قوله: "المنطوق والمفهوم، المنطوق: ما دل عليه اللفظ في محل النطق".
أقول: المنطوق -اصطلاحًا-: شيء دل عليه اللفظ في محل النطق (١)، فقد صار المنطوق من قبيل المدلول، وهو يوافق ما ذكره الآمدي، فإنه قال: "المنطوق: ما فهم من اللفظ نطقًا في محل النطق، والمفهوم: ما فهم من اللفظ في غير محل النطق" (٢).
وقد فسره بعض المحققين (٣) بنفس الدلالة (٤)؛ لأنه قال: "المنطوق: أن يدل اللفظ على معنًى في محل النطق، والمفهوم: أن يدل اللفظ على معنًى لا
_________________
(١) آخر الورقة (٢٦ / ب من ب).
(٢) نقله بتصرف. راجع: الإحكام له: ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠. وانظر: شرح العضد: ٢/ ١٧١، والمحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٣٥، والآيات البينات: ٢/ ٢، وتيسير التحرير: ١/ ٩١، وفواتح الرحموت: ١/ ٤١٣، ونشر البنود: ١/ ٨٩، وإرشاد الفحول: ص / ١٧٨.
(٣) جاء في هامش (أ، ب): "المولى المحقق عضد الملة والدين". راجع شرحه على المختصر: ٢/ ١٧١.
(٤) الدلالة -لغة-: الإرشاد بمعنى كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، والشيء الأول هو الدال، والثاني هو المدلول، ولها أقسام: =
[ ١ / ٤٣١ ]
في محل النطق" (١)، ويمكن أن يجعل المصدر بمعنى المفعول، فيستوي معنى العبارتين.
ثم المنطوق على ثلاثة أقسام؛ لأنه إن دلَّ على المعنى صريحًا، وهو ما وضع له اللفظ، فيشمل المطابقة والتضمن، وهذا -في الحقيقة- قسمان داخلان تحت الصريح.
والثالث: ما دل عليه اللفظ التزامًا.
ثم الصريح منه ينقسم إلى نص: وهو الذي يفيد معنًى لا يحتمل الغير كالأعلام، فإنها لا تحتمل غيرها بوضع واحد قطعًا.
وظاهر: إن احتمل مرجوحًا: كلفظ الأسد، فإنه إذا أطلق يدل على الحيوان المفترس دلالة ظاهرة، ويحتمل احتمالًا مرجوحًا أن يكون المراد الرجل الشجاع، لكن المتبادر هو الأول. وسيأتي تتمة لهذا في بحث المفهوم إن شاء الله.
_________________
(١) = الأول: ما دلالته وضعية، كدلالة السبب على المسبب كالدلوك على وجوب الصلاة. الثاني: ما دلالته عقلية: كدلالة الأثر على المؤثر. والثالث: ما دلالته لفظية، وهي تنقسم إلى طبيعية، وعقلية، ووضعية، والوضعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام كما ذكرها الشارح رحمه الله تعالى. راجع: مختار الصحاح: ص/ ٢٠٩، والمصباح المنير: ١/ ١٩٩، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٢٣، والتعريفات: ص / ١٠٤، وتحرير القواعد المنطقية: ص/ ٢٨، وإيضاح المبهم: ص/ ٦، وشرح الكوكب المنير: ١/ ١٢٥.
(٢) راجع: شرح العضد على ابن الحاجب: ٢/ ١٧١.
[ ١ / ٤٣٢ ]
قوله: "واللفظ إن دل جزؤه على جزء المعنى، فمركب، وإلا فمفرد".
أقول: كان الأولى تقديم هذا البحث على المنطوق والمفهوم؛ لأن اللفظ ينظر في أفراده وتركيبه -أولًا- ثم يلاحظ منطوقه ومفهومه، ثم (١) ما لا يدل جزؤه على جزء معناه صدقه بأمور أربعة:
الأول: أن لا يكون لذلك اللفظ جزء مثل: ق. عَلَمًا، أو يكون له جزء ولا يدل كزاء زيد، أو يدل على معنى، ولا يكون ذلك المعنى جزء معنى اللفظ حالة الإطلاق: كعبد الله عَلَمًا، أو يكون جزء معنى اللفظ ولا يكون مرادًا: كالحيوان الناطق إذا جعل عَلَمًا لإنسان، فإن دلالة جزء اللفظ على جزء المعنى -وإن كان واقعًا- ولكن حالة العَلَمية ليست بمرادة؛ لأن المراد من اللفظ -في العَلَم- هو المعنى العَلَمي.
لا يقال: إذا كان عبد الله عَلَمًا لا يدل إلا على الذات المعينة؛ لأنّا نجزم بأن من أطلق لفظ عبد الله -على ذلك المعين- لا يخطر بخاطره معنى العبودية، ولا معنى الألوهية، فكيف يدل وقد أجمعوا على ذلك؟
قلنا: دلالة اللفظ لا تتبع الإرادة، بل توجد بدونها، كما في إرادة المعنى المطابق من اللفظ، مع أن دلالة الالتزام لا تنفك عنها، وإن لم تكن مرادة.
وتحقيق ذلك: أن دلالة اللفظ [على المعنى] (٢) عبارة عن التفات الذهن من اللفظ إلى المعنى.
_________________
(١) آخر الورقة (٢٦ / ب من أ).
(٢) سقط من (أ) وأثبت بهامشها.
[ ١ / ٤٣٣ ]
هذا، ودلالة اللفظ على ما وضع له مطابقة، وعلى جزئه تضمن، وعلى ما يلازمه في الذهن التزام مثل: دلالة الإنسان على الحيوان الناطق مطابقة، وعلى أحدهما تضمن، وعلى قابلية العِلْم والكتابة التزام (١).
واعتبر اللزوم الذهني؛ لأن اللزوم الخارجي غير معتبر؛ لأن الدلالة الالتزامية موجودة مع التنافي في الخارج: كدلالة العمى على البصر مع المنافاة في الخارج.
ثم حَكَمَ المصنف: بأن دلالة المطابقة لفظية، والتضمن والالتزام عقليتان (٢)، وهذا ما عليه بعض أهل العربية (٣).
_________________
(١) راجع: المستصفى: ١/ ٣٠، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٠٨، والمحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٣٧، وفواتح الرحموت: ١/ ٤١٣، وفتح الرحمن: ص / ٥٢، وإرشاد الفحول: ص / ١٧٨.
(٢) لا خلاف في أن للفظ مدخلًا في الدلالات الثلاث، وهو شرط في استفادتها منه، وإنما الخلاف في هل اللفظ موضوع لها كلها، أو لبعضها؟
(٣) واختاره الرازي، والتلمساني، والهندي، وغيرهم، وقول جمهور المنطقيين هو قول الأكثر، واختاره الشارح، وهناك قول ثالث، وهو أن دلالة المطابقة والتضمن وضعيتان، ودلالة الالتزام عقلية، واختاره الآمدي، وابن الحاجب، والعضد، وغيرهم. ويرى البعض: أنه إذا كان محل النزاع -في التضمن والالتزام- فالخلاف لفظي لأنه يصح أن يقال: إن لكل من الوضع والعقل مدخلًا فيهما، فهما عقليتان باعتبار الانتقال من المسمى إلى الجزء، واللازم إنما حصل بالعقل، ويصح أن يقال: إنهما وضعيتان باعتبار أن الوضع سبب لانتقال العقل إليهما فهما عقليتان باعتبار، ووضعيتان باعتبار آخر. =
[ ١ / ٤٣٤ ]
وعند جهور المنطقيين الثلاث لفظية؛ لأنها تستفاد من اللفظ، وهذا صريح في كلام المصنف حيث جعل القسم دلالة اللفظ، وإذا كان المقسم دلالة اللفظ، فالأقسام لفظية ضرورة [تأمل] (١).
قوله: "ثم المنطوق إن توقف الصدق أو الصحة على إضمار، فدلالة اقتضاء".
أقول: قد عرفت مما سبق: أن المنطوق على قسمين: صريح، وغير صريح، وهو ما دل عليه اللفظ التزامًا، وهذا القسم الثاني هو الذي ينقسم إلى اقتضاء وإشارة وإيماء، ثم وجه الانقسام هو أن ذلك المنطوق الذي هو القسم الثاني إما أن يكون مقصودًا للمتكلم، أو لا، فإن كان مقصودًا فذلك بحكم الاستقراء قسمان:
أحدهما: أن يتوقف الصدق، أو الصحة الشرعية أو العقلية عليه، وهذا يسمى: دلالة اقتضاء، أما الصدق فنحو قوله -ﷺ-: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (٢)، فإن الصدق موقوف على تقدير المؤاخذة، أو نحوها
_________________
(١) = راجع: المحصول: ١/ ق/ ١/ ٢٢٩ - ٣٠٠، والإحكام للآمدى: ١/ ١٢ - ١٣، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ١/ ١٢١، وتشنيف المسامع: ق (٢٤ / أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٣٨، وهمع الهوامع: ص / ٧٠، والطراز: ١/ ٣٨، وتحرير القواعد المنطقية: ص / ٣٢، والأنصاري على إيساغوجي: ص / ٣٠، وحاشية عليش: ص / ٣٠، وفتح الرحمن: ص / ٥٣
(٢) المثبت من هامش (أ).
(٣) هذا الحديث روي من طرق متعددة، وبألفاظ مختلفة، فقد رواه ابن ماجه عن أبي ذر، وفي إسناده أبو بكر الهذلي، وهو متفق على ضعفه كما قاله الحافظ البوصيري، =
[ ١ / ٤٣٥ ]
ليصدق مضمونه؛ لأن وجود الخطأ والنسيان ووقوعهما في أمته لا يمكن إنكاره.
وأما الصحة العقلية: فنحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] إذ خطاب القرية لا يُجوِّزه العقل جريًا على العادة، وإنما قيد بالعادة لجواز السؤال من نبي بخرق العادة؟ فلا بد من هذا القيد، وإن أطلق المحقق العلامة (١).
_________________
(١) = ورواه أبو نعيم، وابن عدي من طريق جعفر بن جسر عن أبيه عن الحسن عن أبي بكرة، غير أن جعفرًا وأباه ضعيفان، ورواه الطبراني عن ثوبان، وأبى الدرداء، وفي إسناده ضعف كما قال الحافظ، ورواه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وضَعَّف الحديث الحافظ الهيثمي، وقد صحح الحديث ابن حبان، والحاكم، والسيوطي، وحسنه النووي. أما ما رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه من إنكار هذا الحديث في قوله: "من زعم أن الخطأ، والنسيان مرفوع، فقد خالف كتاب الله، وسنة رسول الله -ﷺ-، فإن الله أوجب في قتل النفس الخطأ الكفارة". فإنه يحمل على رفع أصل الخطأ، والنسيان، وهذا لم يقل به أحد ممن عمل بالحديث، أو صححه، ولكنهم يقولون: المراد منه رفع المؤاخذة بهما، وهو قول كثير من الفقهاء، وعلماء الأصول، وغيرهم. راجع: سنن ابن ماجه: ١/ ٦٣٠، والدارقطني: ٤/ ١٧١ في سننه، والمستدرك: ٢/ ١٩٨، والسنن الكبرى: ٧/ ٣٥٦، والمعجم الكبير للطبراني: ٢/ ٩٤، وأخبار أصفهان: ١/ ٩٠، والكامل في الضعفاء: ٢/ ٥٧٣، وموارد الظمآن: ص / ٣٦٠، والجامع الصغير: ٢/ ٢٤، وفيض القدير: ٤/ ٣٤، والأربعين النووية: ص / ٨٥، وتلخيص الحبير: ١/ ٢٨١ - ٢٨٢، وكشف الخفاء: ١/ ٥٢٢.
(٢) جاء في هامش (أ، ب): "هو المولى عضد الملة والدين". وراجع: شرحه على مختصر ابن الحاجب: ٢/ ١٧٢.
[ ١ / ٤٣٦ ]
والصحة الشرعية: نحو قول القائل: اعتق عبدك عني، فإنه لا بد من حصول الملك قبل الإعتاق لعدم جواز إعتاق ملك الغير ضرورة.
الثاني -من قسمي المقصود-: وهو أن يُقْرَن بحكم لولا حمله على التعليل يكون غير لائق بالمقام فيدل عليه، وإن لم يصرح به، ويسمى: إيماء، وسيأتي ذكره بأقسامه في باب القياس إن شاء الله تعالى.
والقسم الثاني: وهو الذي لا يكون مقصودًا للمتكلم يسمى: دلالة إشارة نحو قوله -ﷺ- في النساء: "ناقصات عقل ودين، قيل: ما نقصان دينهن؟ قال: تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلى" (١) فدل على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا (٢)، وعلم -أيضًا- أنه أقل الطهر (٣)، ولا شك أن بيانهما لم يكن مقصودًا منه، ولكن لزم حيث بالغ في نقصان دينهن،
_________________
(١) روى هذا الحديث أبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وابن عمر، وقد أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وأحمد، وغيرهم من حديث طويل. راجع: صحيح البخاري: ١/ ٧٩ - ٨٠، وصحيح مسلم: ١/ ٦١، ومسند أحمد: ٢/ ٦٦، وسنن أبي داود: ١/ ٢٦١، وسنن الترمذي: ٥/ ١٠.
