قوله: "النسخ".
أقول: النسخ - لغة -: يطلق على المعنيين: الإزالة، والنقل، فقيل: بالاشتراك فيهما، وقيل: حقيقة في الإزالة مجاز في النقل إطلاقًا للفظ الملزوم على اللازم إذ الإزالة يلزمها النقل.
وقيل: بالعكس إطلاقًا للفظ اللازم على الملزوم (١). ولا يتعلق بهذا المعنى غرض أصولي. وفي عرف الشرع: رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر (٢).
_________________
(١) النسخ بمعنى الإزالة يرد في اللغة على نوعين: أحدهما: نسخ إلى بدل كقولهم: نسخ الشيب الشباب، ونسخت الشمس الظل، أي: أذهبته وحلت محله، الثاني: نسخ إلى غير بدل نحو: نسخت الريح الأثر، أي: أبطلته، وأزالته. راجع: المصباح المنير: ٢/ ٦٠٢ - ٦٠٣، ولسان العرب: ٤/ ٢٨، والقاموس المحيط: ١/ ٢٧١، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ: ص/ ٨.
(٢) راجع معناه اصطلاحًا: أصول السرخسي: ٢/ ٥٤، والإشارات للباجي: ص/ ٦١، والإيضاح لمكي بن أبي طالب: ص/ ٤١، والإحكام لابن حزم: ٤/ ٤٣٨، والبرهان للجويني: ٢/ ١١٩٣، واللمع: ص/ ٣٠، والعدة: ٣/ ٧٧٨، وأدب القاضي للماوردي: ٣/ ٤٢٣، والمستصفى: ١/ ١٠٧، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٤٢٣، وروضة الناظر: ص/ ٦٦، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٣٦، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٣٠١، والتوضيح: ٢/ ٣١، وكشف الأسرار: ٣/ ١٥٥، وفتح الغفار: ٢/ ١٣٠، وفواتح الرحموت: ٢/ ٥٣، وشرح العضد: ٢/ ١٨٥، ونهاية السول: ٢/ ٥٤٨.
[ ٢ / ٤٦١ ]
فخرج الإباحة الثابتة قبل الشرع إذا رفعت بدليل شرعي لعدم كونها حكمًا شرعيًا. وخرج الرفع بالموت، والجنون، والنوم لعدم كونها دليلًا شرعيًا.
وقوله: "متأخر". احتراز عن المقارنة، كما إذا قال: صم هذا الشهر سوى يوم الجمعة، أو صلِّ إلى آخر الشهر، فإنه لا يسمى نسخًا.
فإن قلت: الكلام يتم بآخره، فما لم يتم كلامه لا يثبت حكم حتى يكون له رفع ليخبر عنه.
قلت: الأمر كذلك، ولكن الحدود تصان عما يوهم خلاف المقصود، وما ذكرناه يدل صريحًا، وإن كان بالتأمل يعلم أن ذلك غير وارد.
والمراد بالحكم: ما هو صفة فعل المكلف كالوجوب، والحرمة، لا خطاب الله، فلا يرد أن الحكم قديم، فلا يمكن رفعه (١) / ق (٨٣/ ب من ب) لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه.
وأجيب - أيضًا -: بأن المراد من رفعه، رفع تعلقه، وفيه تكلف لا يخفى.
وقيل: النسخ بيان انتهاء الحكم الشرعي (٢)، ولم يقبله المصنف: لأنه
_________________
(١) آخر الورقة (٨٣/ ب من ب).
(٢) وهو قول أبي محمد بن حزم، والفخر الرازي، وإمام الحرمين، والبيضاوي. راجع: الإحكام لابن حزم: ٤/ ٤٣٨، والبرهان: ٢/ ١٢٩٣، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٤٢٨، ونهاية السول: ٢/ ٥٤٨. واختار هذا الأستاذ، ونقل عن أكثر الفقهاء. وما اختاره المصنف هو قول القاضي، والغزالي، وغيرهما. =
[ ٢ / ٤٦٢ ]
يرد عليه النسخ قبل التمكن من الفعل، كذا في بعض شروحه (١).
وليس بشيء: لأنه داخل في الحد المذكور؛ لأنه إذا ورد نص دل على الوجوب، ثم نسخ قبل التمكن، فقد بُيِّن انتهاؤه.
والحق: أن التعريفين متلازمان: لأنه إذا رفع تعلق الحكم، فقد بين انتهاؤه، وإذا بين انتهاؤه، فقد رفع تعلقه (٢).
ثم قول المصنف بخطاب، يخرج عنه فعله - ﷺ -، مع كونه ناسخًا، وربما يجاب: بأنه يعلم منه بالطريق الأولى؛ لأن دلالة الفعل على النسخ أقوى من القول.
_________________
(١) = راجع: المستصفى: ١/ ١٠٧، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٧٥، وتشنيف المسامع: ق (٧٥/ ب)، والغيث الهامع: ق (٧٧/ أ)، والدرر اللوامع للكمال: ق (١٧٨/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ ٢٢٩. أما الأحناف: فقد فصلوا في التعريف، فقالوا: النسخ بيان لمدة الحكم المنسوخ في حق الشارع، وتبديل لذلك الحكم بحكم آخر في حقنا على ما كان معلومًا عندنا لو لم ينزل الناسخ. راجع: أصول السرخسي: ٢/ ٥٤، والتلويح على التوضيح: ٢/ ٣٢، وكشف الأسرار: ٣/ ١٥٦، وفتح الغفار: ٢/ ١٣٠.
(٢) هو شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٧٤.
(٣) يعني أن الخلاف لفظي: لأن القولين متفقان على انقطاع تعلق الحكم، وعلى أن ذلك إنما يتحقق بالخطاب اللاحق، فلا يتحقق بين القولين معنى يصلح مناطًا لاختلاف يترتب عليه حكم، أما الزركشي، فيرى أن الخلاف بين التعريفين حقيقي، وليس لفظيًا حيث قال - بعد ذكر الفارق بينهما -: "وبهذا يظهر وهم من ظن أن النزاع لفظي". راجع: تشنيف المسامع: ق (٧٥/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ ٢٢٩، والدرر اللوامع للكمال: ق (١٧٨/ ب).
[ ٢ / ٤٦٣ ]
وخرج - أيضًا - الإجماع على أحد القولين، فإنه يلحق القول الآخر بالعدم، مع أنه ليس بنسخ إذ لا نسخ بعد وفاته - ﷺ -، ولا حاجة إليه؛ لأن الإجماع إذا انعقد على حكم يكون [سنده] (١) ناسخًا لا هو، فالإجماع دليل على وجود الناسخ (٢).
وبعض الفضلاء (٣) - في شرح المنهاج (٤) - لم يهتد إلى هذا الجواب، فقال: يقدر محذوف في الحد، أي: بطريق شرعي غير الإجماع، ثم قال: إنما اشترط في الناسخ أن يكون [متراخيًا] (٥) لئلا يكون الكلام متناقضًا، وأنت تعلم أن كل نسخ يلزمه التناقض، بل لا يعقل نسخ إلا إذا كان أحد الدليلين منافيًا للآخر، فكيف يصح عدم التراخي باستلزامه التناقض؟ وقد ذكرنا فائدته في صدر البحث.
قوله: "فلا نسخ بالعقل". تفريع على قوله: بخطاب.
قوله: "وقول الإمام: من سقط رجلاه نُسِخَ غسلُهما مدخولٌ". يريد أن سقوط الرجلين ليس بخطاب حتى يكون رفع الغسل نسخًا.
_________________
(١) سقط من (ب) وأثبت بهامشها.
(٢) ذكر الزركشي أن النسخ يكون بدليل الإجماع لا بنفس الإجماع، وعلى ذلك يحمل قول الشافعي الذي نقله البيهقي في المدخل أن النسخ كما ثبت بالخبر ثبت بالإجماع. راجع: تشنيف المسامع: ق (٧٧/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: (٢/ ٧٦)، وهمع الهوامع: ص/ ٢٣٠.
(٣) جاء في هامش (أ، ب): "وهو الحلوائي".
(٤) نقل عنه الشارح في عدة مواضع، ولكني لم أعثر على هذا الشرح.
(٥) سقط من (أ) وأثبت بهامشها.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
والحق: أن الإمام لما عرف النسخ بأنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم، فهو قائل: بأن سقوط الرجلين ليس نسخًا مصطلحًا، فلا وجه لمؤاخذة مثل ذلك الإمام بما تسامح فيه، بعد ظهور مراده (١).
قوله: "ويجوز على الصحيح نسخ بعض القرآن".
أقول: النسخ إما للتلاوة، والحكم (٢) / ق (٨٢/ ب من أ)، أو لأحدهما، والكل جائز عندنا (٣).
_________________
(١) ما نقل عن الإمام ذكره في باب العموم في بحث تخصيص العموم بالعقل، وفي باب النسخ ذكر عكسه، فقال في باب العموم: "فإن قيل: لو جاز التخصيص بالعقل، فهل يجوز النسخ به؟ قلنا: نعم؛ لأن من سقطت رجلاه، سقط عنه فرض غسل الرجلين، وذلك إنما عرف بالعقل". وقال - في باب النسخ -: "ولا يلزم أن يكون العجز ناسخًا لحكم شرعي لأن العجز ليس بطريق شرعي" المحصول: ١/ ق/ ٣/ ١١٣، ٤٢٩، ففهم البعض من كلامه التناقض، ولا تناقض، إذ لعله استعمل ما ذكره المصنف في أحد معانيه اللغوية، فيكون من قبيل التوسع في مفهوم النسخ، ولا يكون مراده أن العقل ينسخ به، بل يعني أن العقل أدرك سقوط الفرض لسقوط محله. ولما فهم الإمام القرافي عن الإمام القول بأن العقل ناسخ، أخذًا بقوله في باب العموم الذي سبق فقد رد عليه بما يطول ذكره، والأولى حمل كلامه على ما سبق. راجع: النفائس: (٢/ ٢٠١/ أ - ب)، وتشنيف المسامع: ق (٧٦/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٧٥ - ٧٦، وهمع الهوامع: ص/ ٢٣٠.
(٢) آخر الورقة (٨٢/ ب من أ).
(٣) أجمع العلماء على امتناع نسخ جميع القرآن: لأنه معجزة النبي - ﷺ - المستمرة، وخالف في هذه المسألة مكي بن أبي طالب حيث أجاز أن ينسخ الله جميع القرآن بأن يرفعه من صدور عباده. وأما نسخ بعضه فالخلاف كما ذكر الشارح. =
[ ٢ / ٤٦٥ ]
وخالف بعض المعتزلة في جواز الثلاثة (١).
لنا: أن تلاوة آية مثلًا حكم من الأحكام، وما تدل عليه حكم آخر، ولا تلازم بين الحكمين، فيجوز نسخهما، ونسخ كل منهما منفردًا لعدم المانع.
ولنا: الوقوع - أيضًا - وهو دليل الجواز، أما نسخهما، فلما روت عائشة ﵂: "كان فيما نزل عشر رضعات محرمات" (٢)، وقد نسخ لفظه، وحكمه.
وأما نسخ التلاوة، مع بقاء الحكم: "الشيخ والشيخة (٣) إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله" فالحكم ثابت، وإن خصص بالإحصان.
