فقد روى الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "من أحرم بالحج والعمرة، أجزأه طواف واحد، وسعى واحد عنهما حتى يحصل منهما جميعًا" فقوله الذي هو أمره بطواف واحد بيان سواء كان قبل فعله الذي هو طوافه مرتين، أو بعده لأن القول يدل على البيان بنفسه، بخلاف الفعل كما تقدم. راجع: سنن الدارقطني: ٢/ ٢٥٨، ٢٦٣، وعارضة الأحوذي: ٤/ ١٧٣، وسنن ابن ماجه: ٢/ ٢٢٨، والدراية: ٢/ ٣٥.
(٣) راجع: المعتمد: ١/ ٣١٣.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
أقول: تأخير البيان عن وقت الحاجة جائز عند من يجوز تكليف المحال، لكنه لم يقع، وأما عن وقت الخطاب، فالجمهور على جوازه (١) خلافًا للصيرفي والحنابلة (٢).
الكرخي: يمتنع في غير المجمل، أي: في الظاهر إذا أريد به غير ظاهره (٣) كالعام الذي أريد به بعض (٤) / ق (٨٢/ ب من ب) أفراده وبمثله قال أبو الحسين من المعتزلة (٥)، لكنه اكتفى بالبيان الإجمالي.
_________________
(١) وهو مذهب جمهور الأصوليين من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة. راجع: أصول السرخسي: ٢/ ٣٠، والبرهان: ١/ ١٦٦، والتبصر: ص/ ٢٠٧، واللمع: ص/ ٢٩، والعدة: ٣/ ٧٢٥، والفقيه والمتفقه: ٢/ ١٦٤، والإحكام لابن حزم: ١/ ٧٥، والمستصفى: ١/ ٣٦٨، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٢٨٠، وروضة الناظر: ص/ ١٦٤، والإحكام للآمدي: ٢/ ١٨٢، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٢٨٢، وشرح العضد: ٢/ ١٦٤، ونهاية السول: ٢/ ٥٣١، وكشف الأسرار: ٣/ ١٠٨، وفواتح الرحموت: ٢/ ٤٩.
(٢) وهو مذهب بعض الحنابلة، وبعض الحنفية، وبعض الظاهرية، وبعض الشافعية. راجع: المسودة ص/ ١٧٨ - ١٧٩، ومختصر الطوفي: ص/ ١١٩، والتمهيد: ص/ ٤٢٩، ومناهج العقول: ٢/ ١٥٢، ونشر البنود: ١/ ٢٨١، وإرشاد الفحول: ص/ ١٧٣ - ١٧٤، وتشنيف المسامع: ق (٧٥/ أ)، والغيث الهامع: ق (٧٦/ أ - ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٦٩، وهمع الهوامع: ص/ ٢٢٧.
(٣) لإيقاعه المخاطب في فهم غير المراد، أما المجمل لا يحصل به ذلك. راجع: فواتح الرحموت: ٢/ ٤٩، وهمع الهوامع: ص/ ٢٢٧.
(٤) آخر الورقة (٨٢/ ب من ب)
(٥) وحكى عن القفال، والدقاق، وأبي إسحاق المروزي من الشافعية. راجع: الغيث الهامع: ق (٧٦/ ب)، وتشنيف المسامع: ق (٧٥/ أ)، والمعتمد: ١/ ٣١٦.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
مثل أن يقول - حين الخطاب -: هذا عام أريد به الخصوص، وهذا مطلق أريد به المقيد، وهذا الحكم سينسخ من غير تفصيل، وتعيين.
الجبائي: كأبي الحسين إلا في النسخ، فإنه لم يجوزه (١).
وقد أشار المصنف إلى مذهب الكرخي بقوله: وثالثها يمتنع في غير المجمل، وهو ما له ظاهر. وإلى مذهب أبي الحسين بقوله: ورابعها يمتنع تأخير البيان الإجمالي، فيما له ظاهر. بخلاف المشترك، والمتواطئ. وإلى مذهب الجبائي بقوله: وخامسها: يمتنع في غير النسخ.
وقوله: "وقيل: يجوز تأخير النسخ اتفاقًا". إشارة إلى ما ذكره إمام الحرمين والغزالي من أن النسخ ليس محلًا للخلاف (٢).
وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز بيان بعض دون بعض: لأن ذلك يوهم خلاف المراد (٣).