(٢) هذا تحديد لمدة أكثر الحيض من حيث الزمن، وهو المشهور من مذهب الشافعية، والمالكية، والحنابلة على تفصيل عند المالكية، وأما عند الحنفية، فأكثره عشرة أيام بلياليها، وما زاد على ذلك يكون استحاضة. راجع: المدونة: ١/ ٤٩، وشرح فتح القدير: ١/ ١٦٠ - ١٦١، والمجموع: ٢/ ٣٨٠، والمغني: ١/ ٣٠٨.
(٣) وبهذا قالت الحنفية، والمالكية، والشافعية، وعند الحنابلة ثلاثة عشر يومًا. راجع: المدونة الكبرى: ١/ ٥٠، والمغني: ١/ ٣١٠، والمجموع: ٢/ ٣٨٠، وشرح فتح القدير: ١/ ١٧٤.
[ ١ / ٤٣٧ ]
كما بالغ في نقصان عقلهن حيث جعل شهادة امرأتين بمثابة شهادة رجل واحد، فدل على أن نهاية ما يصل إليه نقصان دينها هو هذا القدْر.
وقد علمت من هذا التحرير، والتحقيق: أن كلام المصنف قاصر عن إفادة المرام؛ لأنه أسقط الإيماء، وقسم المنطوق، والمنقسم إنما هو غير الصريح، والصريح قسم واحد (١).
قوله: "المفهوم: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق".
أقول: مفهوم اللفظ -وهو ما عدا المنطوق بأقسامه- قسمان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة؛ لأن حكمه إن كان موافقًا للمنطوق، فهو مفهوم موافقة، وإلا فمفهوم مخالفة (٢).
_________________
(١) رُد على الشارح بأن المنقسم إلى الإيماء والإشارة حقيقة إنما هي دلالة المنطوق لا نفس المنطوق، ولما لم يكن الإيماء من تلك الأقسام إذ ليس مدلولًا للفظ المنطوق كما هو ظاهر من معناه، لعل المصنف أراد تأخيره إلى محله اللائق به من باب القياس، وعليه، فلا يرد ما قاله الشارح ﵀ من الاعتراض. راجع: المحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٣٩، والآيات البينات: ٢/ ١٣. وانظر: أصول السرخسي: ١/ ٢٣٦، والمستصفى: ١/ ١٨٦ - ١٨٨، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٠٨، وكشف الأسرار: ١/ ٦٨، وشرح العضد: ٢/ ١٧٢، وفتح الغفار: ٢/ ٤٤، وفواتح الرحموت: ١/ ٤١٣، وتيسير التحرير: ١/ ٨٧، ونشر البنود: ١/ ٩٣ في المسألة الأصلية في الباب.
(٢) راجع: العدة: ١/ ١٥٢، والبرهان: ١/ ٤٤٩، واللمع: ص/ ٢٥، والمستصفى: ٢/ ١٩١، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢١٠، وشرح تنقيح الفصول: ص / ٥٤، والمسودة: ص / ٣٥٠، ومختصر الطوفي: ص / ١٢١، وشرح العضد: ٢/ ١٧١، والمحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٤٠، والآيات البينات: ٢/ ١٥، وفواتح الرحموت: ١/ ٤١٣، ونشر البنود: ١/ ٩٤، وإرشاد الفحول: ص / ١٧٨.
[ ١ / ٤٣٨ ]
فالأول: يسمى فحوى الخطاب، وكذلك لحن الخطاب عند الجمهور، والمصنف جعله مخصوصًا بقسم منه، وهو ما إذا كان مساويًا (١).
ثم حقيقة مفهوم الموافقة لا تنفك عن التنبيه بالأدنى على الأعلى كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، وقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، فإن التأفيف، والذَّرَّة، والدينار تدل على أن الحكم في الأعلى بالطريق الأولى.
وفى "المنتهى": هو التنبيه بالأدنى على الأعلى، وبالأعلى على الأدنى (٢)، وحذف القسم الثاني في "المختصر" (٣)، واقتصر على القسم (٤) الأول:
_________________
(١) ذهب البعض، ومنهم المصنف إلى أن هناك فرقًا بين فحوى الخطاب، ولحن الخطاب، ففي الفحوى يكون الحكم في المفهوم أولى منه في المنطوق: كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب: لأنه أشد. وفي اللحن يكرن الحكم في المفهوم مساويًا للمنطوق: كتحريم إحراق مال اليتيم الذي هو مساو للأكل بواسطة الإتلاف في الصورتين. راجع: أدب القاضي: ١/ ٦١٧، والإبهاج: ١/ ٣٦٧، ورفع الحاجب: (٢/ ق / ٦٣ / أ)، والآيات البينات: ٢/ ١٦، وحاشية البناني على المحلي: ١/ ٢٤١، ونشر البنود: ١/ ٩٦.
(٢) راجع: منتهى الوصول والأمل: ص / ١٤٨.
(٣) راجع: المختصر مع شرح العضد: ٢/ ٢٧٢.
(٤) آخر الورقة (٢٧ / ب من ب).
[ ١ / ٤٣٩ ]
لأنه يوخذ معنى الأدنى على وجه يشمل معنى الأعلى: كالمناسبة مثلًا يقال: التأفيف أدنى مناسبة بالتحريم من الضرب، والذَّرَّة أدنى مناسبة بالجزاء من الدينار والدرهم والقنطار، وإن كان أعلى من الدينار لكنه أدنى مناسبة للتأدية من الدينار، فيُكتفى بالأدنى على الأعلى لاندراج الكل تحته، وإذا كان المذكور أدنى مناسبة كان المسكوت عنه أشد مناسبة بالحكم، وهذا مبني على أن لا تعد المساواة من مفهوم الموافقة: كالاستدلال بحرمة أكل مال اليتيم على حرمة إحراق ماله إذ لا مزية في استحقاق الإثم لأحدهما على الآخر، وقد عده الغزالي منه (١).
ثم الاستدلال بمثله مقبول اتفاقًا (٢)، إنما الكلام في صدق هذا الاسم عليه.
ثم اختلف في أن الاستدلال بالمفهوم هل هو قياس شرعي، أم لا؟
اختار إمام الأئمة الشافعي -﵁، وتبعه الإمامان (٣) -: أنه قياس شرعي؛ لأنه إلحاق أصل بفرع لعلة مستنبطة، فيكون قياسًا شرعيًّا لصدق حده عليه.
_________________
(١) راجع: المستصفى: ٢/ ١٩٠.
(٢) هذا هو مذهب غالبية أهل العلم خلافًا لداود الظاهري، ومن تبعه حيث لم يقولوا بحجيته. راجع: الإحكام للآمدي: ٢/ ٢١١، والمسودة: ص/ ٣٤٦، وإرشاد الفحول: ص/ ١٧٩.
(٣) إمام الحرمين، والإمام الرازي، وقال به الكثرة من الشافعية، واختاره المصنف، وبعض الحنابلة، فهو قياس جلي عندهم لتوفر أركان القياس فيه. =
[ ١ / ٤٤٠ ]
وقيل: لفظي، وهذا هو المختار (١)؛ لأن من عرف اللغة يفهم هذا الحكم، وإن [لم] (٢) يرد بذلك الشرع (٣).
قال الغزالي في "المستصفى": "فإن قلت: هذا قياس إذ الضرب حرام قياسًا على التأفيف.
قلت: إن أردت أنه محتاج إلى استنباط وتأمل، فهو خطأ، وإن أردت أنه إلحاق مسكوت بمنطوق، فهو صحيح" (٤).
والذي يجب أن يحمل عليه كلام الشافعي -﵁-: هو أن صورته صورة قياس شرعي، ويؤخذ منه حكم شرعي كما في سائر
_________________
(١) = راجع: الرسالة: ص/ ٥١٤، واللمع: ص / ٢٥، والبرهان: ١/ ٤٤٨، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠، والروضة: ص/٢٦٣، والمسودة: ص/٣٤٨، وشرح العضد: ٢/ ١٧٣، ورفع الحاجب: (٢/ ق / ٦٣ / أ- ب)، ومختصر الطوفي: ص / ١٢٢، والمحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٤٢، وهمع الهوامع: ص / ٧٢، والآيات البينات: ٢/ ٢٠، ونشر البنود: ١/ ٩٧.
(٢) وبه قال المالكية، والحنفية، وبعض الشافعية، وأكثر الحنابلة، وغيرهم. راجع: العدة: ١/ ١٥٣، والإشارات: ص/ ٩٢، وأصول السرخسي: ١/ ٢٤١، وإحكام الفصول للباجي: ص / ٥٠٨، والمستصفى: ٢/ ١٩٠، وكشف الأسرار: ١/ ٧٣، ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ١٧٣، وفتح الغفار: ٢/ ٤٥.
(٣) سقط من (أ) وأثبت بهامشها.
(٤) آخر الورقة (٢٧/ ب من أ).
(٥) راجع: المستصفى: ١/ ١٩١.
[ ١ / ٤٤١ ]
الأقيسة، وإن كان المقيس معلومًا -لغة- بخلافه في بقية الأقيسة؛ إذ رِفعته وجلالة قدره أعلى من أن يلتبس عليه ما يفهمه غيره بلا توقُّف (١).
قوله: "فقال الغزالي والآمدي: فهمت من السياق والقرائن، وهي مجازية من إطلاق الأخص على الأعم".
أقول: ذكر الإمام الغزالي: أن مجرد ذكر الأدنى لا يحصل منه التنبيه على الأعلى ما لم يعلم المقصود من الكلام، وما سيق له، فلولا معرفتنا بأن الآية إنما سيقت لتعظيم الوالدين لما فهمنا حرمة الضرب من قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾؛ إذ قد يأمر السلطان بقتل إنسان، ويقول: لا تقل له أف، ولكن اضرب عنقه (٢)، وليس في كلامه ذكر المجاز لا صريحًا ولا كناية (٣)، وما زعمه المصنف: من أن الدلالة المذكورة
_________________
(١) وذكر الجويني أن الخلاف في المسألة المذكورة لفظي. إلا أن الخلاف له ثمرة، ونتيجة، فعلى قول الشافعي ومن تبعه من أن دلالته قياسية، لا يجوز النسخ به، أما على قول غيره من أن دلالته لفظية، فيجوز النسخ به. راجع: البرهان: ٢/ ٧٨٦، وتشنيف المسامع: ق (٢٥ / أ)، وشرح الكوكب المنير: ٣/ ٤٨٦.
(٢) راجع: المستصفى: ٢/ ١٩٠.
(٣) قلت: نقل المصنف -عن الغزالي- ما ذكره الشارح عنه، ووافقه على هذا النقل جل من شرح جمع الجوامع: كالزركشي، والمحلي، والعراقي، والأشموني، والعبادي، والكمال بن أبي شريف حسب اطلاعي على شروحهم، ولم يعترضوا على هذا النقل، لكن الشارح هنا اعترض عليه: بأنه لم يرد في كلام الغزالي ذكر المجاز على الإطلاق، =
[ ١ / ٤٤٢ ]
مجازية (١) غير مستقيم؛ لأن المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة بين المعنيين، أو الكلمة المستعملة في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة دالة على عدم جواز إرادة ما وضع له.
ولا شك أن قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ مستعمل في معناه الحقيقي، غايته: أنه عُلِم منه حرمة الضرب بقرائن الأحوال ومساق الكلام، واللفظ لا يصير بذلك مجازًا، وكأنه لم يفرق بين القرينة المفيدة للدلالة، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي، والثانية هي اللازمة للمجاز دون الأولى، والعجب أن شراح كلامه لم ينتبهوا لهذا مع ظهوره.
_________________
(١) = ناقلًا كلامه من المستصفى كما ترى، غير أن العبادي رد على الشارح اعتراضه بأن المصنف حجة، ثقة في نقله، خبير بكلام الغزالي، وكتبه، ولعله اطلع على ما نقله في غير هذا الموضع. ويؤيد ما قاله العبادي أن الإمام الزركشي صرح بما نقله المصنف عن الغزالي أنه قاله في المطلق والمقيد لا في هذه المسألة، ثم ذكر عنه رأيًا آخر في القطب الثالث في كيفية الاستدلال. راجع: المستصفى: ١/ ٣٤٠، و٢/ ١٨٦، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢١٠ - ٢١١، وتشنيف المسامع: ق (٢٥ / أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٤٤، وهمع الهوامع: ص / ٧٢، والدرر اللوامع للكمال: ق (٧٥/ ب)، والآيات البينات: ٢/ ٢١.