_________________
(١) = راجع: الإيضاح له: ص/ ٥٦ - ٥٨، والإشارات: ص/ ٦٦، وأصول السرخسي: ٢/ ٧٨، والعدة: ٣/ ٧٨٠، والمعتمد: ١/ ٣٨٦، والمستصفى: ١/ ١٢٣، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٤٨٢، رروضة الناظر: ص/ ٦٩، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٦٣، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٣٠٩، وشرح العضد: ٢/ ١٩٤، والتوضيح: ٢/ ٣٦، وكشف الأسرار: ٣/ ١٨٨، وفتح الغفار: ٢/ ١٣٤، والمسودة: ص/ ١٩٨، وفواتح الرحموت: ٢/ ٧٣، وإرشاد الفحول: ص/ ١٨٩.
(٢) راجع: المعتمد: ١/ ٣٨٦، ونهاية السول: ٢/ ٥٦٢، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٧٦.
(٣) عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله - ﷺ - وهن فيما يقرأ من القرآن". راجع: صحيح مسلم: ٤/ ١٦٧، والموطأ: ص/ ٣٧٦، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: ص/ ٤٤ - ٤٥، ٦٠.
(٤) قال مالك: "قوله: الشيخ والشيخة يعني الثيب، والثيبة"، وعن عمر أنه قال: "كان فيما أنزل آية الرجم، فقرأناها، ورعيناها، وعقلناها، ورجم رسول الله، ورجمنا بعده". =
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وأما نسخ الحكم، مع بقاء التلاوة، فعدة المتوفى عنها زوجها بالحول، مع بقاء اللفظ مقروءًا (١).
قالوا: قال الله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ [فصلت: ٤٢] (٢)، فلو نسخ لتطرق إليه البطلان.
قلنا: الضمير لجميع القرآن، ولو سلم النسخ ليس مستلزمًا للبطلان، إذ هو رفع الحكم بدليل متراخ.
قالوا: لو نسخ لفات مقصود الإنزال.
قلنا: ممنوع، لم لا يجوز أن يكون فائدته الابتلاء، أو الإعجاز، أو ثواب التلاوة حيث كان / ق (٨٤/ أمن ب) النسخ للحكم وحده.
قوله: "والفعل قبل التمكن".
_________________
(١) = فهذا الحكم باق، واللفظ مرتفع، لرجم رسول الله - ﷺ - ماعزًا، والغامدية، واليهوديين. راجع: صحيح البخاري: ٨/ ٢٠٥، ٢٠٩، وصحيح مسلم: ٥/ ١١٦، ١١٩، والموطأ: ص/ ٥١٥، وسنن أبي داود: ٢/ ٤٦٣، وسنن ابن ماجه: ٢/ ١١٥ - ١١٧.
(٢) والآية المنسوخة حكمًا هي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] نسختها الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
(٣) والمعنى لا يأتيه ما يبطله، وليس للبطلان إليه سبيل. راجع: تفسير ابن كثير: ٤/ ١٠٣.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
أقول: المختار جواز النسخ قبل التمكن من الفعل، مثل أن يقول الشارع: حجوا هذه السنة، ثم قبل دخول الوقت، أو بعد الدخول، وقبل مضي وقت يسعه الفعل، فقال: لا تحجوا، خلافًا للصيرفي منا، والمعتزلة (١).
لنا: أنه قد ثبت أن توجه التكليف إنما هو قبل وقت الفعل، فيجوز رفعه بالنسخ، كما يرفع بالموت: لأنهما سواء في أن الحكم كان ثابتًا قبلهما.
وفيه نظر: لأن التكليف مقيد بعدم الموت عقلًا، فلا رفع في الموت.
والحق: أن الدليل على وقوع النسخ قبل التمكن هو حديث نسخ الصلوات ليلة الإسراء (٢).
_________________
(١) وأكثر الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة. وأما مذهب جمهور الأصوليين وأكثر الفقهاء الجواز كما ذكر الشارح. راجع: اللمع: ص/ ٣١، والتبصرة: ص/ ٢٦٠، والإشارات للباجي: ص/ ٦٩، والبرهان للجويني: ٢/ ١٣٠٣، والعدة: ٣/ ٨٠٧، والإحكام لابن حزم: ٤/ ٤٧٢، والمعتمد: ١/ ٣٧٥، والإيضاح لمكي بن أبي طالب: ص/ ١٠٠، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٤٦٧، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٣٠٧، والمسودة: ص/ ٢٠٧، ومناهج العقول: ٢/ ١٧١، والتلويح على التوضيح: ٢/ ٣٣، وكشف الأسرار: ٣/ ١٦٩، ونهاية السول: ٢/ ٥٦٢.
(٢) هو حديث أنس بن مالك، وفيه: "فأوحى الله إليَّ ما أوحى، ففرض عليَّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى - ﷺ -، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل، وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب خفف على أمتي، فحط عني خمسًا. . ." الحديث. =
[ ٢ / ٤٦٨ ]
ولنا - أيضًا -: أن مقصود الشارع إما الاعتقاد، والعمل بموجبه، أو الاعتقاد وحده لحصول الابتلاء في الصورتين.
وإذا جاز أن يكون الاعتقاد مقصود الشارع، فجواز النسخ قبل التمكن ظاهر، بل نقول: الاعتقاد أقوى من العمل لاحتمال سقوطه بعذر كالإقرار في الإيمان إذا كان قلبه مطمئنًا (١)، وكسقوط الصلاة، والصوم بالأعذار.
ومما يؤيده نزول المتشابه، على القول بأن الله مستأثر بعلمه إذ لا فائدة في الإنزال سوى الاعتقاد.
هذا. وقد ذهب الجمهور إلى أن قصة ذبح الخليل ولده (٢) من قبيل النسخ قبل التمكن من الفعل.
وجه الاستدلال: أنه لو لم يكن مأمورًا بذبح ولده لما احتيج إلى الفداء لأنه بدل الواجب قطعًا.
وأيضًا: لو لم يكن واجبًا لما جاز له الإقدام عليه، والاشتغال بمقدماته (٣).
_________________
(١) = راجع: صحيح البخاري: ١/ ٩٣ - ٩٤، وصحيح مسلم: ١/ ١٠١، وتحفة الأحوذي: ١/ ٦٢٦، وسنن النسائي: ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣، وسنن ابن ماجه: ١/ ٤٢٥ - ٤٢٦.
(٢) يعني قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
(٣) يعني المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ الآيات [الصافات: ١٠٢ - ١٠٧].
(٤) راجع: المستصفى: ١/ ١١٢، وروضة الناظر: ص/ ٧٠، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٥٣، وشرح العضد: ٢/ ١٩٠، ونهاية السول: ٢/ ٥٦٤، وفواتح الرحموت: ٢/ ٦٤، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٧٨، وهمع الهوامع: ص/ ٢٣١، وتشنيف المسامع: ق (٧٦/ أ)، والغيث الهامع: ق (٧٧/ ب).
[ ٢ / ٤٦٩ ]
والحق: أن هذه القصة ليست من قبيل النسخ قبل التمكن من الفعل للقطع بأنه تمكن من الذبح، لولا المانع من الخارج.
وأما كونه نسخًا قبل الفعل، فالنسخ لا يكون إلا كذلك، ولهذا قال إمام الحرمين: "كل نسخ واقع، فهو متعلق بما كان تعذر وقوعه في المستقبل، فإن النسخ لا ينعطف على متقدم سابق" (١).
قالوا: إن كان مأمورًا به في ذلك الوقت توارد النفي والإثبات، وإن لم يكن، فلا نسخ.
الجواب: أن الوقت الذي قبل التمكن ذو أجزاء، فالإثبات في بعض، والنفي في بعض آخر، فلا تناقض. هذا خلاصة الكلام في هذه المسألة، والله أعلم.
قوله: "والنسخ بالقرآن لقرآن" إلى آخره.
أقول: اتفق القائلون بجواز النسخ / ق (٨٣/ أمن أ) على جواز نسخ القرآن بالقرآن كنسخ العدة بالحول، بأربعة أشهر وعشرًا (٢)، وكذا نسخ الخبر المتواتر بالمتواتر،
_________________
(١) راجع: البرهان: ٢/ ١٣٠٣.
(٢) وكذلك نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول - ﷺ - وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٣]. =
[ ٢ / ٤٧٠ ]
والآحاد بالآحاد، والآحاد بالمتواتر أولى، وأجدر (١).
وإنما الخلاف في نسخ المتواتر بالآحاد، الجمهور على عدم جوازه (٢).
_________________
(١) = وكذا نسخ وجوب ثبوت الواحد للعشرة في فوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ بقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٥ - ٦٦].
(٢) راجع: الرسالة: ص/ ١٠٦، والتبصرة: ص/ ٢٧٢، واللمع: ص/ ٣٢، وأصول السرخسي: ٢/ ٦٧، والعدة: ٣/ ٨٠٢، والإحكام لابن حزم: ٤/ ٤٧٧، والبرهان: ٢/ ١٣٠٧، والمعتمد: ١/ ٣٩٠، والاعتبار للحازمي: ص/ ٢٤ - ٢٩، والإيضاح لمكي بن أبي طالب: ص/ ٦٧، وأدب القاضي للماوردي: ١/ ٣٤٦، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٤٩٥، والمسودة: ص/ ٢٠٥، وكشف الأسرار: ٣/ ١٧٥، وفتح الغفار: ٢/ ١٣٣، والتلويح على التوضيح: ٢/ ٣٤.
(٣) المشهور جوازه عقلًا، وحكى الآمدي، وغيره الاتفاق عليه، غير أن الخلاف ثابت، منقول في ذلك، وأما وقوعه فالمشهور عن الجمهور المنع. وذهب بعض أهل الظاهر إلى جوازه، واختاره الطوفي من الحنابلة. وذهب القاضي أبو بكر، والباجي، والقرطبي، والغزالي إلى وقوعه في زمنه - ﷺ - دون ما بعده؛ لأنه ثبت عنه أنه كان يبعث الآحاد بالناسخ إلى أطراف البلاد ولما ذكره الشارح من تحول أهل قباء. راجع: الإشارات: ص/ ٧٤، والإحكام لابن حزم: ٤/ ٤٧٧، والمستصفى: ١/ ١٢٤، وروضة الناظر: ص/ ٧٩، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٦٧، وفواتح الرحموت: ٢/ ٧٦، ومختصر الطوفي: ص/ ٨١، وشرح العضد: ٢/ ١٩٥، ونهاية السول: ٢/ ٥٧٨، ومناهج العقول: ٢/ ١٧٩، وتشنيف المسامع: ق (٧٦/ أ - ب)، والغيث الهامع: ق (٧٧/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٧٨، وهمع الهوامع: ص/ ٢٣٣.
[ ٢ / ٤٧١ ]
وقد عرفت من هذا التقرير أن عطف المصنف هذه المسألة على ما قبلها ليس برضي: لأنه يفهم منه أن نسخ القرآن بالقرآن مختلف فيه، وليس كذلك بل مناط الخلاف هو هذا القسم الأخير.
لنا: أن الآحاد مظنون، والمتواتر قطعي، فلا تعارض بين مظنون، وقطعي. قالوا: قد نسخ المتواتر - في عصره - بالآحاد، إذ التوجه إلى بيت المقدس كان متواترًا، وقد صح أنه لما حولت القبلة نادى منادي رسول الله - ﷺ - بالتحويل، فاستدار أهل مسجد قباء، أو غيره إلى الكعبة (١): فقد نسخ المتواتر بالآحاد.