_________________
(١) عبارة الشارح فيها غموض، وبيانها هو أن أبا الحسين البصري لم يجوزه في النسخ، أما مذهب أبي علي الجبائي، وأبي هاشم، وقاضي القضاة عبد الجبار من المعتزلة، فإنهم منعوا تأخير بيان المجمل والعموم أمرًا كان أو خبرًا عن وقت الخطاب، وأجازوا تأخير بيان النسخ. راجع: المعتمد: ١/ ٢١٥ - ٢١٦، والإحكام للآمدي: ٢/ ١٨٢، ونهاية السول: ٢/ ٥٣١.
(٢) راجع: البرهان: ١/ ١٦٧، المستصفى: ١/ ٣٧٣.
(٣) راجع: المحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٦٩، ونشر البنود: ١/ ٢٨١، وهمع الهوامع: ص/ ٢٢٧، وإرشاد الفحول: ص/ ١٧٤.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
لنا: قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١].
فإن ذي القربى عام في جميع الأقارب بينه بأن المراد بنو هاشم، وبنو المطلب دون بني نوفل، وبني عبد شمس (١)، ولا بيان حين الخطاب لا تفصيلًا، ولا إجمالًا، إذ لو وقع لنقل.
ولنا - أيضًا -: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، إذا الصلاة بين جبريل حقيقتها، وكيفيتها للنبي - ﷺ -، ثم هو بين للناس تدريجيًا، وكذلك الزكاة، وكذلك السرقة حين الخطاب (٢) / ق (٨١/ ب من أ)، لم يذكر لا النصاب، ولا الحرز.
المانع: لو جاز تأخير البيان عن وقت الخطاب، فإما إلى مدة معينة، فتحكم، أو إلى الأبد يلزم التكليف مع عدم الفهم.
الجواب: إلى مدة معينة يعلمها الله تعالى، فلا تحكم، يفعل ما يشاء.
قالوا: الخطاب توجيه الكلام نحو المخاطب للإفهام، فيكون بدون البيان تكليفًا بالمحال لعدم إمكان الاطلاع على مقصود المتكلم بدونه.
الجواب: أن المخاطب لم يطلب منه الفعل ليلزم ما ذكرتم، وحين الطلب لا بد من اقتران البيان.
_________________
(١) وذلك أنه - ﷺ -: "لما أعطى بني المطلب، مع بني هاشم من سهم ذي القربى، ومنع بني نوفل، وبني عبد شمس سئل، فقال: إنما بنو المطلب، وبنو هاشم شيء واحد" رواه البخاري في صحيحه: ٤/ ١١١.
(٢) آخر الورقة (٨١/ ب من أ).
[ ٢ / ٤٥٦ ]
وفائدة الخطاب بدون البيان: توطين النفس على ما يرد بعده من البيان، كما هو شأن المجمل، والمفصل، إذ ذكر الشيء مجملًا، ثم مفصلًا، أوقع عند النفس.
الكرخي: ما له ظاهر، وأريد به غيره من غير بيان، يوقع في خلاف المراد، بخلاف المجمل، فإنه يتوقف فيه.
الجواب: ما تقدم من الآيات، والأحاديث.
أبو الحسين: البيان الإجمالي يرفع الوقوع في غير المراد لأنه إذا قال: هذا العام مخصوص، يتوقف المخاطب في العمل إلى الوقوف على المخصص.
الجواب: هو الجواب المتقدم.
الجبائي: الإخلال إنما يحصل في غير النسخ، أما النسخ، فإنه رفع للحكم، أو بيان انتهائه عن جميع المكلفين، فلا يقدح إجماله في المراد: لأن الكل مخاطبون إلى حين النسخ، وبعده لا خطاب مع أحد، بخلاف التخصيص مثلًا، فإنه قبل المخصص لو جوز تأخيره / ق (٨٣/ أمن ب) على ما زعمتم يقع الشك في كل فرد، فرد، فلا يتوجه التكليف إلى أحد، وبهذا استدل من قال: إن النسخ ليس محل الخلاف.
الجواب: أن التخصيص يوجب الشك في فرد على البدل، والنسخ يوجب الشك في الجميع، إذ في كل زمان، بل في كل آن يحتمل النسخ عن الجميع، فيكون تأخير البيان في النسخ بالمنع أجدر.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
قوله: "وعلى المنع: المختار أنه يجوز للرسول - ﷺ - تأخير التبليغ إلى الحاجة".