(٢) الواقع أن المصنف لم يختر ذلك صريحًا، كما أنه لم ينسبه لغيره، وهو وإن كان قد يفهم من سياقه بأنه للغزالي، والآمدي إلا أنه لم يصرح بنسبته إليهما في الأصل، لكني وجدته صرح بذلك في رفع الحاجب، فقال -بعد ذكره الغزالي، والآمدي، وابن الحاجب-: "والدلالة -عندهم- مجازية من باب إطلاق الأخص، وإرادة الأعم". راجع: رفع الحاجب: (٢/ ق/٦٣/ أ)، والآيات البينات: ٢/ ٢١ - ٢٢.
[ ١ / ٤٤٣ ]
قوله: "وقيل: نقل اللفظ لها عرفًا"، يعني ذهبت طائفة إلى أن اللفظ صار حقيقة عرفية في المعنى الالتزامي (١) الذي هو الضرب في مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، وكذلك -في قوله-: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] صار اللفظ حقيقة في المجازاة في الأكثر، وهذا قول [باطل] (٢)؛ لأن المفردات كلها مستعملة في معانيها اللغوية، بلا ريب، مع إجماع السلف على أن في الأمثلة المذكورة إلحاقًا لفرع بأصل، وإنما الخلاف في أن ذلك بالشرع أو باللغة، كما تقدم.
وعند الحنفية يسمى: دلالة النص، وهم مجمعون على أن هذه الدلالة تفهم لغة ولا حاجة إلى ملاحظة الشرع في ذلك (٣).
قوله: "وإن خالف فمخالفة".
_________________
(١) هذا مذهب ثالث -في المسألة- فتحريم الضرب للوالدين، وتحريم إحراق مال اليتيم من منطوق الآيتين حقيقة عرفية، والبيضاوي جعله مرة مفهومًا، وأخرى قياسًا، ففي الفصل التاسع الذي عقده لكيفية الاستدلال من فصول اللغات جعل الموافقة مفهومًا، وفي كتاب القياس جعله قياسيًا، وذُكر عن الصفي الهندي أنه لا تنافي بينهما؛ لأن المفهوم مسكوت، والقياس إلحاق مسكوت بمنطوق. راجع: الابتهاج: ص/ ٥٧، ٢٢١، وهمع الهوامع: ص/ ٧٢ - ٧٣.
(٢) في (ب): "بط" والمثبت هو الصواب.
(٣) راجع: أصول السرخسي: ١/ ٢٤١، وكشف الأسرار: ١/ ٧٣، والتوضيح: ١/ ١٣١، وفتح الغفار: ٢/ ٤٥، وتيسير التحرير: ١/ ٩٠، وفواتح الرحموت: ١/ ٤٠٨.
[ ١ / ٤٤٤ ]
أقول: الثاني من قسمي المفهوم: مفهوم المخالفة، وهو أن يكون المسكوت عنه مخالفًا للمنطوق في الحكم (١) مثل قوله -ﷺ-: "في سائمة الغنم زكاة" (٢) إذ يدل على أن حكم المعلوفة مخالف لها، وهو عدم الوجوب، وله أقسام ستأتي مفصلة إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) راجع: الإشارات: ص / ٩٣، والحدود: ص/ ٥٠، والعدة: ١/ ١٥٤، واللمع: ص / ٢٥، والتبصرة: ص/ ٢١٨، والبرهان: ١/ ٤٤٩، والمستصفى: ٢/ ١٩١، وروضة الناظر: ص / ٢٦٤، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢١٢، وشرح تنقيح الفصول: ص / ٥٣، وشرح العضد: ٢/ ١٧٣، ومختصر الطوفي: ص / ١٢٢، والمحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٤٥، والآيات البينات: ٢/ ٢٣، وتيسير التحرير: ١/ ٩٨، وشرح الكوكب المنير: ٣/ ٤٨٩، ونشر البنود: ١/ ٩٨، وإرشاد الفحول: ص / ١٧٩.
(٢) هكذا يذكره الفقهاء والأصوليون، ولعلهم اختصروا الحديث كما قال ابن الصلاح والحديث ورد من طريق محمد بن عبد الله بن المثنى عن أبيه عن ثمامة بن عبد الله بن أنس أن أنسًا حدثه أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذه فريضة الصدقة إلى فرضها رسول الله -ﷺ- على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله إلى قوله: وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة" غبر أن المحدثين تكلموا في عبد الله بن المثنى توثيقًا، وتضعيفًا، فضعفه ابن معين، والدارقطني، والنسائي، والعقيلي، والآجري، والساجي، والأزدي، ووثقه أبو زرعة، وأبو حاتم، وابن حبان، والعجلي، والترمذي، وابن معين، والدارقطني في قولهما الآخر. قلت: والقول الأخير هو الأنسب إذ إن البخاري قد خرج له أحاديث في صحيحه المجمع على صحة ما فيه جملة، وتفصيلًا، سندًا، ومتنًا، كما أنه قد تابع عبد الله بن المثنى في حديثه المذكور حماد بن سلمة عن ثمامة عند أحمد، وغيره، وورد بمعناه حديث عمرو بن حزم، وحديث ابن عمر، وقد تكلم فيهما. =
[ ١ / ٤٤٥ ]
وله شروط منها: أن لا يكون المسكوت عنه ترك لخوف، كقول من يتهم بالرفض-: أتصدق هذا الدينار على من يحب أبا بكر وعمر (١)، أو نحو الخوف: كالجهل بحكم المسكوت عنه، كما في المثال المذكور إذ لا يعلم حال المعلوفة، أو يكون المذكور خرج مخرج الغالب كقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] للاتفاق على عدم اعتبار السفر في جواز الرهن، خلافًا لإمام الحرمين، حيث زعم أنه، أي: كونه خرج مخرج الغالب ليس بظاهر يترك به أصل من الأصول (٢)، وهذا استبعاد منه خال عن الدليل، والمحققون بعده على خلافه (٣).
_________________
(١) = راجع: صحيح البخاري: ٢/ ١٣٩، ومسند أحمد: ١/ ١١ - ١٢، ٢/ ١٥، وسنن أبي داود: ٢/ ٩٩، وسنن الترمذي: ٣/ ١٧، وسنن النسائي: ٢/ ٢٨ - ٢٩، وسنن ابن ماجه: ١/ ٣٥٣، والسنن الكبرى للبيهقي: ٤/ ١١٦، والمستدرك للحاكم: ١/ ٣٩٥، وموارد الظمآن: ص / ٢٠٢، وتهذيب التهذيب: ٥/ ٣٨٧.
(٢) مع أنه يريد معهم غيرهم، ولكنه أخفى الغير خوفًا من أن يتهم بالرفض.
(٣) نقل إمام الحرمين هذا الشرط عن الشافعي، ثم نازعه فيه قائلًا: "والذى أراه أن ذلك لا يسقط التعلق بالمفهوم". البرهان: ١/ ٤٧٤، ٤٧٧، وانظر: شرح تنقيح الفصول: ص/٢٧٢، والمختصر مع العضد: ٢/ ١٧٥، وتشنيف المسامع: ق (٢٥/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٤٦، وهمع الهوامع: ص/٧٣، وفواتح الرحموت: ١/ ٤١٤، وتيسير التحرير: ١/ ٩٩، ونشر البنود: ١/ ٩٩، وإرشاد الفحول: ص/ ١٨٠.
(٤) وقد نقل الإمام القرافي الإجماع على أن المفهوم متى خرج مخرج الغالب ليس بحجة، كما رد الزركشي، والمحلي، والأشموني على الجويني مخالفته السابقة. راجع: شرح تنقيح الفصول: ص/ ٢٧١، وتشنيف المسامع، والمحلي، وهمع الهوامع التي سبق ذكرها قبل هذا.
[ ١ / ٤٤٦ ]
أو يكون المذكور جواب سائل: كما إذا سأله شخص: هل في السائمة زكاة؟ فأجاب: بأن في السائمة زكاة، أو للجهل بحكم المذكور دون حكم المسكوت عنه، ولا يخفى أن ذكر السؤال يغني عن هذا. أو غير الذي ذكر من الأشياء التي توجب تخصيصه بالذكر كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]: إذ مفهوم الشروط لا اعتبار به، بل إنما ذكر الشرط إيذانًا بأنهن إذا أردن التحصن، فالمولى -بذلك- أولى.
وقيل: إنما ألغى مفهوم الشرط هنا؛ لأن الإكراه على الزنى مع عدم إرادة التحصن غير ممكن، وقيل: عارضه الإجماع (١).
_________________
(١) لأن الزنى محرم على كل حال وظرف بالإجماع، دون استثناء في ذلك. ومن شروط مفهوم المخالفة -أيضًا- أن لا يكون خرج مخرج التفخيم كحديث: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" فقيد الإيمان للتفخيم في الأمر، وأن هذا لا يليق بمن كان مؤمنًا. راجع: صحيح البخاري: ٧/ ٧٦. وأن لا يكون المنطوق ذكر لزيادة امتنان على المسكوت عنه نحو قوله جل وعلا: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، فلا يدل على منع القديد من لحوم ما يؤكل مما يخرج من البحر كغيره. وأن لا يكون المنطوق خرج لبيان حكم حادثة اقتضت بيان الحكم في المذكور كما روي أن النبي -ﷺ- مر بشاة لميمونة فقال: "دباغها طهورها" لأن القصد من الحديث الحكم على هذه الحادثة لا النفي عما عداها. =
[ ١ / ٤٤٧ ]
ومما يجب التنبه له: أن ما أطلقه المصنف من الشروط لا يلزم جريانها في جميع المفاهيم، بل حيث يمكن لعدم جريان شيء مما ذكر في الاستثناء، وإنما المفيدة للحصر، وفي الغاية، وأن لا يكون المسكوت عنه أولى بالحكم المذكور، ولا مساويًا له، وألا يكون مفهوم موافقة عند من يجعل المساواة معتبرة في مفهوم الموافقة، وألا يكون واسطة بين المفهومين؛ هكذا يجب أن يفهم هذا المقام.
قوله: "ولا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق".
أقول: يريد أن المذكور، وهو ما يقتضي التخصيص بالذكر لا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق إذا وجدت بينهما علة جامعة.
ثم استبعد المنع كأنه قال: كيف يمتنع القياس، والحال أن طائفة ذهبت إلى أن ذلك المعروض الذي عرض له القيد المذكور يعم المسكوت عنه بدون قياس؟ كما إذا قال -عند الجهل بحكم المذكور-: في الغنم السائمة زكاة، عند هذه الطائفة لفظ الغنم عام يشمل المعلوفة أيضًا، ثم نقل الإجماع على عدم العموم، وأن اللفظ لا يتناول المسكوت عنه.
_________________
(١) = راجع: صحيح مسلم مع شرح النووي: ٤/ ٥٣، ومسند أحمد: ٤/ ٣٢٩، وسنن أبي داود: ٢/ ٣٨٧. وهناك شروط كثيرة أهمها ما ذكر. راجع: اللمع: ص / ٢٦، والمسودة: ص/ ٣٦٣، وشرح العضد: ٢/ ١٧٤، وفواتح الرحموت: ١/ ٤١٤، وتيسير التحرير: ١/ ٩٩، وإرشاد الفحول: ص/ ١٨٠.
[ ١ / ٤٤٨ ]
غايته: أنه لو (١) وجد قياس يقاس عليه، وإلا فلا (٢)، وعبر بالمعروض دون الموصوف، وإن كان في المعنى موصوفًا لئلا يتوهم اختصاص البحث بالصفة، مع كونه عامًّا في جميع الموارد التي من شأنها مخالفة المسكوت للمنطوق.
قوله: "وهو صفة كالغنم السائمة، أو سائمة الغنم".
أقول: لما بين معنى مفهوم المخالفة وما فيه من الخلاف والشروط، شرع في بيان أقسامه والبحث عما يتعلق بكل قسم من المسائل، وابتدأ بمفهوم الصفة؛ لأن مباحثه أكثر، وهو بين الفقهاء أشهر (٣)، والمراد بالصفة هنا ما يشعر بالعلية مثل: "المؤمن (٤) غِرٌّ كريم" (٥)، فبينه وبين
_________________
(١) آخر الورقة (٢٨/ ب من ب)
(٢) انظر: المحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٤٨، وتشنيف المسامع: ق (٢٥/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ ٧٤، والآيات البينات: ٢/ ٢٦.
(٣) لأنه رأس المفاهيم لذا قال إمام الحرمين: "لو عبر معبر عن جميع المفاهيم بالصفة لكان ذلك منقدحًا، فإن المعدود، والمحدود موصوفان بعدهما، وحدهما" البرهان: ١/ ٤٥٤، وانظر: منع الموانع: ق (٨١/ أ).
(٤) -غر بكسر الغين المعجمة- أي: لا يعرف الشر، ولا بذي مكر، وهو ضد الخب، يقال: فتى غر، وفتاة غر، والمراد: أن المؤمن من طبعه الغرارة، وقلة الفطنة للشر، وترك البحث عنه كرمًا، وحسن خلق منه، وسلامة صدر لا جهلًا، وغباء. راجع: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير: ٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥.