قلنا: خبر الآحاد (٢) / ق (٨٤/ ب من ب) إذا حفت به القرائن يصير قطعيًا، ونداء الصحابي من هذا القبيل: لأن العقل قاطع بأن نداءه على رؤوس الأشهاد، والنبي [- ﷺ -] (٣) بين أظهرهم لا يكون إلا بأمره.
_________________
(١) روى البخاري، ومسلم، والنسائي، وغيرهم عن البراء بن عازب، وابن عمر وأنس ﵃، ولفظ البراء قال: "صليت مع النبي - ﷺ - إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا حتى نزلت الآية التي في البقرة: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فنزلت بعد ما صلى النبي - ﷺ - فانطلق رجل من القوم فمر بناس من الأنصار، وهم يصلون، فحدثهم، فولوا وجوههم قبل البيت". راجع: صحيح البخاري: ١/ ١٠٤ - ١٠٥، وصحيح مسلم: ٢/ ٦٥ - ٦٦، وسنن النسائي: ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.
(٢) آخر الورقة (٨٤/ ب من ب).
(٣) سقط من (أ) والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٤٧٢ ]
قالوا: كان يبعث الآحاد في الوقائع، وتبليغ الأحكام بعد تقررها، فيبلغ خلاف ما عندهم.
الجواب: ما تقدم أن تلك الأخبار محفوفة بالقرائن، فتكون قطعية.
قالوا: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] منسوخ بقوله - ﷺ -: "كل ذي ناب حرام" (١)، وهو خبر آحاد، وإذا جاز نسخ القرآن به، فالخبر المتواتر أجدر.
قلنا: لا نسخ هنا إذ التقدير لا أجد الآن، ولا ينافي وجود محرم في المستقبل، والحديث إنما حرم ابتداء ما كان حلالًا بالإباحة الأصلية، فلم يرفع حكمًا شرعيًا، ليكون نسخًا.
قوله: "والحق لم يقع إلا بالمتواتر" إشارة إلى أن الحق جواز نسخ المتواتر بالآحاد عقلًا، غايته: أنه لم يقع، وهذا ضعيف، ومخالف للجمهور لأنهم لم يجوزوه.
فإن قلت: ما الفرق بين التخصيص، والنسخ حيث جوزوا تخصيص القطعي بالمتواتر، ولم يجوزوا نسخه به؟
قلت: الفرق أن التخصيص بيان أن المخرج لم يكن داخلًا في مراد المتكلم، فهو في الحقيقة دفع، كما تقدم في بابه، والنسخ رفع، وإبطال لما كان ثابتًا، والوجدان حاكم بأن المبطل لا بد وأن يكون أقوى، أو مساويًا، بخلاف الدفع، فإنه يحصل بأدنى مانع.
_________________
(١) روى البخاري، ومسلم عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل كل ذي ناب من السباع". راجع: صحيح البخاري: ٦/ ١٢٤، وصحيح مسلم: ٦/ ٥٩ - ٦٠.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
قوله: "قال الشافعي: وحيث وقع بالسنة فمعها قرآن، أو بالقرآن فمعه سنة عاضدة".
أقول: المنقول عن الشافعي في جواز نسخ القرآن بالسنة، وبالعكس قولان: المنع، والجواز (١)، وأطبق المتأخرون من أصحابه على الجواز (٢)، وهو المختار (٣)، لما نقلناه في أول الفصل من الأدلة.
_________________
(١) بالنسبة لنسخ القرآن بالسنة المتواترة، ونسخ السنة بالقرآن فالذي صرح به الشافعي في الرسالة المنع فيهما، ونقل عنه الجواز فيهما. وذهب بعض أهل الظاهر إلى المنع في المسألة الأولى، وهو المشهور عن الإمام أحمد، وذهب أكثر الحنفية، والمالكية، وهي رواية عن أحمد، واختارها بعض أصحابه، وابن الحاجب، وحكاه عن الجمهور، واختاره ابن حزم ذهبوا إلى الجواز فيها، وقيل: يمتنع بالآحاد منها دون المتواتر لأن الظبي لا يرفع قطعيًا. وأما نسخ السنة بالقرآن، فمذهب جمهور الفقهاء، والأشاعرة، والمعتزلة جوازه عقلًا، ووقوعه شرعًا. راجع: اللمع: ص/ ٣٣، والتبصرة: ص/ ٢٦٤، وأصول السرخسي: ٢/ ٦٧، والإشارات: ص/ ٧١، والإحكام لابن حزم: ٤/ ٤٧٧، والمعتمد: ١/ ٣٩١، ٣٩٢، والاعتبار للحازمي: ص/ ٢٦، ١٣٨، والإيضاح لمكي بن أبي طالب: ص/ ٦٨، ١٢٢، وأدب القاضي للماوردي: ١/ ٣٤٤، وروضة الناظر: ص/ ٧٨، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٢٢٦، والرسالة: ص/ ١٠٦ - ١٠٨، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٣١٣، والتوضيح: ٢/ ٣٤، وكشف الأسرار: ٣/ ١٧٥، وفتح الغفار: ٢/ ١٣٤، وفواتح الرحموت: ٢/ ٧٨، وإرشاد الفحول: ص/ ١٩١.
(٢) راجع: البرهان للجويني: ٢/ ١٣٠٧، والمستصفى: ١/ ١٢٤، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٥٠٨ - ٥١٩، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٢، وشرح العضد: ٢/ ١٩٧، ونهاية السول: ٢/ ٥٧٨، ومناهج العقول: ٢/ ١٧٩، وشرح المحلي: ٢/ ٧٨، والآيات البينات: ٣/ ١٣٩.
(٣) قال المصنف: "وأما نسخ الكتاب بالسنة، والسنة بالكتاب، فالجمهور على جوازه ووقوعه. . . وذهب قوم إلى امتناعها، ونقل عن الشافعي" الإبهاج: ٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
ثم قال المصنف: قول الشافعي في المسألة مقيد غفل عنه الناقلون، وهو أن السنة إذا نسخت القرآن، فمع تلك السنة قرآن يعضده، وكذا مع القرآن الناسخ سنة عاضدة، تبين توافق الكتاب والسنة، وما اختاره ليس مختار الشافعي، بل استنبطه من كلامه، وليس هذا الاستنباط بشيء.
أما أولًا: فلأن الكتاب نسخه للكتاب وحده هو مختار الشافعي، وجميع من قال بجواز النسخ، فإذا وجد مع السنة الناسخة آية تصلح أن تكون ناسخًا، فالنسخ يستند إليها لا إلى السنة، وما الفائدة في أن يقال: السنة ناسخة، والقرآن يعضده؟ فلم لا يكون القرآن ناسخًا ابتداء؟ وكذلك القرآن الناسخ للسنة بنسخه ابتداء إذ هو أقوى (١)، / ق (٨٣/ ب من أ) لأنه وحي متلو معجز، والسنة وإن تواترت لا تبلغ رتبته اتفاقًا.
وأما ثانيًا: فإن كلام الشافعي في الرسالة على ما نقلوه (٢) ليس إلا أن قال: "فإن قال - يريد الخصم -: هل تنسخ السنة بالقرآن؟ قيل: لو نسخت السنة بالقرآن، لكان للنبي [- ﷺ -] (٣) سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الأخيرة حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله" (٤). هذا آخر كلام الشافعي، وليس في هذا أنه قوله المختار لأنه/ ق (٨٥/ أمن ب) يصلح
_________________
(١) آخر الورقة (٨٣/ ب من أ).
(٢) جاء في هامش (أ): "الزركشي" يعني ناقله.
(٣) سقط من (أ) والمثبت من (ب).
(٤) راجع: الرسالة: ص/ ١١٠، وتشنيف المسامع: ق (٧٦/ ب).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
أن يكون تعليلًا لقوله الذي لم يوافق عليه أصحابه، بل يجب حمله على هذا القول لأن قوله: "حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله" غير مستقيم لأن نسخ الشيء بمثله - في نسخ السنة بالسنة مثل قوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" (١). وقوله: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروها" (٢). وكذا نسخ التقاء الختانين (٣) لحديث: "الماء من الماء" (٤) - كثير، فالحجة في ذلك قائمة.
_________________
(١) راجع: صحيح مسلم: ٣/ ٦٥، وسنن أبي داود: ٢/ ١٩٥، وتحفة الأحوذي: ٤/ ١٥٩، وسنن النسائي: ٤/ ٨٩، وسنن ابن ماجه: ١/ ٤٧٦، وشرح السنة للبغوي: ٥/ ٤٦٢، وموارد الظمآن: ص/ ٢٠١، وفيض القدير: ٥/ ٥٥.
(٢) راجع: صحيح البخاري: ٧/ ١٣٤، وصحيح مسلم: ٦/ ٨٠، والموطأ: ص/ ٢٩٩، ومسند أحمد: ٦/ ٥١، وسنن أبي داود: ٢/ ٨٩، وتحفة الأحوذي: ٥/ ٩٩، وسنن النسائي: ٤/ ٨٩، وسنن ابن ماجه: ٢/ ٢٨٠، والمستدرك: ٤/ ٢٣٢، وفيض القدير: ٥/ ٥٥، ونيل الأوطار: ٥/ ١٢٦.
(٣) سبق أن خرجت رواية عائشة عند أحمد والترمذي، وابن ماجه، وقد رواه أيضًا غيرها. وعنون له البخاري باب: إذا التقى الختانان. راجع: صحيح البخاري: ١/ ٧٧، وصحيح مسلم: ١/ ١٨٦، والموطأ: ص/ ٥٣، وسنن أبي داود: ١/ ٤٩، وسنن الدارمي: ١/ ١٩٤، وموارد الظمآن: ص/ ٨١، وشرح السنة: ٢/ ٣.
(٤) الحديث رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والدارمي، والبيهقي عن أبي سعيد الخدري، وغيره: أن النبي - ﷺ - قال: "إنما الماء من الماء". راجع: صحيح مسلم: ١/ ١٨٦، وسنن أبي داود: ١/ ٤٩، وسنن النسائي: ١/ ١١٥، وعارضة الأحوذي: ١/ ١٦٨، وسنن الدارمي: ١/ ١٩٤، وسنن البيهقي: ١/ ١٦٧.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
قال الغزالي - ﵀، في المستصفى بعد نقل كلام الشافعي -: "قلنا: هذا إن كان في جوازه، فلا يخفى أنه يفهم من القرآن وجوب التحول إلى الكعبة، وإن كان التوجه ثابتًا إلى بيت المقدس بالسنة إذ لا ضرورة في هذا التقدير" (١). وإنما نقلنا كلام الغزالي: لأن بعض الشراح تبجح بأن المصنف فهم من كلام الشافعي ما لم يفهمه أحد قبله (٢).
فكم من عائب قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم (٣)
قوله: "وبالقياس إلى آخره".
أقول: قد اختلف في جواز النسخ بالقياس (٤): قيل: يجوز مطلقًا، وبه قال المصنف: لأن الناسخ في الحقيقة هو النص الذي يستند إليه القياس.
_________________
(١) راجع: المستصفى: ١/ ١٢٥.