أقول: القائلون بعدم جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، اختلفوا في جواز تأخير النبي - ﷺ - التبليغ إلى الحاجة.
مختار المصنف، وهو المختار: أنه يجوز لعدم فوات مقصود، مع أنه ربما، أي: في التأخير مصلحة ظاهرة له دون غيره (١).
قالوا: قال تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، والأمر للوجوب.
قلنا: ممنوع كونه للوجوب، ولو سلم، لا نسلم الفور، ولو سلم يختص بالقرآن بقيد ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، فسقط بهذا التقرير قول من قال من الشراح: لا يتجه فرق بين القرآن وغيره (٢).
_________________
(١) وهذا هو رأي الجمهور، وكلام الفخر الرازي، والآمدي يقتضي أن الخلاف في تبليغ غير القرآن من الأحكام، أما القرآن، فيجب فيه قطعًا. راجع: المحصول: ١/ ق/ ٣/ ٣٢٧ - ٣٢٩، والإحكام للآمدي: ٢/ ١٩٤ - ١٩٥، والمختصر مع شرح العضد: ٢/ ١٦٧، ونهاية السول: ٢/ ٥٤٠ - ٥٤١، وفواتح الرحموت: ٢/ ٤٩، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٧٣، وهمع الهوامع: ص/ ٢٢٨، وشرح الكوكب المنير: ٣/ ٤٥٣.
(٢) هو الإمام الزركشي في تشنيف المسامع: ق (٧٥/ ب).
[ ٢ / ٤٥٨ ]
وعلى المنع يتقرر الخلاف في مسألة أخرى، وهي أنه لما جاز عندنا تأخير البيان من الشارع وقت الخطاب، فجواز تأخير إسماعه، مع وجوده أولى.
وأما من منع المسألة الأولى، أي: عدم البيان وقت الخطاب، فقد اختلفوا في جواز تأخير إسماع البيان الموجود، والمختار - على المنع في تلك المسألة - الجواز هنا: لأن تأخيره مع وجوده، أقرب من تأخيره مع عدمه (١).
وأيضًا: لو لم يجز لم يقع لكنه واقع، فمنه أن فاطمة (٢) ﵂ سمعت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١] ولم تسمع قوله - ﷺ -: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث".
_________________
(١) راجع: شرح العضد: ٢/ ١٦٧، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٧٣، وتشنيف المسامع: ق (٧٥/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ ٢٢٨.
(٢) هي فاطمة الزهراء بنت رسول الله - ﷺ -، وأمها خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، وهي أصغر بنات رسول الله - ﷺ -، وتزوجها عليّ ﵁ بعد موقعة أحد، وقيل: غير ذلك، وولدت لعلي الحسن، والحسين، وزينب، وأم كلثوم، وقال لها رسول الله - ﷺ -: "لقد زوجتك سيدًا في الدنيا والآخرة"، وكان رسول الله - ﷺ - إذا جاء من غزوة بدأ بالمسجد، فصلى فيه، ثم يأتي فاطمة، ثم يأتي أزواجه، وإذا دخلت عليه قام إليها، فقبلها، ورحب بها، وهي سيدة نساء المؤمنين ومناقبها كثيرة، وتوفيت سنة (١١ هـ) بعد وفاة رسول الله - ﷺ - بستة أشهر. راجع: الاستيعاب: ٤/ ٣٧٣، والإصابة: ٤/ ٣٧٧، وحلية الأولياء: ٢/ ٣٩، والخلاصة: ص/ ٤٩٤.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
واعلم: أن عبارة المصنف، مختلة: لأن الكلام في المخصص الموجود، مع تأخير إسماعه، لا عدم إسماعه للمكلف الموجود ليكون معنى الكلام / ق (٨٢/ أمن أ) يجوز أن لا يعلم ذات المخصص، ولا وصف كونه مخصصًا، فإنه كلام مخالف للكتب المعتبرة (١) قليل الجدوى (٢).
* * *
_________________
(١) راجع: المختصر مع شرح العضد: ٢/ ١٦٧.
(٢) يرى العبادي أن كلام المصنف لا خلل فيه، ثم رد على الشارح في كلام يطول ذكره. راجع: الآيات البينات: ٣/ ١٢٧ - ١٢٨.
[ ٢ / ٤٦٠ ]