(٥) الحديث رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم، والبيهقي، ولفظه عند أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن المؤمن غر كريم، =
[ ١ / ٤٤٩ ]
الصفة النحوية عموم من وجه؛ لأن صفة المدح والذم خارجة عن هذا، ومثل: "ليُّ الواجد" (١)، و: "مَطْل الغنيّ" (٢) ليس وصفًا نحويًّا.
_________________
(١) = وإن الفاجر خب لئيم" والحديث حكم الحافظ القزويني بوضعه، ورد عليه الحافظ حكمه على الحديث بالوضع، وقال: "ومع أن في سنده الحجاج بن فرافصة، وبشر بن أبي رافع، وهما ضعيفان عند الجمهور، وبشر أضعف من الححاج، ولم يحتج الشيخان بواحد منهما، لكن لا يتجه عليه الحكم بالوضع كيف، وقد أسنده المتقدمون من أصحاب الثوري! وقال الترمذي: حسن صحيح، والحديث برواياته المختلفة لا ينزل عن درجة الحسن". راجع: مسند أحمد: ٢/ ٣٩٤، وسنن أبي داود: ٢/ ٥٥١، وسنن الترمذي: ٥/ ١٤٠ - ١٤١، والسنن الكبرى: ١٠/ ١٩٥، والمستدرك: ١/ ٤٣، ومشكاة المصابيح: ٢/ ٦٣٠، ٣/ ٣١٢، ٣١٧، والميزان للذهبي: ١/ ٣١٧، ٣٦٣، وتقريب التهذيب: ١/ ٩٩، ١٥٤.
(٢) لي الواجد: أي مطلق الغنى، واللي -بالفتح- المطل، وأصله لوى، فأدغمت الواو في الياء، والواجد الغني من الوجد بالضم بمعنى السعة، والقدرة. والحديت رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وعلقه البخاري، وصححه الحاكم، ووافقه عليه الإمام الذهبي، ولفظه: عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "لي الواجد يحل عرضه، وعقوبته" يعني شكايته، وسجنه. راجع: النهاية لابن الأثير: ٤/ ٢٨٧، وصحيح البخاري: ٣/ ١١٧، ومسند أحمد: ٤/ ٣٨٨، ٣٩٩، وسنن أبي داود: ٢/ ٢٨٣، وسنن النسائي: ٧/ ٣١٦، وسنن ابن ماجه: ٢/ ٨٠، والمستدرك: ٤/ ١٠٢، وفيض القدير: ٥/ ٤٠٠.
(٣) الحديث رواه البخاري، ومسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ومالك، والبيهقي، ولفظ الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مطل الغني ظلم، ومن أُتبع على مليء، فليتبع". =
[ ١ / ٤٥٠ ]
وقد قال به الإمام الجليل الشافعي والأشعري وكثير من العلماء (١).
ومنعه أبو حنيفة، والقاضي، والغزالي، والمعتزلة.
لنا: ما نقله الإمام في "البرهان": أن أبا عبيدة معمر بن المثنى (٢) لما
_________________
(١) = راجع: الموطأ: ص/٤١٨، وصحيح البخاري: ٣/ ١١٧، وصحيح مسلم: ٥/ ٣٤، وسنن أبي داود: ٢/ ٢٢٢، ومسند أحمد: ٢/ ٧١، ٢٤٥، وسنن الترمذي: ٣/ ٦٠٠، وسنن النسائي: ٦/ ٣١٧، وسنن ابن ماجه: ٢/ ٧٣، والسنن الكبرى: ٦/ ٧٠، وفيض القدير: ٥/ ٥٢٣.
(٢) كالإمام مالك، وأحمد، وأكثر أصحابهما، وغالب أصحاب الشافعي، ورجح المذهب الثاني أعني ما ذهب إليه أبو حنيفة ابن سريج، والقفال الشاشي، والآمدي من الشافعية، وبعض المالكية، وأبو الحسن التميمي من الحنابلة. راجع: المعتمد: ١/ ١٦٠، والعمدة: ٢/ ٤٥٣ - ٤٥٥، والبرهان: ١/ ٤٥٥، والتبصرة: ص/٢١٨، والمستصفى: ٢/ ١٩٢، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢١٤، ٢٢٤، والمسودة: ص / ٣٦٠، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٢٧٠، وشرح العضد: ٢/ ١٧٥، والمحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٥٣، والآيات البينات: ٢/ ٣٣ - ٣٦، وتيسير التحرير: ١/ ١٠٠، وفواتح الرحموت: ١/ ٤١٤، وإرشاد الفحول: ص/ ١٨٠.
(٣) هو معمر بن المثنى التيمي البصري اللغوي، النحوي العلامة، كان من أجمع الناس للعلم، وأعلمهم بأيام العرب، وأخبارها، وأكثر الناس رواية لذلك، وله مؤلفات منها: مجاز القرآن، وغريب القرآن، وغريب الحديث، ونقائض جرير والفرزدق، وتوفي سنة (٢٠٩ هـ) وقيل: غير ذلك. راجع: طبقات النحويين للزبيدي: ص/ ١٧٥، وإنباه الرواة: ٣/ ٢٧٦، وتهذيب الأسماء واللغات: ٢/ ٢٦٠، ومعجم الأدباء: ١٩/ ١٥٤، وطبقات المفسرين للداوي: ٢/ ٣٢٦.
[ ١ / ٤٥١ ]
سمع قوله -ﷺ-: "ليّ الواجِد يحلّ عقوبته، وعِرْضه" (١) قال: هذا يدل على لَيِّ غير الواجد لا يحل عقوبته وعرضه (٢).
وقيل في قوله -ﷺ-: "لأن يمتلئ بطن الرجل قيحًا خير من أن يمتلئ شعرًا" (٣) المراد به هجاء رسول الله -ﷺ-، فقالوا: لو كان كذلك لم يكن للامتلاء فائدة إذ ذاك قليله وكثيره سواء، فجعل الامتلاء كالشعر الكثير، وفَرَّق بينه وبين القليل، وذلك صريح في المطلوب.
وذكر الآمدي: أن القائل أبو عبيد بدون التاء (٤)، وهو قاسم بن سلام الكوفي (٥)، ويمكن التوفيق: بأن يكون كل منهما
_________________
(١) آخر الورقة (٢٨ / ب من أ).
(٢) راجع: البرهان له: ١/ ٤٥٥.
(٣) الحديث رواه البخاري، ومسلم، وأحمد، ولفظ الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما نحن نسير مع رسول الله -ﷺ- بالعرج إذ عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله -ﷺ-: "خذوا الشيطان، أو أمسكوا الشيطان، لأن يمتلئ جوف رجل قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا". راجع: صحيح البخاري: ٨/ ٤٥، وصحيح مسلم: ٧/ ٥٠، ومسند أحمد: ٣/ ٨، ٤١.
(٤) راجع: غريب الحديث لأبي عبيد: ٢/ ١٧٤ - ١٧٥، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢١٤.
(٥) هو القاسم بن سلام البغدادي الإمام البارع في اللغة، والنحو، والتفسير، والقراءات، والحديث، والفقه، أشهر مؤلفاته: الأموال، وغريب القرآن، وغريب الحديث، ومعاني القرآن، وأدب القاضي، وتوفي سنة (٢٢٤ هـ) وقيل: غير ذلك. راجع: وفيات الأعيان: ٣/ ٢٢٥، ومعجم الأدباء: ١٦/ ٢٥٤، وإنباه الرواة: ٣/ ١٢، وتهذيب الأسماء واللغات: ٢/ ٤١١، وطبقات السبكي: ٢/ ١٥٣، وطبقات المفسرين: ٢/ ٣٢، والمنهج الأحمد: ١/ ٨٠، وبغية الوعاة: ٢/ ٢٥٣.
[ ١ / ٤٥٢ ]
قائلًا (١)؛ لأنهما إمامان في اللغة، والشافعي في اللغة لا يبارى لو لم يفهمه لغة لم يقل به.
واعترض لمخالفة الأخفش (٢)، ومنع ذلك؛ لأنه لم يثبت عنه، ولو سلم من نقلنا عنه أقعد في اللغة من الأخفش، ولو سلم فالمذكورون أوقر وأكثر، ولو سلم فالإثبات مقدم.
ولنا -عقلًا-: أن لو لم يفد لم يكن لذكره فائدة إذ غير ما ادعيناه منتف اتفاقًا، وكلام البلغاء مصون عن مثله، فضلًا عن كلام سيد الأنبياء.
قيل -عليه-: أثبتم التخصيص بالفائدة، ومثله لا يثبت إلا بالنقل.
قلنا: لم نثبته بالفائدة، بل القاعدة الكلية المنقولة عنهم: أنه إذا ظن فائدة في الكلام وغيرها يكون معدومًا تكون تلك مرادة ظاهرًا، فيندرج المتنازع فيه في تلك القاعدة.
_________________
(١) قد ذكر الأشموني بأن معمرًا، وتلميذه الذي هو القاسم بن سلام قائلان بذلك معًا. راجع: مع الهوامع: ص/٧٧.
(٢) هو سعيد بن مسعدة المجاشعي النحوي، أبو الحسن الأخفش الأوسط أخذ النحو عن سيبويه، وصحب الخليل، وكان معلمًا لولد الكسائي، وقد سمي بالأخفش أحد عشر نحويًا ذكرهم السيوطي في المزهر، ثم قال: "حيث أطلق في كتب النحو الأخفش، فهو الأوسط". له مؤلفات منها: المقاييس في النحو، وتفسير معاني القرآن، والاشتقاق، وتوفي سنة (٢١٠ هـ) وقيل: غير ذلك. راجع: طبقات النحويين للزبيدي: ص / ٧٢، ومعجم الأدباء: ١١/ ٢٢٤، وفيات الأعيان: ٢/ ١٢٢، وإنباه الرواة: ٢/ ٣٦، وطبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٨٥، والمزهر للسيوطي: ٢/ ٤٠٥، ٤٥٣، ٤٥٦، وبغية الوعاة: ١/ ٥٩٠، وشذرات الذهب: ٢/ ٣٦.
[ ١ / ٤٥٣ ]
قيل: لا نسلم عدم فائدة سواها، بل توكيد المذكور لئلا يتوهم تخصيص، لو قال: في الغنم زكاة، إذ يحتمل أن يكون المراد المعلوفة.
قلنا: هذا فرع عموم اللفظ، وهو ممنوع، ولو سلم العموم -في بعض الصور- كان خارجًا عن محل النزاع.
قيل: لم لا يجوز أن تكون الفائدة ثواب المجتهد بإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق قياسًا؟
قلنا: قد شرطنا عدم الرجحان والمساواة، وألا يكون مفهوم موافقة، هذا تحقيق المقام على ما ينبغي.
ولنرجع إلى شرح كلام المصنف، فنقول: إنما ذكر ثلاثة أمثلة لمكان فائدة؛ لأن الأول عنده نص في المقصود، وهو أن المنفي عنه الحكم -وهو وجوب الزكاة- إنما هي المعلوفة من الغنم، وأما لفظ السائمة مجردًا عن الموصوف هل هو من قبيل المتنازع فيه، أم لا؟ نقل فيه قولين (١).
_________________
(١) فقيل: ليس من الصفة: لاختلال الكلام بلونه كاللقب ورجحه المصنف، وقيل: هو منها لدلالته على السوم الزائد على الذات بخلاف اللقب، فيفيد نفى الزكاة عن المعلوفة مطلقًا، كما يفيد إثباتها في السائمة مطلقًا، وهذا محكي عن جمهور الشافعية، وغيرهم واختاره الشارح هنا، والأشموني، أما الزركشي والمحلي فلم يرجحا واحدًا منهما غير أن الزركشي ذكر أن من قال: إنه من الصفة لا ينبغي أن يفهم منه تساويهما، بل الصفة المقيدة بذكر موصوفها أقوى في الدلالة من الصفة المطلقة لأن القيد كالنص. راجع: المحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٥٠، وتشنيف المسامع: ق (٢٥/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ ٧٥، والآيات البينات: ٢/ ٢٧.
[ ١ / ٤٥٤ ]
وزعم: أن الظاهر عدمه، وليس بظاهر، بل مردود قطعًا؛ لأن تعريف الوصف صادق عليه.
غايته: أن الموصوف فيه مقدر، وذِكْر الموصوف وتقديره لا دخل له فيما نحن بصدده.
ألا ترى: أنهم متفقون على أن قيد الإيمان -في قولنا-: المؤمن غر كريم يخرج الكافر، مع أن وزانه وزان السائمة بلا ريب (١).
ثم قال: "وهل المنفي غير سائمتها، أو غير مطلق السوائم قولان". وأشار بهذا إلى الخلاف في المثالين الأولين (٢)؛ لأن المثال الثالث -عند من يقول: باعتبار الوصف فيه- المنفي غير مطلق السوائم لعموم المقدر.