(٢) هو الجلال المحلي في شرحه على جمع الجوامع: ٢/ ٧٩.
(٣) هذا البيت من قصيدة للمتنبي، وأول القصيدة: إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم قلت: واعتراض الشارح على المحلي لا يسلم له؛ لأن الجلال المحلي لم يعب على أحد بعينه، وكونه ذكر أن المصنف فهم فهمًا لم يطلع المحلي على أحد سبقه إليه لا يستدعي ذلك الرد عليه إذ هو تكلم عما علم. وراجع: ديوان المتنبي مع شرح العكبرى: ٤/ ١٢٠.
(٤) وصورة النسخ بالقياس كان ينص على إباحة التفاضل في الأرز مثلًا، فهل ينسخ من نهيه ﵇ الأصناف الستة، أو عن بيع الطعام إلا مثلًا بمثل؟ اختلفوا في ذلك على نحو ما ذكره الشارح ﵀. فمذهب الجمهور من الأحناف، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وغيرهم عدم الجواز. =
[ ٢ / ٤٧٧ ]
وقيل: لا يجوز مطلقًا: لأن النص أقوى من القياس لكونه أصلًا له في الجملة.
وقيل: إن كان جليًا يصلح، وإلا فلا لضعفه، والجلي: ما قطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع.
وقيل: إن كان في زمنه ﵊، والعلة منصوصة جاز النسخ به لقوته بعلته المنصوصة، والزمان قابل له، وإن لم تكن منصوصة، فلا يجوز لضعف القياس، أو بعد زمنه، فلا نسخ لحكم بعده (١).
قال ابن الحاجب: "القياس المظنون لا يكون ناسخًا، ولا منسوخًا، أما أولًا: فلأن ما قبله إن كان قطعيًا، فلا ينسخ بالمظنون، وإن كان ظنيًا، فلا بد وأن يكون القياس راجحًا عليه إذ لو كان مرجوحًا، أو مساويًا لم يقدر عليه، وإذا كان راجحًا، فالدليل الأول لم يبق معمولًا به إذ شرط العمل به رجحانه.
_________________
(١) = راجع: اللمع: ص/ ٣٣، وأصول السرخسي: ٢/ ٦٦، والإحكام لابن حزم: ٤/ ٤٨٨، والمستصفى: ١/ ١٢٦، والمسودة: ص/ ٢٣٠، وكشف الأسرار: ٣/ ١٧٤، وفواتح الرحموت: ٢/ ٨٤، والفقيه والمتفقه: ١/ ١٢٣، وفتح الغفار: ٢/ ١٣٣، ومختصر الطوفي: ص/ ٨٣.
(٢) راجع: الإحكام للآمدي: ٢/ ٢٨٠، وروضة الناظر: ص/ ٨٠، والإبهاج: ٢/ ٢٥٦، وتشنيف المسامع: ق (٧٦/ ب - ٧٧/ أ)، والغيث الهامع: ق (٧٨/ أ).
[ ٢ / ٤٧٨ ]
وأما أنه لا ينسخ، فلأن الذي بعده إما قطعي، أو ظني، وشرطه أن لا يعارضه قطعي، أو ظني راجح، وأما المقطوع، فينسخ بالمقطوع في زمنه، وبعده يظهر أنه كان منسوخًا بنسخ حكم أصله" (١).
أما المصنف: فقد جوز أن ينسخ بقياس أجلى، وفاقًا للإمام الرازي (٢).
والآمدي: اكتفى بنسخ المساوي (٣)، والحق ما ذهب إليه الآمدي، إذ الناسخ في الحقيقة هو النص الذي استند إليه القياس، والنص ينسخ المساوي إذا تأخر عنه (٤).
قوله: "ونسخ الفحوى دون أصله كعكسه على الصحيح".
أقول: الفحوى: عبارة عن مفهوم الموافقة، كما تقدم، وأصله منطوق اللفظ، ثم نسخهما معًا جائز اتفاقًا، ونسخ الأصل دون الفحوى جائز عند الجمهور (٥).
_________________
(١) راجع: المختصر مع شرح العضد: ٢/ ١٩٩.
(٢) راجع: المحصول: ١/ ق/ ٣/ ٥٣٧.
(٣) راجع: الإحكام له: ٢/ ٢٧٩.
(٤) راجع: أصحاب المذاهب الأخرى في المسألة: المعتمد: ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣، والعدة: ٣/ ٨٢٧، والمسودة: ص/ ٢١٦، وشرح العضد: ٢/ ١٩٩، ومناهج العقول: ٢/ ١٨٦، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٨١، والتبصرة. ص/ ٢٧٤، وهمع الهوامع: ص/ ٢٣٥، والإبهاج: ٢/ ٢٥٦، والآيات البينات: ٣/ ١٥٠، وإرشاد الفحول: ص/ ١٩٣.
(٥) من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وغيرهم. واختار ابن قدامة، والطوفي، وغيرهما المنع، ونقله الآمدي عن الأكثر: لأن الفرع يتبع الأصل، ولا يتصور بقاء التابع مع ارتفاع المتبوع. =
[ ٢ / ٤٧٩ ]
وأما نسخ الفحوى/ ق (٨٤/ أمن أ) دون الأصل نفاه الجمهور، واختاره أبو الحسين من المعتزلة (١)، وهو مختار المصنف (٢).
لنا - على جواز نسخهما ما تقدم من الأدلة، فإنها شاملة للأصل والفحوي، وعلى جواز نسخ الأصل مع بقاء الفحوى مثل انتفاء تحريم (٣) / ق (٨٥/ ب من ب) التأفيف مع بقاء حرمة الضرب، إذ الأصل ملزوم، والفحوى لازم، ولا يلزم من انتفاء الملزوم انتفاء لازمه.
وعلى عكسه، وهو نسخ الفحوى بدون الأصل، إذ الفحوى والأصل معنيان متغايران، فيجوز رفع كل منهما بدون الآخر (٤).
_________________
(١) = راجع: المحصول: ١/ ق/ ٣/ ٥٣٩، وروضة الناظر: ص/ ٨٠، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٨١، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٣١٥، والمسودة: ص/ ٢٢١، وشرح العضد على المختصر: ٢/ ٢٠٠، ومختصر الطوفي: ص/ ٨٢، ونهاية السول: ٢/ ٥٩٦، وفواتح الرحموت: ٢/ ٨٧، والإبهاج: ٢/ ٢٥٧.
(٢) راجع: المعتمد: ١/ ٤٠٥، ومناهج العقول: ٢/ ١٨٨، وتشنيف المسامع: ق (٧٧/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٨٢، والغيث الهامع: ق (٧٨/ أ)، وهمع الهوامع: ص/ ٢٣٥.
(٣) المصنف هنا يرى الجواز في نسخ الفحوى دون أصله، كما صححه في كلامه السابق حيث قال: "ويجوز نسخ الفحوى دون أصله كعكسه على الصحيح"، ولعل الشارح اعتبر قوله الآخر بعد هذا: "والأكثر أن نسخ أحدهما يستلزم الآخر" مذهبه في المسألة.
(٤) آخر الورقة (٨٥/ ب من ب).
(٥) وهو مذهب أكثر المتكلمين، ولعل مأخذ الخلاف هل دلالته لفظية، أو قياسية؟ وقد تقدم ذلك في بابه. راجع: تشنيف المسامع: ق (٧٧/ أ)، والغيث الهامع: ق (٧٨/ أ - ب)، وهمع الهوامع: ص/ ٢٣٠ - ٢٣٦.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
وفيه نظر: لأن أحد المتغايرين إذا كان لازمًا للآخر لا يمكن رفعه بدون الآخر لامتناع بقاء الملزوم بدون لازمه، بخلاف عكسه، فإن بقاء اللازم بدون ملزومه واقع.
وأما النسخ بالفحوى، فعليه الاتفاق بناء على أنه ليس بقياس (١)، كما سبق في بحث المفاهيم.
واعلم: أن قول المصنف: "الأكثر أن نسخ أحدهما يستلزم نسخ الآخر". كلام باطل: لأنك تحققت أن الفحوى لازم، والأصل ملزوم، ورفع الملزوم لا يستلزم رفع اللازم على ما حققناه (٢).
_________________
(١) نقل الاتفاق الرازي، والآمدي بناء على أنه منطوق، وأما الشيرازي وغيره، فقد جعلوه قياسًا، وعليه لا يكون ناسخًا. راجع: اللمع: ص/ ٣٣، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٥٤٠، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٨١، والإبهاج: ٢/ ٢٥٧.
(٢) الواقع أن هذه المسألة هي عين المسألة التي سبقت قبلها، وقد علم هناك أن المصنف صحح فيها جواز نسخ مفهوم الموافقة بقسميه الأولى، والمساوي دون أصله، وهو المنطوق، كما جوز نسخ المنطوق، وهو الأصل دون المفهوم لأن الفحوى وأصله مدلولان متغايران، فجاز نسخ كل منهما وحده، وذكره هنا عن الأكثر استلزام كل منهما للآخر ينافي - في ظاهره - ما صححه في جواز نسخ كل منهما دون الآخر لأن الامتناع مبني على الاستلزام، والجواز مبني على عدمه، لذا نجد ابن الحاجب اقتصر على الجواز، مع مقابله، والبيضاوي اقتصر على الاستلزام، والمصنف جمع بينهما في المسألة. قال المحلي: "وكأنه - يعني جمع المصنف بين الجواز، والاستلزام فيها - مأخوذ من قول الآمدي: "اختلفوا في جواز نسخ الأصل دون الفحوى، والفحوى =
[ ٢ / ٤٨١ ]
ولبعض الشراح (١) هنا كلام عجيب: وهو أنه لما نقل عن بعضهم أن نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى: لأنها تابعة له دون العكس، فلا يتضمن نسخ الفحوى نسخ الأصل.
قال: "واعلم أن هذا التعليل يشكل بقولهم: إذا نسخ الوجوب بقي الجواز"، وكأنه توهم أن الجواز تابع للوجوب، وقد حققنا في: بحث الأحكام أن الوجوب، والجواز بمعنى الإباحة المأخوذة من خطاب الشارع ضدان لا يجتمعان، وبمعنى البراءة الأصلية ليس حكمًا شرعيًا، فلا إشكال.
قوله: "ونسخ المخالفة، وإن تجردت عن أصلها لا الأصل دونها".
_________________
(١) = دون الأصل غير أن الأكثر على أن نسخ الأصل يفيد نسخ الفحوى" المشتمل على العكس أيضًا، فكأنه سرى إلى ذهن المصنف من غير تأمل أن الخلاف الثاني مفرع على الجواز من الأول، وليس كذلك، بل هو بيان المأخذ الأول المفيد أن الأكثر على الامتناع، فليتأمل! ". وقد أسهب العبادي في إبطال اعتراض الشارح على المصنف، مبينًا صحة كلام المصنف من عدة وجوه. قلت: ويمكن حمل ما ذكره أولًا على أنه اختياره، وما ذكره ثانيًا حكاية عمن قال به. راجع: مختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢٠٠، ونهاية السول: ٢/ ٥٩٦، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٨١، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٨٣، وتشنيف المسامع: ق (٧٧/ ب)، والغيث الهامع: ق (٧٨/ ب)، والآيات البينات: ٣/ ١٥١ - ١٥٢.
(٢) هو الإمام الزركشي في تشنيف المسامع: ق (٧٧/ ب).
[ ٢ / ٤٨٢ ]
أقول: يجوز نسخ مفهوم المخالفة، مع الأصل اتفاقًا (١)، ويجوز نسخ المفهوم دون الأصل (٢). لا العكس: لأنها تابع ضعيف لا استقلال له بدون الأصل.
وقيل: يجوز لأن رفع الملزوم لا يقتضي رفع اللازم.
والجواب: أن اللزوم هنا ليس عقليًا، كما في الفحوى، ولهذا لم يقل به كثير من العلماء، ولما ذكرنا من الضعف لم يجز النسخ بها عند الجمهور (٣).
قوله: "ونسخ الإنشاء، ولو كان بلفظ الخبر" إلى آخره.
أقول: من قال بجواز النسخ يقول بجوازه في الإنشاء من غير خلاف إذا كان بلفظ الإنشاء.
_________________
(١) كأن ينسخ وجوب الزكاة في السائمة، ونفيه في المعلوفة الدال عليهما في الحديث، الذي سبق ذكره في المفهوم، ثم يرجع الأمر في المعلوفة إلى ما كان قبل، مما دل الدليل العام بعد الشرع من تحريم للفعل إن كان مضرة، أو إباحة له إن كان منفعة، كما يرجع في السائمة إلى ما تقدم في مسألة إذا نسخ الوجوب بقي الجواز. راجع: المحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٨٤، وهمع الهوامع: ص/ ٢٣٦.
(٢) مثال نسخ مفهوم المخالفة دون أصله ما تقدم من حديث: "إنما الماء من الماء" منسوخ بقوله - ﷺ -: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل". مع أن الأصل باق، وهو وجوب الغسل بالإنزال، والمنسوح مفهومه، وهو أنه لا غسل عند عدم الإنزال. راجع: الإحكام للآمدي: ٢/ ٢٨٦، والمسودة: ص/ ٢٢٢، وفواتح الرحموت: ٢/ ٨٩، وروضة الناظر: ص/ ٨٠ - ٨١، ومختصر الطوفي: ص/ ٨٢، والغيث الهامع: ق (٧٨/ ب)، والآيات البينات: ٣/ ١٥٢، وإرشاد الفحول: ص/ ١٩٤.
(٣) ومذهب الشيخ أبى إسحاق الشيرازي الجواز، بل جعله الصحيح من القولين. راجع: اللمع: ص/ ٣٣، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٨٤، وهمع الهوامع: ص/ ٢٣٧.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
وأما إذا كان بلفظ الخبر - أي: يكون صورة اللفظ خبرًا، ومعناه إنشاء مثل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]-، فكذلك عند الجمهور: لأن مدار الأحكام الشرعية على المعنى دون اللفظ (١).
وكذا إذا قيد الإنشاء بالتأبيد مثل: صوموا أبدًا، وكذا إذا قال - بلفظ الخبر مثل -: الصوم واجب أبدًا (٢)، خلافًا للشيخ ابن الحاجب، فيما إذا كان قيد التأبيد مع الخبر (٣).
_________________
(١) وخالف الجمهور في هذا أبو بكر الدقاق من الشافعية، فقال: يمنع نسخه لكون لفظه لفظ الخبر، والخبر لا يبدل، وضعفه البناني بأن ذلك في الخبر حقيقة لا فيما صورته صورة الخبر، والمراد منه الإنشاء. راجع: اللمع: ص/ ٣١، والعدة: ٣/ ٨٢٥، والإحكام لابن حزم: ٤/ ٤٤٩، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٤٨٦، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٦٥، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٣٠٩، والعضد على ابن الحاجب: ٢/ ١٩٥، والمسودة: ص/ ١٩٦، وفواتح الرحموت: ٢/ ٧٥، وإرشاد الفحول: ص/ ١٨٨.
(٢) وهو مذهب الجمهور، وخالف في ذلك بعض الحنفية، وبعض المتكلمين. راجع: أصول السرخسي: ٢/ ٦٠، والبرهان للجويني: ٢/ ١٢٩٦ - ١٢٩٨، والتبصرة: ص/ ٢٥٥، والمعتمد: ١/ ٣٨٢، وفتح الغفار: ٢/ ١٣١، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٣١٠، والتلويح على التوضيح: ٢/ ٣٣، والمسودة: ص/ ١٩٥، وفواتح الرحموت: ٢/ ٦٨.
(٣) راجع: المختصر مع شرح العضد عليه: ٢/ ١٩٢، واختار هذا أبو زيد الدبوسي وأبو منصور الماتريدي، والجصاص، والسرخسي، والبزدوي. راجع: أصول السرخسي: ٢/ ٦٠، وكشف الأسرار: ٣/ ١٦٥، وفتح الغفار: ٢/ ١٣١، وتيسير التحرير: ٣/ ١٩٤، والأحكام للآمدي: ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
لنا - على الأول، وهو الإنشاء المقيد بالتأبيد -: أن دلالة التأبيد. على جميع أجزاء الزمان لا يزيد على النص على تلك الأجزاء، ومع التنصيص جائز، مثل أن يقول: صم غدًا، ثم يقول: لا تصم، وإذا جاز فيما هو نص، ففي الظاهر أولى.
قالوا: يوجب البداء، والتناقض، والشارع منزه عنهما.
قلنا: لا تناقض بين إيجاب الدوام، وبين عدم دوام (١) / ق (٨٤/ ب من أ) الإيجاب، إنما التناقض بين إيجاب الدوام، وعدم إيجابه: لأنه رفعه، وسلبه، فتأمل! .
وعلى الثاني - وهو ما إذا كان الوجوب في صورة الخبر -: أن ذلك الخبر إنما دل على الوجوب: لأنه في معنى الإنشاء، وقد برهنا على جوازه في الإنشاء.
قالوا: قوله: صوموا أبدًا، الأبد قيد للفعل، وقوله: الصوم/ ق (٨٦/ أمن ب) واجب أبدًا قيد للوجوب، والوجوب المقيد بالأبد لا يمكن رفعه بخلاف الفعل المقيد به، هذا خلاصة ما ذكره المحقق في شرحه، وفاقًا لابن الحاجب (٢).
وفيه نظر: لأن الشارع لو قال: صوم غد واجب عليكم، ثم قال: رفعت صومه، كان نسخًا، لم يخالف فيه أحد إذا كان معناه الإنشاء على ما ذكره ابن الحاجب في بحث نسخ الخبر (٣).
_________________
(١) آخر الورقة (٨٤/ ب من أ).
(٢) راجع: المختصر مع شرح العضد: ٢/ ١٩٢.
(٣) نفس المرجع: ٢/ ١٩٥.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
وأما أن الأبد قيد للوجوب في المسألة المذكورة، فلا يقيد شيئًا لأن النسخ إنما يتوجه إلى الوجوب الذي هو حكم، لا إلى فعل المكلف، فإذا صح توجيهه إليه، في الزمان المنصوص كالغد مثلًا، ففي غير المنصوص بالطريق الأولى.
قوله: "ونسخ الأخبار بإيجاب الإخبار بنقيضها".
أقول: نسخ الخبر له صورتان: أحدهما: إيقاعه، بأن يكلف الشارع أحدًا بأن يخبر عن شيء مثل: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ إلى آخر السورة [الكافرون: ١ - ٢]، ثم ينسخه.
وهذا يقع على وجهين: إما أن يرفعه مطلقًا، أو يرفعه بأن يكلفه الإخبار بنقيضه، مثل أن يقول له: قل: إن زيدًا قائم، ثم [قل] (١): إنه ليس بقائم، وفي هذا الثاني خلاف المعتزلة بناء على أصلهم الفاسد في الحسن، والقبح: لأن أحدهما كاذب (٢)، وقد علمت فساد مقالتهم (٣).
الثانية: نسخ مدلول الخبر، فإن لم يقبل التغير مثل وجود الباري، وحدوث العالم، فلا يجوز نسخه اتفاقًا (٤).
_________________
(١) سقط من (ب) وأثبت بهامشها.
(٢) راجع: الإحكام للآمدي: ٢/ ٢٦٥، والمعتمد: ١/ ٣٨٧ - ٣٨٩، وشرح العضد: ٢/ ١٩٥، ومناهج العقول: ٢/ ١٧٦، وفواتح الرحموت: ٢/ ٧٥، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٨٥، والآيات البينات: ٣/ ١٥٤، وتشنيف المسامع: ق (٧٧/ ب)، والغيث الهامع: ق (٧٩/ أ)، وهمع الهوامع: ص/ ٢٣٨، والدرر اللوامع للكمال: ق (١٨٣/ أ).
(٣) تقدم بيان ذلك في أول الكتاب عند الكلام على الحكم: ١/ ٢٢٦ - ٢٢٨.
(٤) لأنه يفضي إلى الكذب حيث يخبر بالشيء، ثم نقيضه، وهذا محال على الله تعالى. راجع: المسودة: ص/ ١٩٦.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وإن قبل مثل: إيمان زيد وكفره، فالجمهور على عدم جوازه أيضًا، وهو مختار الإمام المحقق إمامنا الشافعي ﵁، وأرضاه (١).
ومن ذهب إلى جوازه يخصه بغير الماضي: لأن نسخه غير معقول (٢).
ومنشأ وهمهم: أن الشارع إذا قال: أنتم مأمورون بصوم عاشوراء مثلًا يجوز نسخه (٣).
والجواب: أن المنسوخ هو الوجوب المستفاد من الأمر السابق، وأن هذا الكلام من الشارع إنشاء، وإن كان صورته خبرًا.
_________________
(١) وبهذا قال القاضي أبو بكر، والجبائي، وأبو هاشم، وجماعة من المتكلمين، والفقهاء. راجع: اللمع: ص/ ٣١، وأصول السرخسي: ٢/ ٩، والإيضاح لمكي بن أبي طالب: ص/ ٧٥، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٣٠٩، والتلويح على التوضيح: ٢/ ٣٣، وكشف الأسرار: ٣/ ١٦٣، وفتح الغفار: ٢/ ١٣١، وفواتح الرحموت: ٢/ ٧٥، وتشنيف المسامع: ق (٧٧/ ب)، والغيث الهامع: ق (٧٩/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٨٦، وهمع الهوامع: ص/ ١٣٨، والآيات البينات: ٣/ ١٥٤.
(٢) ومنهم من أجاز مطلقًا سواء كان ماضيًا، أو مستقبلًا، وعدًا، أو وعيدًا، أو حكمًا شرعيًا، وقد اختار هذا القول أبو الحسين البصري، والفخر الرازي، والآمدي، والقاضي أبو يعلى، وأبو عبد الله البصري، ونسب إلى الأكثر. راجع: المعتمد: ١/ ٣٩٠، والعدة: ٣/ ٨٢٥، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٤٨٦، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٦٦، والمسودة: ص/ ١٩٧، ونهاية السول: ٢/ ٥٧٧.
(٣) أما الشوكاني فله في المسألة تفصيل آخر، فبعد سرده للأقوال قال: "والحق منعه في الماضي مطلقًا، وفي بعض المستقبل، وهو الخبر بالوعد، لا بالوعيد، ولا بالتكليف. ." إرشاد الفحول: ص/ ١٨٩.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
وأما مضمون قوله: أنتم مأمورون، فلم يتوجه إليه نسخ.