_________________
(١) رد العلامة العبادي اعتراض الشارح على المصنف: بأن الوصف لفظ مقيد لآخر، ولفظ السائمة في المثال غير مقيد لآخر -لفظًا-، ولأنه إذا فقد الموصوف صار الوصف مما يختل الكلام بدونه كاللقب، فيكون ذكره لتصحيح الكلام لا لنفي الحكم عما عدا المذكور: لأنه إنما يحمل على ذلك إذا لم يظهر لذكره فائدة أخرى كتصحيح الكلام كما هو هنا. قلت: العبادي تابع المصنف في اختياره، والشارح جنح إلى رأي الجمهور والذي يظهر لي -والله أعلم- أن ما قاله الإمام الزركشى فيما سبق من أن بينهما تفاوتًا، فعند ذكر الموصوف يكون أقوى منه عند تقديره هو الأظهر، والأوضح. راجع: الآيات البينات: ٢/ ٢٧، وتشنيف المسامع: ق (٢٥ / ب).
(٢) زيادة بيان، وتوضيح لذكر المثالين، فقولهم: في الغنم السائمة زكاة، المقيد هنا هو الغنم، ويفهم منه عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة التي لولا القيد بالسوم لشملها لفظ الغنم، فهذا من باب مفهوم الصفة. =
[ ١ / ٤٥٥ ]
والحق -في المثالين الأولين-: هو نفى الزكاة عن معلوفة الغنم، ومنهم من نظر إلى مطلق السوم، وألغى ذكر الغنم، وجعل حكم السوم عامًّا في الإبل والبقر، وليس بشيء (١) إذ لا دليل شرعًا ولا عقلًا على ذلك؛ لأن مدار ثبوت مفهوم المخالفة على الفهم -لغة- كما تقرر في صدر البحث، وإذا قيل: في سائمة الغنم زكاة، ربما لا تخطر سائمة غير الغنم بالخاطر، ولو خطر لا يحكم العقل بالاستواء، ولا يفهم أن سائمة غير الغنم كالغنم.
وعبارة المصنف -في قوله: "غير مطلق السوائم"- فاسدة؛ إذ مراده نفي المعلوفة مطلقًا لا معلوفة مقيدة، ويلزم من كلامه أن السوائم المقيدة تكون منفية يظهر ذلك فيما إذا قلت: تصدق هذه الدراهم على غير المبتدعين مطلقًا، أي ما سوى المبتدع كائنًا من كان، بخلاف ما إذا قلت: غير مطلق المبتدعين إذ لا صحة له؛ لأن كل واحد من المبتدعين
_________________
(١) = وقولهم: في سائمة الغنم زكاة، المقيد هو السائمة، ويفهم منه عدم وجوب الزكاة في سائمة غير الغنم كالبقر، والإبل إلى لولا تقييد السائمة بإضافتها إلى الغنم لشملها لفظ السائمة، وهذا من باب مفهوم اللقب. راجع: المحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٥١، والآيات البينات: ٢/ ٢٧، وهمع الهوامع: ص / ٧٦، وتشنيف المسامع: ق (٢٦ / أ).
(٢) آخر الورقة (٢٩ / ب من ب) وجاء في هامشها: "تم مقابلة على أصل مؤلفه أمتع الله بوجوده" وجاء في هامش: (٣٠ / أ) منها: "الرابع" يعني بداية الجزء الرابع بتجزئة الناسخ.
[ ١ / ٤٥٦ ]
يصدق عليه أنه غير مطلق المبتدعين، وكذلك السوائم المقيدة، أي كل واحدة يصدق عليها أنها غير مطلق السوائم.
والصواب أن يقول: غير السوائم مطلقًا، فيتناول كل معلوفة من كل جنس، ولم ينتبه أحد من شراح كلامه لما ذكرناه، والله الموفق (١).
قوله: "ومنها العلة".
أقول: من مفهوم الصفة العلة، والفرق بين العلة والصفة: أن معنى العلية في الوصف التزامي، وفي صريح العلة مطابقي، ولقرب المعنيين أدرج المصنف العلة تحت الصفة (٢)، والإمام الغزالي -كما أنكر مفهوم الصفة- أنكر مفهوم العلة الصريحة، قال في "المستصفى": "المسلك الثامن قولهم: إن التعليق بالصفة كالتعليق بالعلة -وساق كلامه إلى أن قال-: فائدة
_________________
(١) رد العبادي على الشارح اعتراضه على المصنف: بأن مطلق الماهية لها معنيان: الأول: الماهية بلا اعتبار قيد معها، وهو بهذا الاطلاق يتناول الماهية المقيدة، والمراد هنا في كلام المصنف هو هذا، وبالتالي لا يرد الاعتراض على هذا المعنى. الثاني: الماهية باعتبار انتفاء القيد عنها، وهي بهذا الاطلاق لا تتناول الماهية المقيدة من حيث إنها مقيدة، وهذا غير مراد عند المصنف، وهو الذي يرد عليه اعتراض الشارح المذكور. راجع: الآيات البينات: ٢/ ٢٨، وتشنيف المسامع: ق (٢٦ / أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٥٠ - ٢٥١، وهمع الهوامع: ص / ٧٥.
(٢) راجع: المحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٥١، والآيات البينات: ٢/ ٢٩، وهمع الهوامع: ص/٧٦، ونشر البنود: ١/ ١٠٠، وإرشاد الفحول: ص/ ١٨١.
[ ١ / ٤٥٧ ]
ذكر العلة معرفة العلة فقط، وليس من فائدته تعدية العلة من محلها، فإن ذلك عُرِف بورود القياس، ولولاه لكان قوله: حرمت الخمر لشدتها، لا يوجب تحريم النبيذ المشتدّ" (١).
وأجاب عن الاعتراض: بأن الشافعي إمام في اللغة، وقد قال بعلية الوصف: بأن الإمام إنما قاله اجتهادًا لا إخبارًا عن أهل اللغة (٢).
وقد عرفت الجواب عن هذا بأنه إنما علم باندراجه تحت القاعدة لا استدلالًا، وتلك القاعدة ثبتت عن الرواة الثقاة الذين هم أئمة اللغة، فلا يكون اجتهادًا.
ومما ألحق بالوصف ظرف الزمان نحو: سافر يوم الجمعة، أي: لا في غيره، واجلس أمام زيد، أي: لا وراءه.
والدليل على استفادة هذا المعنى من الظرف: أنه لو خالف المأمور استحق اللوم عرفًا على مخالفته، وذلك صريح في أن الحكم المخالف للمنطوق مفهوم منه، وإلا لما ترتب اللوم عليه جزمًا.
ومن الملحق بالوصف الحال نحو: لا تصحب زيدًا وهو عاص، وهذا لم يحتج إلى ذكره لدخوله تحت الصفة بالمعنى الذي قدمنا، إذ لا فرق في فهم الحكم المخالف بين قولنا: لا تخاطب الأمير وهو غضبان، وبين قولنا: لا تجالس الأشرار.
_________________
(١) راجع المستصفى: ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٢) نفس المرجع ٢/ ١٩٥.
[ ١ / ٤٥٨ ]
ومن الملحق بالصفة العدد: لأن العدد مميز للمعدود، فهو وصف له قائم به، فيدل على نفي الحكم عن غير ذلك الموصوف نحو: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فلم تجز الزيادة على الثمانين، يفهم ذلك من تعريف اللغة.
قوله: "وشرط"، عطف على قوله: "صفة" لا على ما ذكر بعد قوله: "منها" لعدم دخول الشرط في الوصف، هذا ما عليه شارحو كلامه (١).
ولك أن تقول: قد تقرر في علم البلاغة: أن الشرط ظرف للجزاء، والظرف إما زمان، أو مكان، وقد ذكر المصنف: أن الظرف مطلقًا ملحق بالوصف، فلا مانع لإلحاق الشرط على هذا التأويل.
وكذلك نقول في الغاية هي معنى (٢) قائم بذي الغاية، فتدخل في الوصف المذكور، فيكون أقرب إلى الضبط، وأقل أقسامًا (٣).
_________________
(١) راجع: تشنيف المسامع: ق (٢٦ / أ)، والمحلى على جمع الجوامع: ١/ ٢٥١، وهمع الهوامع: ص / ٧٦، والدرر اللوامع للكمال: ق (٨٢ / أ)، والآيات البينات: ٢/ ٣٠.
(٢) آخر الورقة (٢٩ / ب من أ).
(٣) قلت: المراد بالشرط هنا: ما علق من الحكم على شيء بأداة الشرط مثل: إن، وإذا، ونحوهما، وهو المسمى بالشرط اللغوي لا الشرط الذي هو قسيم السبب، والمانع، وقد تقدم. وأما ما اعترض به الشارح على المصنف ففيه نظر: لأن المصنف مراده بالصفة كما صرح بها بقوله: "فأقول: المراد بالصفة عند الأصوليين -تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر مختص ليس بشرط، ولا استثناء، ولا غاية" منع الموانع: ق (٨١ / أ). =
[ ١ / ٤٥٩ ]
مثال الشرط قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فخرجت غير ذات الحمل.
والغاية نحو قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] جعل غاية الحرمة الحاصلة بالطلاق نكاح الزوج الثاني، فعلم الحل بعده (١).
فإن قلت: على ما ذكرت من أن الغاية معنى قائم بذي الغاية، يلزم قيام العَرَض بالعرض، ويجتمع الضدان في المثال المذكور إذ نكاح الزوج الثاني بمعنى الوطء ضد الحرمة، وقد قلت: إنه قائم به.
قلت: لا شك أن ما يصدق عليه الغاية خارج عن ذي الغاية ليس قائمًا به، وإنما القائم به هو اتصافه بمفهوم الغاية بمعنى أنه ذو الغاية،
_________________
(١) = وراجع: المستصفى: ٢/ ٢٠٥، والمعتمد: ١/ ١٥٠، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٢٦، وشرح تنقيح الفصول: ص / ٢٧٠، والمسودة: ص / ٣٥٧، وشرح العضد: ٢/ ١٨٠، ومختصر الطوفي: ص / ١٢٧، وفواتح الرحموت: ١/ ٤٢١، ونشر البنود: ١/ ١٠١، وإرشاد الفحول: ص ١٨١، والآيات البينات: ٢/ ٣٠.
(٢) الغاية: نهاية الشئ، وآخره، وهي مد الحكم بأداتها، وهي: إلى، وحتى، واللام، وهو أقوى من الشرط من جهة الدلالة: لأنهم أجمعوا على تسميتها حروف الغاية، فلو ثبت الحكم بعدها لم يفد تسميتها غاية، وهو حجة عند الجمهور، وقال به معظم نفاة المفهوم. وذهب أكثر الحنفية، وجماعة من الفقهاء، والمتكلمين إلى المنع. راجع: اللمع: ص / ٢٦، والمعتمد: ١/ ١٥٠، والمستصفى: ٢/ ٢٠٨، المسودة: ص / ٣٥٨، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٢٩، وشرح العضد: ٢/ ١٨١، ومختصر الطوفي: ص / ١٢٦، وفواتح الرحموت: ١/ ٤٣٢، وتيسير التحرير: ١/ ١٠٠.
[ ١ / ٤٦٠ ]
ومتصف بها، وهذا أمر اعتباري ليس موجودًا في الخارج، والعرض من أقسام الموجود، فلا محذور.
قوله: "وإنما" إلى قوله: "مسألة".
أقول: مما يدل على مفهوم المخالفة كلمة: "إنما"، مثل قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] (١)، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢]، وسيأتي تحقيق كيفية إفادته. ومن الأمور الدالة على مفهوم المخالفة: ما، وإلا، وكذلك لا النافية للجنس، أو بمعنى ليس نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، ولا عالم إلا زيد، ولا قائم إلا بكر، فيعني أن محمدًا منحصر شأنه في الرسالة لا يتجاوزها إلى النجاة من الموت، فإن الصحابة لما كانوا يتعاظمون موته كأنهم معتقدون جمعه بين الصفتين، فأثبت له الرسالة، ونفى عنه التبرء من الموت.
وكذلك لا عالم إلا زيد معناه: حصر [مفهوم] (٢) العالم في زيد، وإذا انحصر في زيد لزم منه الانتفاء عمّا عدا زيد، فالمنطوق هو الإثبات للمذكور، والمفهوم هو الانتفاء عن غير المذكور.
_________________
(١) سورة الكهف آية (١١٠)، والأنبياء آية (١٠٨)، وفصلت آية (٦) بالنسبة لأنما المفتوحة أما المكسورة فكقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨].
(٢) في ب: "فهم".
[ ١ / ٤٦١ ]
هذا هو المفهوم من التركيب والمأخوذ من كلام أهل العربية إذ قالوا: إنك إذا قلت: لا عالم إلا زيد، فهو كلام مع من أخطأ في الحكم بأن اعتقد أن العالم عمرو لا زيد، أو اعتقد أن العالم زيد وعمرو كلاهما.