قوله: "ويجوز النسخ ببدل أثقل، وبلا بدل".
أقول: النسخ ببدل أخف (١)، أو مساو (٢) لا خلاف فيه، إنما الخلاف ببدل أثقل، أو بلا بدل، والمختار جوازه (٣).
لنا - على الأول -: أن فعله تعالى لا يعلل، ولا يتبع مصلحة العبد، فيجوز أن ينسخ الأخف بالأثقل، ولو سلم، فلعل المصلحة في الأثقل، إذ هي أعم من الدنيوية، والأخروية.
_________________
(١) كوجوب مصابرة الواحد للعشرة، نسخ إلى وجوب مصابرة الواحد للاثنين، وذلك في الجهاد في سبيل الله، وقد تقدم ذكر ذلك.
(٢) كنسخ استقبال بيت المقدس، باستقبال الكعبة. راجع: صحيح البخاري: ٦/ ٧٩، والرسالة: ص/ ١٢٧، والجهاد لابن المبارك: ص/ ١٧٤، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: ص/ ٩٦، وأحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٨٧٧.
(٣) مذهب الجمهور الجواز، واختاره ابن حزم من الظاهرية. وذهب داود الظاهري، وبعض المعتزلة، وبعض الشافعية إلى المنع، ومنهم من أجازه عقلًا، ومنع منه سمعًا، والبعض منعه في العبادات. راجع: أصول السرخسي: ٢/ ٦٢، والبرهان: ٢/ ١٣١٣، واللمع: ص/ ٣٢، والتبصرة: ص/ ٢٥٨، والإشارات للباجي: ص/ ٦٥، والعدة: ٣/ ٧٨٥، والإحكام لابن حزم: ٤/ ٤٦٦، والمعتمد: ١/ ٣٨٤ - ٣٨٥، وكشف الأسرار: ٣/ ١٨٧، وفتح الغفار: ٢/ ١٣٤، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٣٠٨، والإبهاج: ٢/ ٢٣٩، ومناهج العقول: ٢/ ١٧٤، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٤٧٩، وروضة الناظر: ص/ ٧٦، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٦٠، والمسودة: ص/ ١٩٨.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
وأيضًا: الوقوع دليل الجواز، وقد نسخ صوم عاشوراء (١) برمضان (٢)، وقد نسخ التخيير بين الصوم والفدية في قضاء صوم رمضان بإيجاب، ولا شك أنه أثقل من التخيير (٣).
قالوا: نقلهم من الأخف إلى الأثقل بعيد عن المصلحة، فلا يصدر عن الحكيم.
قلنا: أولًا: منقوض بأصل التكاليف، وثانيًا: ربما علم الله المصلحة في ذلك، مع خفائها علينا، وثالثًا: أن رعاية المصلحة أصل قد أبطلناه.
_________________
(١) لما رواه البخاري، ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله - ﷺ - يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: "من شاء صامه، ومن شاء تركه". راجع: صحيح البخاري: ٣/ ٥٤ - ٥٥، وصحيح مسلم: ٣/ ١٤٦ - ١٤٧، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ: ص/ ١٣٤، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: ص/ ١٢٣.
(٢) أجمع المسلمون على أن صوم عاشوراء بعد فرض رمضان ليس واجبًا، بل سنة، واختلفوا في حكمه قبل فرض صوم رمضان: فذهب الأحناف إلى وجوبه، ثم نسخ بصيام رمضان، وهي رواية عن الشافعي، وأحمد. وذهب الشافعية، والحنابلة، وغيرهم، وهو صريح قول الشافعي إلى أنه لم يكن واجبًا قط. راجع: مرقاة المصابيح شرح مشكاة المصابيح: ٢/ ٥٥١، والمجموع للنووي: ٦/ ٣٨٣، والمغني لابن قدامة: ٣/ ١٧٤ - ١٧٥.
(٣) لما روى مسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "كنا في رمضان على عهد رسول الله - ﷺ - من شاء صام، ومن شاء أفطر، فافتدى بطعام مسكين حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ". وانظر صحيح مسلم: ٣/ ١٥٤.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
قالوا: قال تعالى: / ق (٨٥/ أمن أ) ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، والأثقل ليس بخير ولا مثل.
قلنا: خير باعتبار الثواب، إذ الأجر على قدر النصب، كما يختار الطبيب الدواء المر للمريض، مع وجود أطعمة شهية.
قالوا: قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
قلنا: في تلك القضية الخاصة، ولو سلم عمومه، فاليسر باعتبار الحساب المبني على كثرة الثواب، وهو بالأثقل أليق.
وعلى الثاني: وهو النسخ بلا بدل، فلأن رعاية المصلحة غير واجبة، كما تقدم، وإن قيل: بها، فلعل المصلحة في عدم البدل.
وأيضًا: لو لم يجز لم يقع، وقد وقع إذ (١) / ق (٨٦/ ب من ب) الصدقة بين يدى النجوى نسخت بلا بدل (٢)، وادخار لحوم
_________________
(١) آخر الورقة (٨٦/ ب من ب).
(٢) لحديث على ﵁ قال: "لما نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] قال النبي - ﷺ -: "ما ترى دينارًا؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فنصف دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟ قلت: شعيرة، قال: إنك لزهيد". قال: فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة: ١٣]، قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، وذكر الشوكاني أن ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبا يعلى، وابن المنذر، والنحاس، وابن مردويه أخرجوه عن علي ﵁. راجع: تحفة الأحوذي: ٩/ ١٩٢ - ١٩٤، وجامع البيان: ٢٨/ ١٥، وفتح القدير للشوكاني: ٥/ ١٩١.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
الأضاحي نسخ بلا بدل، والإمساك عن المباشرة بعد الفطر نسخ بلا بدل (١).
قالوا: قال تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].
قلنا: ربما كان عدم البدل خيرًا، بل هو الظاهر في التكاليف، وقد أشار المصنف إلى أنه جائز لكنه لم يقع على ما أشار إليه الإمام المحقق الشافعي ﵁ (٢).
والحق: أن الخلف لفظي إذ القائلون بالنسخ بلا بدل لم يريدوا أنه إذا نسخ، ولم يأت من الشارع نص يدل على حكم آخر، يبقى فعل المكلف خاليًا عن أحد الأحكام الخمسة، بل أرادوا أن النسخ يقع على وجهين:
إما أن يثبت بنص من الشارع بدله، كما في نسخ العدة بالحول، بأربعة أشهر وعشرًا، وكما في نسخ الحبس في البيوت إلى الموت في حد الزنى بالرجم (٣).
_________________
(١) يعني ما كان من تحريم مباشرة الصائم أهله ليلًا نسخ بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. راجع: أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٢٢٦، والاعتبار للحازمي: ص/ ١٣٨، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: ص/ ١٢٢، وفتح القدير للشوكاني: ١/ ١٨٧.
(٢) راجع: الرسالة: ص/ ١٠٩ - ١١٠.
(٣) يعني قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] نسخت بآية الرجم المنسوخة لفظًا، والباقية حكمًا، وطبق ذلك رسول الله - ﷺ - برجمه ماعزًا، والغامدية، واليهوديين، وقد تقدم ذلك.
[ ٢ / ٤٩١ ]
وإما أن ينسخ الحكم المستفاد من النص، ويرجع الأمر إلى ما كان عليه قبل ورود ذلك النص، كما في وجوب الصدقة بين يدي النجوى، وحل المباشرة بعد الفطر على ما كان [عليه] (١) الأمر قبل.
فالحاصل: أن النسخ يستلزم الانتقال من حكم شرعى إلى حكم آخر شرعي، وهذا متفق عليه.
وأما أن مراد الشافعي: أن كل ما وقع من النسخ، فلا بد، وأن يكون بدله مستفادًا من نسخ آخر، فكلا، وحاشاه من جلالة قدره أن يرتكب شيئًا من ذلك (٢).
قوله: "مسألة: النسخ واقع عند كل المسلمين".
أقول: كان الأولى ذكر هذه المسألة في صدر البحث حيث ذكر الجواز (٣) ليتلاءم الكلام. ثم نقول: الإجماع من أهل القبلة على أن
_________________
(١) سقط من (ب) وأثبت بهامشها.
(٢) قال الإمام الشافعي ﵀: "وليس ينسخ فرض أبدًا إلا أثبت مكانه فرض كما نسخت قبلة بيت المقدس، فأثبت مكانها الكعبة، وكل منسوخ في كتاب، وسنة هكذا" الرسالة: ص/ ١٠٩ - ١١٠. وظاهر كلامه عدم وقوع النسخ إلى غير بدل، ولذا وجه الشارح كلام الإمام فأحسن، كما وجهه غيره من قبل. راجع: تشنيف المسامع: ق (٧٨/ أ)، والغيث الهامع: ق (٧٩/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٨٨، وهمع الهوامع: ص/ ٢٣٩.
(٣) كما فعل ذلك غالب الأصوليين، كالغزالي، والرازي، وابن قدامة، والآمدي، والقرافي، وابن الحاجب، والبيضاوي، وابن عبد الشكور، وغيرهم.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
شرعنا ناسخ للشرائع قبلنا، والنسخ في القرآن والأحاديث أكثر من أن يحصى (١).
فإن قال ذلك تخصيص بحسب الأزمان لا نسخ، فالخلف معه لفظي، وإن أنكر أصل النسخ، فهو مباهت يعرض عنه.
والمختار: أن حكم الأصل إذا نسخ لا يبقى حكم الفرع بعده (٢).
_________________
(١) النسخ جائز عقلًا، وسمعًا باتفاق أهل الشرائع، وأنكرت وقوعه عقلًا الشمعونية من اليهود، كما أنكرت وقوعه سمعًا لا عقلًا العنانية منهم، وقد نسب هذا إلى أبي مسلم الأصفهاني من المعتزلة، والتحقيق - في مذهبه -: أنه مع جمهور أهل السنة القائلين بجواز النسخ عقلًا، وشرعًا، غاية الأمر أن أبا مسلم سماه: تخصيصًا: لأنه قصر للحكم على بعض الأزمان، فهو تخصيص في الأزمان كالتخصيص في الأشخاص، فالخلاف لفظي كما قال المصنف، والشارح، والزركشي، والمحلي، والأشموني، والعراقي، وغيرهم. راجع: التبصرة: ص/ ٢٥١، والمعتمد: ١/ ٣٧٠، والمفصل في الملل والأهواء والنحل: ١/ ٩٩، والملل والنحل: ١/ ٢١٥، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٤٤٠، وروضة الناظر: ص/ ٦٩، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٤٥، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٣٠٣، والمختصر مع شرح العضد: ٢/ ١٨٨، والإبهاج: ٢/ ٢٢٧، ورفع الحاجب: (٢/ ١٣٢/ ب)، وكشف الأسرار: ٣/ ١٥٧، وفواتح الرحموت: ٢/ ٥٥، وتشنيف المسامع: ق (٧٨/ أ)، والغيث الهامع: ق (٧٩/ أ)، وهمع الهوامع: ص/ ٢٣٩، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٨٩، والنسخ في القرآن الكريم لمصطفى زيد: ١/ ٢٧، وفتح المنان في نسخ القرآن لعلي حسن العريض: ص/ ١٤٣.