فإذا قلت: لا عالم إلا زيد لزم من إثباتك العلم على وجه الحصر انتفاؤه عن الغير، وخطأ ذلك الاعتقاد. وفي بعض كتب الأصول أن النفي هو المنطوق (١) وكأنه نظر إلى [تسلط النفي] (٢) على صدر الكلام.
فإن قلت: قد اتفقوا على أن معنى الاستثناء هو الإخراج، فيكون منطوقه هو المخرج المنفي.
قلت: التحقيق أن الإخراج مجاز عن عدم الدخول؛ لأن الإخراج إما عن الحكم، فلم يكن المستثى داخلًا في الحكم حتى يخرج؛ إذ لم يقل أحد: إن زيدًا -في جاءني القوم إلا زيدًا- كان داخلًا في الحكم، ثم أخرج.
وإن أريد إخراجه من اللفظ العام، أي: مما تناوله، فذلك باطل؛ إذ بالاستثناء لم يخرج زيد عن القوم مثلًا.
ومن الألفاظ الدالة على مفهوم المخالفة ضمير الفصل بين المحكوم عليه والمحكوم به، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وقوله: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، وهذا إنما يتم لو استفيد
_________________
(١) راجع: الإحكام للآمدي: ٢/ ٢٣٤.
(٢) في (أ): "سلطة النفي" وكلاهما صحيح.
[ ١ / ٤٦٢ ]
الحصر من مثل قولنا: زيد هو أفضل من عمرو، وإلا ففى الأمثلة المذكورة الحصر مستفاد من تعريف الخبر؛ لأن تعريف الخبر بلام الجنس يفيد حصره في المبتدأ، كما تقرر في موضعه (١).
ومن الدوال على مفهوم المخالفة تقديم المعمول (٢) نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وبزيد مررت (٣).
قوله: "وأعلاه"، أي أعلى ما ذكر طريقة النفي والاستثناء حتى ذهب بعضهم إلى أنه من قبيل المنطوق صريحًا لسرعة الفهم منه، ويلى
_________________
(١) راجع: الإيضاح في علوم البلاغة: ١/ ٢٢٢، وجواهر البلاغة: ص / ١٨٦.
(٢) تقديم المعمول سواء كان في المفعول، أو المجرور كما مثل الشارح، وقد يكون بتقدم الخبر على المبتدأ كالحديث الذي احتج به الفقهاء -عدا الأحناف- على تعيين لفظى التكبير، والتسليم في قوله -ﷺ-: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". راجع: مسند أحمد: ١/ ١٢٣، ١٢٩، وسنن الترمذي: ٢/ ٣، وسنن ابن ماجه: ١/ ١٠١، والمستدرك: ١/ ١٣٢، وشرح السنة: ٣/ ١٧، ونصب الراية: ١/ ٢٣٥، والمهذب: ١/ ٧٠، والمجموع: ٣/ ٢٨٩، والمغني: ١/ ٥٥١، وكشاف القناع: ١/ ٤٢٢، والشرح الكبير: ١/ ٥٩٢.
(٣) آخر الورقة (٣٠ / ب من ب)، ومذهب الجمهور أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص والحصر. وقال أبو حيان، وابن الحاجب يفيد الاهتمام والعناية فقط. وأنكر عبد الحميد ابن هبة الله الشيعي مفهوم تقديم المعمول، وذكر في كتابه الفلك الدائر أنه لم يقل به أحد. وقد رُد عليه بإجماع البيانيين، وغيرهم على الاحتجاج به. راجع: الفلك الدائر على المثل السائر: ص / ٢٥٠، والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر: ٢/ ٣٨، والبحر المحيط لأبي حيان: ١/ ١٦، وشرح الكوكب المنير: ٣/ ٥٢١.
[ ١ / ٤٦٣ ]
الاستثناء إنما لتبادر المعنى إلى الأذهان مثل: الاستثناء إلا أنه أحط رتبة لكون النفي والاستثناء فيه غير صريحين، وإليه أشار بقوله: "منطوق" أي بالإشارة، وسيذكر المصنف المفاهيم كلها على الترتيب.
قوله: "مسألة المفاهيم إلا اللقب حجة لغة".
أقول: المفاهيم المذكورة كلها حجة سوى مفهوم اللقب، وهو عبارة: عما يفهم من تعليق الحكم بالاسم الخالي عن معنى الوصفية، عَلَمًا كان أو غيره، ولم يخالف في عدم اعتباره سوى شرذمة، كما أشار إليه المصنف (١).
_________________
(١) احتج بمفهوم اللقب مالك، وأحمد، وداود، والصيرفي، والدقاق، وابن فورك، وابن خويز منداد، وابن القصار، وهم أئمة يقتدى بهم، وليس شرذمة كما قال الشارح ﵏ جميعًا. ونفاه جمهور الشافعية، والقاضي أبو يعلى، وابن عقيل، والموفق من الحنابلة، وغيرهم أما الأحناف: فهم لا يقولون بالمفهوم المخالف مطلقًا في كلام الشارع كما سيأتي. وذهب المجد بن تيمية، ومن وافقه إلى أنه حجة بعد سابقة ما يعمه كقول النبي -ﷺ-: "وترابها طهور"، بعد قوله: "جعلت لي الأرض مسجدًا" رواه مسلم في صحيحه: ٢/ ٦٣، وأحمد في مسنده: ٥/ ٣٨٣. وراجع: المعتمد: ١/ ١٤٨، واللمع: ص/ ٢٦، والبرهان: ١/ ٤٥٣، والمستصفى: ٤/ ٢٠٢، والروضة: ص/ ١٣٦، والإحكام للآمدى: ٢/ ٢٣١، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٢٧١، والمسودة: ص/ ٣٥٢، وشرح العضد: ٢/ ١٨٢، ومختصر الطوفي: ص / ١٢٧، وتيسير التحرير: ١/ ١٠١، والمحلى على جمع الجوامع: ١/ ٢٥٢، والآيات البينات: ٢/ ٣٢، وهمع الهوامع: ص ٧٨١، والدرر اللوامع للكمال: ق (٨٠/ أ)، ونشر البنود: ١/ ١٠٣، وإرشاد الفحول: ص / ١٨٢.
[ ١ / ٤٦٤ ]
لنا على عدم جوازه: لزوم المحذور في قولنا: زيد موجود، ومحمد رسول الله؛ إذ يلزم منه انتفاء الوجود عن غير زيد، والرسالة عن غير محمد -ﷺ-.
قالوا: لو قال -لدى الخصام-: أمي ليست بزانية يفهم منه نسبة أم الخصم إلى الزنى، حتى قال مالك (١)، وأحمد: بلزوم الحد (٢).
قلنا: ذلك انفهم من القرائن لا من اللفظ، والحق: أن بطلان هذا غنى عن الدليل.
ثم قوله "لغة": يريد أنه حجة شرعية فهمت من مجرد اللغة لا بالقياس كما تقدم تحقيقه (٣).
وقوله: "وقيل: شرعًا"، يريد أنه فهم من عبارة الشارع إذ ثبت أنه قال -ﷺ- حين نُهى عن الاستغفار للمشركين بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ
_________________
(١) هو إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي أحد الأئمة الأربعة جمع بين الفقه، والحديث، والرأى، كان يعظم حديث رسول الله -ﷺ-، ولم يركب دابة في المدينة، ومناقبه كثيرة، وجمع الحديث في الموطأ، وروى له أصحاب الكمب الستة، وتوفي سنة (١٧٨ هـ). راجع: طبقات الفقهاء للشيرازي: ص / ٦٧، صفة الصفوة: ٢/ ١٧٧، وفيات الأعيان: ٣/ ٢٨٤، وتهذيب الأسماء واللغات: ٢/ ٧٥، وطبقات القراء: ٢/ ٣٥، وطبقات المفسرين للداودي: ٢/ ٢٩٣، وتذكرة الحفاظ: ١/ ٢٠٧، وطبقات الحفاظ: ص / ٨٩، والديباج المذهب: ١/ ٦٢.
(٢) راجع: المدونة: ٦/ ٢٢٤ - ٢٢٥، وبداية المجتهد: ٢/ ٤٤، والمغني للموفق: ٨/ ٢٢.
(٣) تقدم ص / ٤٤١.
[ ١ / ٤٦٥ ]
لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]: "سأزيد على السبعين" (١)، حيث اعتبر مفهوم العدد.
والصحيح: هو الأول إذ لا يشك أحد أن فهمه ﵇ ذلك منه إنما كان لغة لا توقيفًا من الله.
قوله: "وقيل معنى"، نقل عن المصنف: أن المراد هو العرف العام؛ لأنه معقول لأهله، وذلك مثل ما يقولون: لولا انتفاء الحكم عن المسكوت عنه لم يكن لذكر القيد فائدة (٢)، وقد قدمنا أن هذا دليل من يدعى أنه فهم لغة (٣).
قال المولى المحقق عضد الملة والدين قدس روحه، مستدلًا على أنه فهم لغة: "لو لم يدل التخصيص على أن المراد مخالفة المسكوت عنه للمذكور في الحكم لما كان للتخصيص فائدة للاتفاق على عدم فائدة سواه، واعترض: بأنه إثبات للوضع بالفائدة، والوضع إنما يثبت نقلًا لا غير".
والجواب: لا نسلم أنه إثبات للوضع بالفائدة، بل ثبت بالاستقراء عنهم أن كل ما ظُن أنه لا فائدة للفظ سواه تعين أن يكون فائدة اللفظ، والمراد منه والمتنازع فيه مندرج تحت تلك القاعدة (٤).
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه: ٦/ ٨٦.
(٢) الناقل هو جلال الدين المحلي في شرحه على جمع الجوامع: ١/ ٢٥٤.
(٣) تقدم ص ٤٤١١.
(٤) نقله بتصرف راجع: شرح العضد على المختصر: ٢/ ١٧٥.
[ ١ / ٤٦٦ ]
هذا كلامه، وهو صريح في أن هذا القسم راجع إلى اللغة، ولأن مفهوم المخالفة دليل شرعي عند القائل به، فاعتباره، واستفادته من اللفظ لا بد وأن يستند إلى أئمة اللغة، أو يعلم من الشارع، فلا معنى للعرف على ما نقل عن المصنف.
والصواب: إسقاط هذا المذهب عن الاعتبار (١)، والله أعلم.
قوله: "وأنكر أبو حنيفة الكل".
أقول: لم يقل أبو حنيفة -﵀- بشئ من المفاهيم، ووافقه الغزالي منّا، وقد تقدم تحقيق المسألة دليلًا، وجوابًا، فلا حاجة إلى إعادته (٢).
_________________
(١) قلت: في كلام الشارح -﵀- نظر: لأن المحلي لم يرجحه حتى يرد عليه، وإنما حكاه كمذهب ثالث عن المصنف، والحكاية لا يعترض عليها كما أنه قد سبق إلى ذلك الإمام الرازي، والمصنف عبر عنه في مبحث العام -كما سيأتي-: بالعقل، وعبر عنه -في شرح المختصر- بالعرف العام، وقد ذكر العلامة العبادي- في رده على اعتراض الشارح- بأن المفهوم ثبت لغة، ومستنده أئمة اللغة، وكذلك يثبت عرفًا، ومستنده في ذلك نظر العقل، وكون المصنف خالف عضد الملة في هذا، فلا يقدخ ذلك في نقله إذ ثبت عند المصنف ما لم يثبت عند غيره. أو أنه لا منافاة بين ما ذكره المصنف، وما ذكره المولى العضد، لأنه تعرض لنفس الاثبات بهذا الطريق، والمصنف تعرض لبيان كرن الطريق المثبت معنويًا. راجع: معالم أصول الدين: ص / ١٤٥، ورفع الحاجب: (٢ / ق / ٦٨ / أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٥٤، وهمع الهوامع: ص / ٧٧/ ٧٨، والآيات البينات: ٢/ ٣٤ - ٣٥.
(٢) تقدم ص / ٤٥١ وما بعدها.
[ ١ / ٤٦٧ ]
فإن قلت: إذا قال الشارع: "في سائمة الغنم الزكاة"، فالذي لم يقل بالمفهوم يجب عليه القول بوجوب الزكاة في المعلوفة، وإلا فما وجه المنع (١)؟
قلت: نقول: قبل خطاب الشارع لم يكن الحكم -وهو وجوب الزكاة- متعلقًا بالغنم مطلقًا، فلما أوجب في السائمة بقى أمر المعلوفة على العدم الأصلى، والعدم الأصلى ليس حكمًا شرعيًا.
قوله: "وقوم في الخبر"، أي: في الخبر الخالي عن الإلزام كقولك: في سائمة الغنم نتاج، لا مفهوم إذ نعلم قطعًا أنه لايدل الخبر المذكور على عدم النتاج في المعلوفة.
وقد ذكروا -في الفرق- أن الخبر له خارج يطابقه، أو لا يطابقه، فالخبر يشعر بوقوعه، ولا يلزم من انتفاء القول بالمفهوم في الخبر انتفاؤه في الإنشاء: لأن الإنشاء إذا لم يكن له خارج، ولم يحصل الحكم من مفهوم القيد، لم يكن هناك فائدة قط، هذا كلام الشروح (٢)، وهو ضعيف جدًّا: لأن إشعار الخبر بوقوع ذلك الخارج لا دخل له في دلالة المفهوم لا معنى، ولا لزومًا.
والمولى المحقق عضد الملة والدين، أشار إلى ضعفه أيضًا، ولم يتعرض للجواب عن هذا المذهب (٣).
_________________
(١) آخر الورقة (٣٠ / ب من أ).
(٢) راجع: تشنيف المسامع: ق (٢٧ / أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٥٥، وهمع الهوامع: ص ٧٨١، والدرر اللوامع للكمال: ق (١٨٠ ب- ٨١ / أ).
(٣) راجع: شرح العضد على المختصر: ٢/ ١٧٩.
[ ١ / ٤٦٨ ]
ونحن نقول: القائلون بمفهوم المخالفة متفقون على أنه دليل ظاهر، إنما يعمل به إذا لم يعارضه دليل أقوى من نص، أو إحماع، أو مخالفة دليل قطعي عقلى، أو بديهة.
ولا شك أنك إذا قلت: في الشام الغنم السائمة، لم يدل على أن لا سائمة في العراق، وإنما لم يدل: لأنه ظاهر عارضه قطعي، وهو الإجماع، والتواتر، وبديهة العقل على أن في غير الشام من البلاد سوائم.
ألا ترى أنهم تركوا المفهوم في قوله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، مع كونه إنشاء: لأن الإجماع عارضه.
وإذا علمت هذا علمت سقوط ما ذكره والد المصنف من إنكار المفاهيم في كلام غير الشارع، معللًا بأن الشارع منزه عن الذهول، والغفلة بخلاف غيره (١).
وإنما كان ساقطًا: لأن الكلام في دلالته لغة، وقد تحققتَ قبل هذا أن الدلالة التفات النفس من اللفظ إلى المعنى، ولا دخل لإرادة اللافظ فيها، ولا لشعوره، والتخلف في بعض الصور إنما هو بواسطة مانع، أي: معارض أقوى.
وظهر -لك أيضًا- الجواب عن قول إمام الحرمين: وهو أن الوصف إنما يعتبر حيث ناسب الحكم، فأما إذا لم يناسب، كما إذا قيل:
_________________
(١) قلت: مذهب والد المصنف عكس مذهب الأحناف، فإنهم ينكرون مفهوم المخالفة في كلام الشارع فقط، وأما في مصطلح الناس، وعرفهم، فهو حجة عندهم، راجع: تشنيف المسامع: ق (٢٧ / ب)، وهمع الهوامع: ص / ٧٨.
[ ١ / ٤٦٩ ]
في صغار الغنم زكاة لا يدل على الانتفاء في الكبار (١): لأنا قدمنا في صدر البحث أن المسكوت إذا كان أولى بالحكم، أو مساويًا، لا يكون مفهوم المخالفة مرادًا، بل يكون من قبيل مفهوم الموافقة (٢). ولو فرضنا أن الوصف لا يناسب لا المنطوق ولا المخالفة، يكون وصفًا ملغى لا اعتبار به، هكذا يجب أن يفهم المقام، والله أعلم.
قوله: "وأنكر قوم العدد"، مستدلًا بأنه لا يدل على الزائد، والناقص إلا بالقرينة (٣)، وقد عرفت الجواب -عنه- مما تقدم.
قوله: "مسألةُ الغايةِ: قيل: مظنون".
_________________
(١) راجع: البرهان له: ١/ ٤٦٦.
(٢) لم يسلم العلامة العبادي للشارح اعتراضه على والد المصنف، وإمام الحرمين حيث ضعَّف اعتراضه عليهما. راجع: الآيات البينات: ٢/ ٣٧ - ٣٨.
(٣) ذهب مالك، وأحمد، وداود، وبعض الشافعية، واعتمده ابن الرفعة إلى القول بمفهوم العدد، ونقله أبو حامد، وأبو المعالي، والماوردى عن نص الشافعي. ونفاه الحنفية، والمعتزلة، والأشعرية، واختاره الرازي، والآمدي، والأولى القول بحجيته لئلا يعرى التحديد به عن فائدة، علمًا بأن محل الخلاف في العدد الذي لم يقصد به التكثير، بل عدد مخصوص. راجع: البرهان: ١/ ٤٦٦، والمعتمد: ١/ ١٤٦، والعدة: ٢/ ٤٤٨، والمحصول: ١/ ق / ٢/ ٢١٦، والروضة: ص / ٢٤٥، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٣٠، ومختصر الطوفي: ص / ١٢٧، والمنخول: ص / ٢٠٩، والتمهيد: ص / ٢٥٢ - ٢٥٣، وفواتح الرحموت: ١/ ٤٣٢، وتيسير التحرير: ١/ ١٠٠، ونشر البنود: ١/ ١٠١، وتشنيف المسامع: ق (٢٦ / أ- ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٥١، وهمع الهوامع: ص ٧٩١.
[ ١ / ٤٧٠ ]
أقول: يريد الإشارة إلى مراتب المفاهيم المحتج بها:
فذكر أن الغاية أعلاها رتبة، أي: أعلى المذكورات بعدها:
لأنه قد تقدم أن أعلى الجميع النفي، والاستثناء لكونه منطوقًا صريحًا عند بعضهم. والغاية، ولفظ إنما، منطوق إشارة، ولم يذكر إنما، مع الغاية لكثرة مباحثه، فجعله مسألة مستقلة.
قال: والحق: أن الغاية مفهوم لا منطوق، وهو كذلك: لأنا إذا قلنا: لا تدخل المسجد حتى تتوضا، فالمُغَيّا هو عدم الدخول غير متوضئ قد انتهى بالتوضؤ، فيفهم منه رفع المنع من الدخول.
والذي ذهب إلى أنه (١) منطوق نظر إلى لفظ "حتى"، فإنه موضوع للانتهاء، وعلى هذا لا معنى لقولهم: إنه منطوق من قبيل الإشارة، فيما سبق.
ويتلو الشرط الغاية: فإنه لم يقل أحد بأنه منطوق، فكان أحط رتبة.
فالصفة المناسبة: إذ بعض من قال: بمفهوم الشرط لم يقل بمفهوم الصفة.
فمطلق الصفة: إذ إمام الحرمين أسقط غير المناسبة.
فالعدد بعد المذكورات: لأن من قال: بتلك المفاهيم خالف طائفة منهم في العدد.
_________________
(١) آخر الورقة (٣١/ ب من ب).
[ ١ / ٤٧١ ]
وآخر المفاهيم تقديم المعمول، وإنما كان آخر المفاهيم؛ لأن التقديم كثيرًا ما يكون للاهتمام أو التبرك أو الالتذاذ بذكر المقدم، ومنه نشأت شبهة الشيخ ابن الحاجب (١) ومن تبعه، ليس بشئ؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل: ٥١] صريح في ذلك.
وما نقل عن الشيخ ابن الحاجب أنه قال: ذكر سيبويه أن تقديم المعمول إنما يكون للاهتمام، فإنهم يقدمون ما هو أهم عندهم (٢)، وإذا كان كذلك، فالتخصيص وهم مردود بما ذكره الشيخ عبد القاهر (٣) من
_________________
(١) تقدم ذكر مذهبه في هذا، وشبهته التي قالها هي: "إن توهم الناس لذلك وهم، وتمسكهم بنحو: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦] ضعيف؛ لورود: ﴿فَاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٢]، فيلزم أن المؤخر يفيد عدم الحصر لكونه يقتضيه". ورد عليه بأنه لا يستلزم حصرًا، ولا عدمه، ولا يلزم من عدم إفادة الحصر إفادة نفيه، لا سيما وقد جاء في الآية: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ فذكر الاخلاص مغن عن إفادة الحصر. راجع: معترك الأقران: ١/ ١٩٠، وتشنيف المسامع: ق (٢٨ / أ)، وهمع الهوامع: ص / ٧٩، وشرح الكوكب المنير: ٣/ ٥٢٢.
(٢) راجع: المنتهى: ص / ١٥٣، والكتاب: ١/ ٥٥ فقد نص فيه على الاهتمام، والعناية في التقديم.
(٣) هو عبد القاهر بن عبد الرحمن أبو بكر الجرحاني النحوي الإمام المشهور كان من كبار أئمة العربية والبيان، أشهر مؤلفاته: إعجاز القرآن، والجمل، وأسرار البلاغة، والمقتصد في شرح الإيضاح، وغيرها وتوفي سنة (٤٧١ هـ أو ٤٧٤ هـ) على خلاف في ذلك. راجع: إنباه الرواة: ٢/ ١٨٨، وطبقات السبكى: ٥/ ١٤٩، والوافي بالوفيات: ١/ ٦١٢، وطبقات المفسرين للداودى: ١/ ٣٣٠، وبغية الوعاة: ٢/ ١٠٦، وشذرات الذهب: ٣/ ٣٤٠.
[ ١ / ٤٧٢ ]
أنه لا بد وأن تفسر تلك العناية من أين حصلت؟ وإذا فسرت تلك العناية، فتارة تكون للاختصاص، وتارة تكون للتبرك، وغر ذلك مما يلائم المقام، وناهيك بالشيخ عبد القاهر، وعلى ذلك أطبق المحققون بعده.
والتخصيص الذي قال به الجمهور، وأنكره الشيخ ابن الحاجب هو الحصر المصطلح عليه، وهو إئبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، خلافا لوالد المصنف حيث قال بالاختصاص ونفى عنه الحصر (١).
ونقل عنه أنه قال: الفضلاء لم يقولوا في تقديم المعمول بلفظ الحصر، بل إنما أتوا بلفظ الاختصاص (٢).
وحاصل ما قاله راجع إلى ما ذكره الشيخ ابن الحاجب من أن مجرد التقديم للاهتمام، ثم قال: والحصر كما في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] يفهم من القرائن لا من التقديم، غاية ما في ذلك: أن الشيخ ابن الحاجب لا يطلق الاختصاص على ما قدم، وهذا يطلقه.
واستدل على ما نقل عنه بعض الشارحين (٣): بأنه لو كان التقديم يفيد الحصر لأفاده في قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]،
_________________
(١) حُكي عنه أنه قاله في كتابه "الاقتناص في الفرق بين الحصر والاختصاص" وتبع المصنف والده في رفع الحاجب. راجع: رفع الحاجب: (٢ / ق / ٨٥ / ب)، وتشنيف المسامع: ق (٢٨ / ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٥٨، وهمع الهوامع: ص / ٨٠.
(٢) راجع: رفع الحاجب: ٢ / ق (٨٦ / ب- ٨٧ / أ) فقد نقل عنه ما ذكره الشارح.
(٣) هو الزركشي في تشنيف المسامع: ق (٢٨ / ب).
[ ١ / ٤٧٣ ]
ولا يجوز إرادة الحصر لفساد المعنى؛ لأنه قبل دخول الهمزة -على تقديم الحصر- يكون معناه: غير دين الله يبغون، وبعد دخول همزة الإنكار الذي هو معنى النفي يكون المنكر حصر الطلب في غير دين الله، ولا يلزم منه اشتراك الطلب لدين الله، ولغير دين الله.
ونحن نقول: قد ذكر الشيخ عبد القاهر، ونقل عنه المحققون أن النفي إذا دخل كلامًا فيه قيد، تارة يتوجه إلى القيد مع بقاء أصل الفعل كقولك -وقد ضربت عبدك-: ما ضربته عبثًا. وتارة يتوجه إلى المقيد، فيُنفَى مع قيده كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] إذ القتل منفي من أصله، والاعتماد في ذلك على القرائن.
فإذا تقرر هذا، فنقول: في قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] إنما توجه النفي المستفاد من الهمزة على أصل الفعل، وهو طلب غير دين الله مطلقًا، لا على اليد الذي هو معنى الحصر المستفاد من التقديم قبل دخول الهمزة كما ظهر لك في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ وهذا مما لا ريب فيه.
وأما قوله: "إن الفضلاء لم يذكروا إلا لفظ التخصيص"، مما لا ينبغى أن يصدر عن مثله؛ لأن الاعتبار بالمعنى لا باللفظ، وحيث أرادوا بالاختصاص معنى الحصر، فلا فرق بين التعبير عنه بلفظ الحصر أو الاختصاص.
[ ١ / ٤٧٤ ]
قال (١) الزمخشري (٢) في أول سورة التغابن: "قُدم الظرفان ليدل بتقديمهما على اختصاص الملك، والحمد بالله تعالى -ثم قال ما حاصله-: إن الحمد إذا اختص بالله ولم يتجاوزه، فكيف يحمد الإنسان على فعله الحسن؟
وأجاب: بأن ذلك الحمد مجاز" (٣)، مع أن الشيخ عبد القاهر الذي هو قدوتهم كلامه مشحون بلفظ الحصر.