(٢) يعني إذا ورد النسخ على أصل مقيس عليه ارتفع القياس عليه بالتبعية عند الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وجمهور الحنفية، وغيرهم ونسب خلاف ذلك إلى بعض الحنفية، ويرى صاحب فواتح الرحموت أن هذه النسبة لا تثبت عن الأحناف. =
[ ٢ / ٤٩٣ ]
وإذا قلنا: لا يبقى هل يسمى نسخًا له، أم يقال: زال بزوال علته، وليس بنسخ، إليه جنح الشيخ ابن الحاجب، وتبعه المصنف، والأمر فيه سهل لأنه نزاع لفظي.
لنا - على المختار - أن حكم الأصل إنما نسخ لعدم اعتبار علة الأصل في نظر الشارع، وعلة حكم الأصل هي علة ثبوت الحكم في الفرع، والمعلول لا بقاء له بدون علته.
قالوا: الدلالة باقية، وإنما زال حكم الأصل، وحكم الفرع مبني على الدلالة، كما ذكرتم في نسخ المنطوق مع بقاء الفحوى بعينه.
الجواب: أن الزائل شيئان حكم الأصل مع الحكمة المعتبرة، ولا وجود للحكم في الفرع بدون تلك الحكمة، ولا كذلك المنطوق مع
_________________
(١) = وقد مثلوا لهذه المسألة بنسخ التوضؤ بالنبيذ النيء، فيتبعه المطبوخ خلافًا للحنفية، وكذا صوم عاشوراء كان واجبًا - عند الأحناف - وقد أجزأ بنية من النهار، فكذلك كل صوم معيّن مستحق، ثم نسخ وجوبه، وبقي حكمه في غيره. وقال المجد بن تيمية: "وعندي إن كانت العلة منصوصًا عليها لم يتبعه الفرع إلا أن يعلل في نسخه بعلة، فيثبت النسخ حيث وجدت العلة". المسودة: ص/ ٢٢٠. وراجع: اللمع: ص/ ٣٣، والتبصرة: ص/ ٢٧٥، والبرهان للجويني: ٢/ ١٣١٣، وأصول السرخسي: ٢/ ٨٤، والعدة: ٣/ ٨٢٠، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٥٣٧، وروضة الناظر: ص/ ٨٠، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٨٢، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٣١٦، وشرح العضد على المختصر: ٢/ ٢٠٠، ونهاية السول: ٢/ ٥٩٧، وكشف الأسرار: ٣/ ١٧٤، وفواتح الرحموت: ٢/ ٨٦، والآيات البينات: ٣/ ١٤٩، وهمع الهوامع: ص/ ٢٤٠، وإرشاد الفحول: ص/ ١٩٣.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
الفحوى، إذ لا يشك أحد في أن رفع تحريم التأفيف لا يقتضي رفع تحريم الضرب، إذ الأضعف لا يستتبع الأقوى، وما نحن فيه ليس كذلك، لمساواة الفرع والأصل في العلة المعتبرة.
قوله: "وأن كل شرعي يقبل النسخ".
أقول: (١) / ق (٨٥/ ب من أ) المختار جواز نسخ جميع التكاليف، خلافًا للغزالي ﵀ وللمعتزلة.
لنا: أن أصل التكليف غير واجب عقلًا، فيجوز رفع كله، كما يجوز رفع بعضه.
الغزالي: رفع جميع التكاليف مستلزم لنقيضه، لأن رفع الجميع يستلزم وجوب معرفة النسخ والناسخ، وهو تكليف، وكل ما استلزم نقيضه فهو باطل، وإلا يلزم اجتماع النقيضين (٢).
الجواب: يعرف الناسخ والنسخ ابتداء، ثم يعلم أن لا تكليف عليه، وبه/ ق (٨٧/ أمن ب) يتم مطلوبنا: لأن وجوب معرفة النسخ والناسخ مطلق لم يقيد بدوام، والمطلق يصدق وقوعه مرة، كما إذا قلت: زيد ضاحك بالفعل، فإنه يصدق بوقوع الضحك منه مرة.
_________________
(١) آخر الورقة (٨٥/ ب من أ).
(٢) راجع: المستصفى: ١/ ١٢٢.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
والمعتزلة: لما كان حسن الفعل، وقبحه ذاتيين عندهم، فمثل معرفة الله تعالى لا يجوز نسخه (١)، وقد أبطلنا ذلك الأصل في بحث الأحكام (٢).
قوله: "والمختار أن الناسخ قبل تبليغه".
أقول: الحكم الذي بلغه جبريل، ولم يبلغه رسول الله - ﷺ - هل يكون ناسخًا في حق الأمة قبل علمهم، فيه خلاف، والمختار عدم (٣) ثبوته.
_________________
(١) الخلاف المذكور في المسألة في الجواز العقلي أما الوقوع، فهم مجمعون على أنه لم يحصل. راجع: الإحكام لابن حزم: ٤/ ٤٥١، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٩٢، وشرح العضد: ٢/ ٢٠٣، ونهاية السول: ٢/ ٦١٦، وكشف الأسرار: ٣/ ١٦٣، وفواتح الرحموت: ٢/ ٦٧، والمسودة: ص/ ٢٠٠، وتشنيف المسامع: ق (٧٨/ أ - ب)، والغيث الهامع: ق (٧٩/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٩٠، وهمع الهوامع: ص/ ٢٤١، والآيات البينات: ٣/ ١٥٩، وإرشاد الفحول: ص/ ١٨٦.
(٢) تقدم بيان ذلك في أول الكتاب: ١/ ٢٢٨.
(٣) اتفق الجميع على أنه لا حكم للناسخ، مع جبريل ﵇ قبل أن يبلغه إلى النبي - ﷺ -، فإذا بلغه للنبي - ﷺ - لم يثبت حكمه قي حق من يبلغه عند الجمهور لأنهم أخذوا بقصة أهل قباء في القبلة، وذلك أن أهل قباء صلوا ركعة إلى بيت المقدس، ثم استداروا في الصلاة، ولو كان النسخ ثبت في حقهم لأمروا بالقضاء، فلما لم يؤمروا بالقضاء دل على أن النسخ لم يكن ثبت في حقهم. وقيل: يثبت في الذمة، وهو مذهب بعض الشافعية قياسًا على النائم وقت الصلاة. راجع: اللمع: ص/ ٣٥، والرهان: ٢/ ١٣١٢، والتبصرة: ص/ ٢٨٢، والعدة: ٣/ ٨٢٤، والمستصفى: ١/ ١٢٠، وروضة الناظر: ص/ ٧٧، ومختصر الطوفي: ص/ ٧٩، والمسودة: ص/ ٢٢٣، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٨٣، والقواعد لابن اللحام: ص/ ١٥٦.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
لنا: لو ثبت لأدى إلى وجوب وحرمة في محل واحد.
بيانه: أن الحكم المنسوخ إذا كان وجوبًا، والناسخ حرمة، فلو ترك العمل بالأول أثم؛ لأنه ترك الواجب. والفرض أن العمل به حرام.
وأيضًا: لو عمل بالثاني، وهو واجب قبل العلم به، وهو معتقد عدم شرعيته أثم.
وأيضًا: لو ثبت حكمه قبل تبليغ الرسول لثبت قبل تبليغ جبريل، إذ هما سواء في عدم علم المكلف بوجود الناسخ.
قالوا: علم المكلف ليس بشرط، كما إذا بلغه إلى مكلف واحد، فإنه ثبت في حق جميع المكلفين.
الجواب: أن العلم، وإن لم يكن شرطًا، لكن التمكن من العلم شرط، وهو شرط التكليف (١). ولما كان الامتثال مع عدم التمكن من العلم محالًا، ذهب بعضهم إلى أنه يثبت بمعنى الاستقرار في الذمة مثل وجوب الصلاة على النائم، والفرق ظاهر.
قوله: "أما الزيادة على النص".
_________________
(١) راجع: شرح العضد: ٢/ ٢٠١، ونهاية السول: ٢/ ٦١١، وفواتح الرحموت: ٢/ ٨٩، وتشنيف المسامع: ق (٧٨/ ب)، والغيث الهامع: ق (٧٩/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٩٠، والآيات البينات: ٣/ ١٥٩، وهمع الهوامع: ص/ ٢٤١.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
أقول: زيادة عبادة مستقلة مثل: صلاة سادسة ليس بنسخ عند من يعتد به (١)
وقيل: نسخ لأنه يبطل اسم الوسطى، مع وجوب المحافظة عليها.
قلنا: يبطل الاسم، فالمحافظة على المسمى، وهو الحكم الشرعي باق.
وأما زيادة جزء لعبادة، أو شرط هل هو نسخ؟ ذكر المصنف أنه ليس بنسخ خلافًا للحنفية (٢).
_________________
(١) زيادة العبادة المستقلة نوعان: إما أن تكون من غير الجنس كزيادة وجوب الزكاة، أو وجوب الصوم على وجوب الصلاة، أو على وجوب الحج، فليست نسخًا إجماعًا وإما أن تكون من الجنس كما مثل الشارح، ففيه خلاف، فذهب الأئمة الأربعة، ومن تبعهم إلى أنها ليست بنسخ. وقال بعض أهل العراق يكون نسخًا، بزيادة صلاة سادسة، فتخرج الوسطى عن كونها وسطى، فيبطل وجوب المحافظة عليها الثابت في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وهو حكم شرعي، فيكون نسخًا، وذكر العلامة الشوكاني أنه قول باطل لا دليل عليه، ولا شبهة دليل، إذ المراد بالوسطى الفاضلة لا المتوسطة في العدد، ولو سلم ذلك لم تكن تلك الزيادة مخرجة لها عن كونها مما يحافظ عليها. راجع: المحصول: ١/ ق/ ٣/ ٥٤١، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٨٥، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٣١٧، وشرح العضد: ٢/ ٢٠١، وكشف الأسرار: ٣/ ١٩١، ونهاية السول: ٢/ ٦٠٠، ومناهج العقول: ٢/ ١٨٩، وإرشاد الفحول: ص/ ١٩٥.
(٢) ذهب جمهور المالكية، والشافعية، والحنابلة، والجبائية إلى أنها ليست بنسخ وذهبت الحنفية إلى أنها نسخ إذا وردت متاخرة عن المزيد عليها، ونقل هذا عن الشافعي، وفي المسألة أقوال أخرى أوصلها البعض إلى سبعة أقوال. =
[ ٢ / ٤٩٨ ]
قال: ومثار الخلاف شيء واحد، وهو أن الزيادة هل ترفع حكمًا شرعيًا، أو لا؟
عند القائلين: نسخ لصدق حده عليه، وعند المانعين لا رفع، فلا نسخ، وعليه تبتنى الفروع عند الفريقين (١).
ثم التحقيق في هذا المقام أن العلة لكونه نسخًا، لما كان رفع الحكم الشرعي، فالحكم بأن الزيادة مطلقًا عند الشافعية ليست بنسخ غير مستقيم؛ لأن الشافعي لما قال: إن مفهوم المخالفة حجة، ونفى الزكاة عن المعلوفة، فلو جاء نص بوجوب الزكاة على المعلوفة كان ناسخًا لذلك الوجوب قطعًا، والزيادة على الركعتين في صلاة الفجر، لما كانت محرمة، فلو جاء نص بزيادة ركعة أخرى فيها كان نسخًا لتلك الحرمة، وهى حكم شرعي قطعًا.