وفي بعض الشروح (٤): أنه قد يحتج لتغايرهما بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، إذ لا يجوز أن يقال بحصر رحمته؛ لأنه لا يمكن حصرها، وقد التبس عليه معنى الحصر المراد هنا -وهو إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما عداه- بالحصر الذي هو الإحصاء والإحاطة (٥).
_________________
(١) آخر الورقة (٣١ / ب من أ).
(٢) هو محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي جار الله أبو القاسم الزمخشري المعتزلي علامة التفسير، والنحو، واللغة، والبيان، صاحب المصنفات في الفنون المختلفة، أشهر كتبه: الكشاف، في التفسير، والفائق في غريب الحديث، وأساس البلاغة، والمفصل في النحو، والمستقصى في الأمثال، والمنهاج في الأصول، ومعجم الحدود، وغيرهما وتوفي سنة (٥٣٨ هـ). راجع: معجم الأدباء: ١٩/ ١٢٦، ووفيات الأعيان: ٤/ ٢٥٤، والمنتظم: ١٠/ ١١٢، وإنباه الرواة: ٣/ ٢٦٥، وطبقات المفسرين للداودي: ٢/ ٣٤١، وبغية الوعاة: ٢/ ٢٧٩.
(٣) راجع: الكشاف: ٤/ ١١٢.
(٤) جاء في هامش (أ، ب): "الزركشي". راجع تشنيف المسامع: ق (٢٨ / ب).
(٥) رد العبادي على اعتراض الشارح بأن مراد الزركشي من كلامه الحصر المشهور الذي هو الإثبات والنفي، ثم وجه كلامه على ذلك، وليس مراده الحصر الذي هو الإحصاء والإحاطة كما فهمه الشارح هنا. راجع: الآيات البينات: ٤٣١٢.
[ ١ / ٤٧٥ ]
ولا يشك عاقل في صحة قولنا: رحمة الله منحصرة في المؤمنين، أي في الآخرة لا تتجاوزهم إلى الكفار، وإن كانت رحمته لا يحاط بها كمًّا، ولا كيفًا، وإنما نتعرض لهذه المباحث نصحًا للمستفيدين الطالبين للحق، وإلا فسقوطها في غاية الجلاء، والله الموفق.
قوله: "مسألة إنما".
أقول: قد سبق أن [من] (١) المفاهيم مفهوم إنما، ولما كان فيه أبحاث وتدقيق جعله مسألة مفردة.
واعلم أنهم قد اختلفوا في إفادة كلمة "إنما"، معنى الحصر، وهو إثبات الحكم المذكور، ونفيه عما عداه.
فقالت طائفة: لا تفيد؛ لأن "إن" لتاكيد مضمون الجملة، و"ما" الكافة لا نفي فيها فلا حصر (٢).
ثم القائلون: بأنها تفيد فرقتان: فرقة تقول بأنها تفيده نطقًا (٣)، والأخرى تفيده فهمًا (٤).
_________________
(١) سقط من (أ) وأثبت بالهامش.
(٢) وهذا مذهب أكثر الحنفية، واختاره الآمدي، وأبو حيان، والطوفي، وغيرهم، بل هي -عندهم- لتأكيد الإثبات فقط.
(٣) وبه قال بعض الحنفية، وبعض الشافعية كالإمام الغزالي، والقاضي، والرازي، والبيضاوي، وقد أشار المصنف في الإبهاج إلى تأييده، وصرح به في رفع الحاجب، وذكر أنه مذهب الجمهور، وأن شذوذًا من الناس قال: إنه من قبيل المفهوم.
(٤) واختاره بعض الشافعية، ونسب إلى أبي إسحاق الشيرازي، وجماعة، ورجحه القاضي أبو يعلى، وابن عقيل، والحلواني من الحنابلة، وهذا هو اختيار الشارح. =
[ ١ / ٤٧٦ ]
والحق: أنه يفيد الحصر، ويفيده فهمًا: أما الأول: فلأنه قد استعمله الفصحاء في مواضع الحصر، وأثبته أئمة النحو في كتبهم، وأئمة التفسير مجمعون على ذلك، وبه فسروا كلام الله تعالى، ومثله ثبت بدون ذلك، فكيف وقد تطابق عليه هؤلاء الجماهير من كل طائفة؟
وأما أن ذلك مفهوم لا منطوق، فلأنه إنما يدل على الإثبات في الجزء الأخير، والنفي عما يقابله، والنفي فيه ليس بصريح لا منطوق، ويدل على ذلك -أيضًا- جواز: إنما زيد قائم لا قاعد، مع عدم جواز: ما زيد إلا قائم لا قاعد.
ومما يجب التنبه له: أن النفي والاستثناء إنما يستعملان إذا كان المخاطب مصرًّا على الانكار بخلاف إنما، فإنه يستعمل فيما إذا يكن مصرًّا.
_________________
(١) = وأما إمام الحرمين، وابن الحاجب، فقد توقفا فيها، ولم يرجحا لا المنطوق، ولا المفهوم. راجع: اللمع: ص / ٢٦، والتبصرة: ص / ٢٤٩، والعدة: ٢/ ٤٧٩، والإشارات للباجي: ص / ٩٢، والبرهان: ١/ ٥٥١، والإيضاح شرح المفصل: ٢/ ٢٢٨، والمستصفى: ٢/ ٢٠٦، والمحصول: ١/ ق / ١/ ٥٣٥، والروضة: ص / ٢٤٢، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٣٢، والمسودة: ص / ٣٥٤، وشرح تنقيح الفصول: ص / ٥٧، ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ١٨٢، ورفع الحاجب: (٢ / ق / ٨١ / ب- ٨٢ / أ)، والإبهاج: ١/ ٣٥٩، ومختصر الطوفي: ص / ١٢٥، وفواتح الرحموت: ١/ ٤٣٤، وتيسير التحرير: ١/ ١٣٢، المحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٥٨، وتشنيف المسامع: ق (٢٨ / ب)، وهمع الهوامع: ص / ٨٠ - ٨١.
[ ١ / ٤٧٧ ]
فإن قلت: على ما ذكرت من إفادة "إنما" الحصر يشكل قوله -ﷺ-: "إنما الربا في النسيئة" (١)، و: "إنما الولاء لمن أعتق" (٢)، ونظائرهما، إذ ربا الفضل ربًا إجماعًا، والولاء لغير المعتق ثابت عند عدم المعتق.
قلت: قد قدمنا أن المفاهيم أمور ظاهرة تعتبر عند عدم معارض أقوى، وإذا عارض مفهوم "إنما" الإجماع -كما في المثالين المذكورين- سقط الاستدلال به، وليكن هذا على ذكر منك ينفعك في كثير من المواضع.
ولفظ الْكِيا (٣) في المتن بكسر [الكاف] (٤) وفتح همزة الوصل، إذ اللام فيه للتعريف، ولفظ كيا مجردًا عن اللام اسم جنس لطائفة
_________________
(١) رواه البخاري، ومسلم عن أسامة، وفي لفظ: "لا ربا إلا في النسيئة". راجع: صحيح البخاري: ٣/ ٩٣، وصحيح مسلم: ٣/ ٤٩.
(٢) الحديث رواه البخاري من حديث عائشة في قصة بريرة. راجع: صحيحه: ٣/ ٩١.
(٣) الكيا -بفتح همزة الوصل، وكسرها، وسكون اللام، وكسر الكاف، وفتح الياء المثناة من تحتها، وبعدها ألف-: وهو باللغة الفارسية بمعنى الكبير القدر، المقدم بين الناس، والمراد به هنا هو علي بن محمد بن علي أبو الحسن عماد الدين الطبري المعروف بالكيا الهراس أحد فحول العلماء، فقهًا، وأصولًا، وجدلًا، وحفظًا للحديث تتلمذ على إمام الحرمين، أثنى عليه الكثير حتى إن بعضهم قدمه على الإمام الغزالي، له كتاب في أصول الفقه، وكتاب في الجدل سماه: شفاء المسترشدين وتوفي سنة (٥٠٤ هـ). راجع: المنتظم: ٩/ ١٦٧، وتبيين كذب المفتري: ص / ٢٨٨، ووفيات الأعيان: ٢/ ٤٤٨، ومرآة الزمان: ٨/ ٣٧، والبداية والنهاية: ١٢/ ١٧٢، وطبقات السبكي: ٧/ ٢٣١، والكامل لابن الأثير: ١/ ٤٨٤٠، والنحوم الزاهرة: ٥/ ٢٠١، وشذرات الذهب: ٤/ ٨.
(٤) سقط من (أ) وأثبت بهامشها.
[ ١ / ٤٧٨ ]
من (١) ملوك العجم كتُبَّع لملوك حمير، وقيصر لملوك الروم، وكسر الهمزة على ما في بعض الشروح (٢) سهو ظاهر (٣).
وأما كلمة "أنما" بفتح الهمزة ذكر المصنف أنها فرع المكسورة، والفرع تابع للأصل، وأيده بالنقل عن الزمخشري أنها تفيد الحصر.
وفي بعض الشروح (٤) هنا كلام غريب، وهو أنه نقل عن الزمخشري أنه قال بالحصر في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] ثم نقل أنه اعترض -عليه: بأن الحصر فيه باطل؛ لاقتضائه أنه لم يوح إليه شيء سوى التوحيد، ثم قال: وهذا الاعتراض عجيب؛ لأن الزمخشري يلتزم ذلك بناء على مذهبه الفاسد في نفى الصفات، بل لعل هذا هو مأخذه في دعواه الفاسدة (٥).
_________________
(١) آخر الورقة (٣٢/ ب من ب).
(٢) يعني به شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع: ١/ ٢٥٨.
(٣) قلت: لا داعي للرد على المحلي في هذا، فقد روى الكسر كما روى الفتح وإن كان الفتح أشهر، بل بعضهم اقتصر على الكسر كالأسنوي، وغيره. راجع: طبقات السبكي: ٢٣١١٧، وطبقات الأسنوي: ٥٢٢١٢، والآيات البينات: ٢/ ٤٣ - ٤٤.
(٤) يعني به تشنيف المسامع للزركشي: ق (٢٨ / ب -٢٩ / أ).
(٥) راجع: الكشاف: ٢/ ٥٨٦، والمحلي على جمع الجوامع: ٢٦٠/ ١، وهمع الهوامع: ص ١/ ٨١.
[ ١ / ٤٧٩ ]
وأنا أقول: إذا اعترض بأن هذا الحصر يفيد حصر الوحي في التوحيد وهو باطل؛ لأن الوحي مشتمل على أحكام الدنيا والآخرة والقصص والإخبار عن المغيبات.
فيجاب: بأن الزمخشري ملتزم ذلك بناء على نفيه الصفات القديمة، [فهل هذا الجواب أبعد من السوال، أم الضب من النون؟] (١).
وإذا تأملت ذلك، فالجواب عن الاعتراض: هو أن القصر في مثله إضافي إذ المشركون كانوا يعتقدون الشركة في الألوهية، فرد الشركة بالحصر المذكور في الواحد القديم، تعالى وتقدس، فالحصر إنما هو بالنظر إلى ما يقابل التوحيد لا إلى سائر الأحكام وغيرها مما أُوحي إليه، كما إذا تنازع طائفة في أن زيدًا فاضل، أم عمرو، واعتقدوا الشركة، قلت: لا فاضل إلا زيد لم تنف الفضل عن كل من في الدنيا، بل إنما نفيت عمن وقع النزاع فيه، وهذا مما لا يُشك فيه، وعليه إطباق البلغاء، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) ما بين المعكوفتين سقط من (ب)، وأثبت بهامشها، ومراده: كما أن السوال بعيد عن الموضوع، فالجواب مثله في ذلك.
[ ١ / ٤٨٠ ]
تأليف
الإمام شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني
(٨١٢ هـ - ٨٩٣ هـ)
تحقيق
د/ سعيد بن غالب كامل المجيدي
[الجزء الثاني]
[ ٢ / ٤٦٤ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٢ / ٢ ]
[ ٢ / ٣ ]
(ح) الجامعة الإسلامية، ١٤٢٨ هـ.
فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر
المجيدي، سعيد بن غَالب كَامِل
الدُّرَر اللوامع فِي شرح جمع الْجَوَامِع للكوراني/ سعيد بن غَالب كَامِل المجيدي - الْمَدِينَة النورة، ١٤٢٨ هـ.
٢٨٨٠ ص؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك: ٢ - ٥٨٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠
١ - أصُول الْفِقْه
أ - العنوان
ديوي ٢٥١
٣٦٢٠/ ١٤٢٨
رقم الْإِيدَاع: ٣٦٢٠/ ١٤٢٨
ردمك: ٢ - ٥٨٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠
جَمِيع حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للجَامعة الإسْلاميَّة بِالْمَدِينَةِ المنوَّرة
[ ٢ / ٤ ]