_________________
(١) = راجع: اللمع: ص/ ٣٥، والتبصرة: ص/ ٢٧٦، وأصول السرخسي: ٢/ ٨٢، والبرهان: ٢/ ١٣٠٩، والمعتمد: ١/ ٤٠٥، والمستصفى: / ١١٧، والمسودة: ص/ ٢٠٧، ومختصر الطوفي: ص/ ٧٧، وروضة الناظر: ص/ ٧٣، والعدة: ٣/ ٨١٤، والزيادة على النص لشيخنا الدكتور عمر عبد العزيز حفظه الله: ص/ ٢٧.
(٢) بني على هذا الاختلاف فروع كثيرة كالاختلاف في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، واشتراط الإيمان في الرقبة المعتقة، وإيجاب النية في الوضوء، وغيرها كثير. راجع: فتح الغفار: ٢/ ١٣٥، وكشف الأسرار: ٣/ ١٩١، والتلويح على التوضيح: ٢/ ٣٦، وفواتح الرحموت: ٢/ ٩٢ - ٩٣، وتشنيف المسامع: ق (٧٨/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٩١، والغيث الهامع: ق (٨٠/ أ)، وهمع الهوامع: ص/ ٢٤٣.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
وحيث لا يرفع حكمًا شرعيًا مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثم جاء/ ق (٨٦/ أمن أ) النص بالشاهد، واليمين (١)، فلا نسخ.
فإن قيل: مفهوم الآية أن الاستشهاد منحصر في رجلين، ورجل وامرأتين، ويلزم منه نفي الغير بمعنى أنه غير مطلوب.
وأما أنه غير صحيح، فلا، ولو كان مفهومًا من الآية ما قضى رسول الله - ﷺ - بشاهد ويمين، هذا حكم الزيادة.
وأما النقص في العبادة مثل إسقاط ركعة الفجر، أو (٢) اشتراط الطهارة في الصلاة، حكم المصنف بأن الخلاف فيه كالخلاف في (٣) / ق (٨٧/ ب من ب) الزيادة، يريد أن الصحيح أنه ليس بنسخ (٤)، وقد
_________________
(١) روى مسلم، ومالك، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني عن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ -: "قضى بيمين، وشاهد". راجع: صحيح مسلم: ٥/ ١٢٨، والموطأ: ص/ ٤٤٩، وسنن أبي داود: ٢/ ٢٧٧، وتحفة الأحوذي: ٤/ ٥٧٢، وسنن ابن ماجه: ٢/ ٦٦، وسنن الدارقطني: ٤/ ٢١٢، وجامع الأصول: ١٠/ ١٨٤، والأحناف لا يقولون بذلك بناء على قولهم: إن أخبار الآحاد لا يعمل بها في زيادتها على القرآن. راجع: فواتح الرحموت: ٢/ ٩٢، وهمع الهوامع: ص/ ٢٤٢.
(٢) يعني أو إسقاط اشتراط الطهارة في الصلاة.
(٣) آخر الورقة (٨٧/ ب من ب).
(٤) أي: لا ينسخ أصل العبادة، وهذا مذهب أكثر الشافعية، ومذهب الحنابلة وبه قال الكرخي، وأبو الحسين البصري. =
[ ٢ / ٥٠٠ ]
علمت الجواب هناك، وهنا - أيضًا - كذلك، إلا أن في النقصان لم يرفع حكم شرعي ليكون نسخًا.
فإن قلت: إذا نسخ الركعتان من الظهر مثلًا يحرم فعلهما، فقد ارتفع الوجوب إلى الحرمة، فيكون نسخًا.
قلت: نسخ، ولكن للجزء، وهما الركعتان اللتان نقصا، لا الباقيتان، فإن وجوبهما هو الوجوب الثابت بالدليل الأول.
وقيل: نقص الجزء نسخ لتلك العبادة دون الشرط.
وقيل: الشرط المنفصل نسخ دون المتصل، والحق ما قدمناه.
قوله: "خاتمة يتعين الناسخ بتأخره".
أقول: لمعرفة الناسخ طرق بعضها صحيحة، وبعضها فاسدة، فمن الأول: نص الشارع عليه بأن يقول: هذا ناسخ لذاك إما صريحًا كالمثال
_________________
(١) = وذهب الغزالي، وبعض المتكلمين، وحكى عن الحنفية أنه نسخ لأصل العبادة. وقال القاضي عبد الجبار: إن نسخ الجزء نسخ للكل، ونسخ الشرط ليس نسخًا للمشروط سواء كان متصلًا كالاستقبال، أم منفصلًا كالوضوء، وقيل: إن المنفصل ليس نسخًا إجماعًا. راجع: التبصرة: ص/ ٢٨١، واللمع: ص/ ٣٤، والإشارات: ص/ ٦٢، والعدة: ٣/ ٨٣٧، والمعتمد: ١/ ٤١٤، والمستصفى: ١/ ١١٦، والمحصول: ١/ ق/ ٣/ ٥٥٦، وروضة الناظر: ص/ ٧٥، والإحكام للآمدي: ٢/ ٢٩٠، وشرت تنقيح الفصول: ص/ ٢٢٠، والمسودة: ص/ ٢١٢ - ٢١٣، وكشف الأسرار: ٣/ ١٧٩، وفواتح الرحموت: ٢/ ٩٤، وشرح العضد: ٢/ ٢٠٣، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٩٣، وهمع الهوامع: ص/ ٢٤٣، وإرشاد الفحول: ص/ ١٩٦.
[ ٢ / ٥٠١ ]
المذكور، وإما يلزم منه مثل: أن يقول: كنت نهيتكم عن الشيء الفلاني، فافعلوه.
وبالعلم بالتأريخ مثل: أن يكون أحد النصين مؤرخًا بغزوة بدر (١) والآخر بغزوة تبوك (٢).
أو بالإجماع على تقدم أحدهما، وتأخر الآخر.
_________________
(١) بدر: موضع بالقرب من المدينة المنورة على مسافة خمسين ومئة كم في الطريق منها إلى جدة، ومكة المكرمة، وهو الموضع الذي شهد أول الوقائع الحربية الكبرى في الإسلام، وأهمها، وقد سماها الله تعالى بـ (يوم الفرقان)، وكانت وقعتها في سبعة عشر من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وكان عدد المسلمين فيها أربعة عشر رجلًا وثلاث مئة، من المهاجرين ثلاثة وثمانون، ومن الأوس واحد وستون، ومن الخزرج سبعون ومئة رجل، وكان عدد المشركين فيها قرب الألف رجل إضافة إلى عدتهم المتفوقة، فكتب الله النصر لجنده، وانتهت المعركة بنصر المسلمين، وهزيمة الكافرين. راجع: معجم البلدان: ١/ ٣٥٧، ومعجم ما استعجم: ١/ ٢٣١، ومراصد الاطلاع: ١/ ١٧٠، وسيرة ابن هشام: ١/ ٦٧٨ - ٧٠٨، والروض الأنف: ٥/ ٢٥٣ - ٣٤٦، والطبقات الكبرى لابن سعد: ٣/ ٥، وغزوة بدر الكبرى لأحمد باشميل.
(٢) تبوك: بالفتح، ثم الضم، وواو ساكنة، وكاف: قرية بين وادي القري، والشام بها عين ماء، ونخل، وكان لها حصن خرب، وإليها انتهى النبي - ﷺ - في غزوته المنسوبة إليها كان قد بلغه أنه تجمع إليها الروم، ولخم، وجذام، فوجدهم قد تفرقوا، ولم يلق كيدًا، وأقام بها ثلاثة أيام، وكانت في رجب سنة تسع من الهجرة. راجع: معجم ما استعجم: ١/ ٣٠٣، ومراصد الاطلاع: ١/ ٢٥٣، وسيرة ابن هشام: ٢/ ٥١٥.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
أو بقول الراوي العدل الثقة: هذا مقدم على ذاك (١).
ومن الطرق الفاسدة قول الراوي - صحابيًا كان، أو غيره - هذا ناسخ لذاك إذ ربما قاله اجتهادًا، ولا يجب على مجتهد آخر اقتفاءه.
ومنها: حداثة سن الراوي، لا يلزم أن يكون مرويه ناسخًا لمروي من هو أسن منه؛ لأنه ربما سمعه متأخرًا.
ومنها: تأخر إسلامه لما ذكرناه من جواز تأخر سماعه.
ومنها: موافقته للبراءة الأصلية بأن يقال: لو تقدم لم يفد إلا ما كان قبل، فيعرى عن الفائدة، وإنما كان فاسدًا لأن تأخره يوجب تغييرين، والأصل عدمهما.
وما يقال - أيضًا -: بأن تأخره يوجب نسخين، فليس بشيء؛ لأن البراءة الأصلية ليست حكمًا شرعيًا حتى يكون رفعهما نسخًا، ولا تأخره في المصحف إذ ترتيب المصحف ليس على وفق النزول (٢).
_________________
(١) راجع: اللمع: ص/ ٣٤، والإحكام لابن حزم: ٤/ ٤٥٩، والعدة: ٣/ ٨٣١، والمعتمد: ١/ ٤١٦، والمستصفى: ١/ ١٢٨، وأدب القاضي للماوردي: ١/ ٣٦٤، والاعتبار للحازمي: ص/ ١٠، وروضة الناظر: ص/ ٨١، والمسودة: ص/ ٢٢٨، وفتح الغفار: ٢/ ١٣٦، ومختصر الطوفي: ص/ ٨٣، وشرح العضد: ٢/ ١٩٦.
(٢) راجع: الإحكام للآمدي: ٢/ ٢٩٢، وفواتح الرحموت: ٢/ ٩٥ - ٩٦، ونهاية السول: ٢/ ٦٠٧، وتشنيف المسامع: ق (٧٩/ أ)، والغيث الهامع: ق (٨٠/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٩٣، والآيات البينات: ٣/ ١٦٧، والدرر اللوامع للكمال: ق (١٨٥/ ب - ١٨٦/ أ)، وشرح تنقيح الفصول: ص/ ٣٢١، وإرشاد الفحول: ص/ ١٩٧.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
تأليف
الإمام شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني
(٨١٢ هـ - ٨٩٣ هـ)
تحقيق
د/ سعيد بن غالب كامل المجيدي
[الجزء الثالث]
[ ٣ / ٩٦٧ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٣ / ٢ ]
[ ٣ / ٣ ]
(ح) الجامعة الإسلامية، ١٤٢٨ هـ.
فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر
المجيدي، سعيد بن غَالب كَامِل
الدُّرَر اللوامع فِي شرح جمع الْجَوَامِع للكوراني/ سعيد بن غَالب كَامِل المجيدي - الْمَدِينَة النورة، ١٤٢٨ هـ.
٢٨٨٠ ص؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك: ٢ - ٥٨٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠
١ - أصُول الْفِقْه
أ - العنوان
ديوي ٢٥١
٣٦٢٠/ ١٤٢٨
رقم الْإِيدَاع: ٣٦٢٠/ ١٤٢٨
ردمك: ٢ - ٥٨٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠
جَمِيع حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للجَامعة الإسْلاميَّة بِالْمَدِينَةِ المنوَّرة
[ ٣ / ٤ ]