هو تصنيفٌ رائقٌ بديعٌ، وَضَعَه مُؤَلِّفُه -﵀- على كتابِ «مُختصر التَّحريرِ» بعباراتٍ متوسِّطةٍ لا طويلةٍ ولا قصيرةٍ، وأسلوبٍ سهلٍ بسيطٍ يَصِلُ إلى الطَّالبِ بيُسْرٍ، ظَهَرَتْ فيه مكانةُ الإمامِ البعليِّ -﵀- ورُسوخُ قَدَمِه في هذا الفنِّ البديعِ.
وقد أبانَ -﵀- في مُقَدِّمَةِ كتابِه «الذُّخرُ الحريرُ» عن منهجِه، فقالَ: لَمَّا رَأَيْتُ الكتابَ الموسومَ بـ «مُختصَر التَّحريرِ» -للشَّيخِ الإمامِ العالمِ تقيِّ الدِّينِ محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ النَّجَّارِ الفُتُوحِيِّ، اختَصَرَه مِن «تحريرُ المنقولِ وتَهذيبُ عِلْمِ الأصولِ» للشَّيخِ الإمامِ المُنقِّحِ علاءِ الدِّينِ المَرْدَاوِيِّ رَحِمَهما اللهُ تَعالى- مُشتملًا على قواعدَ كثيرةٍ، وفوائدَ عظيمةٍ، ومعَ ذلك شَرَحَه مُصَنِّفُه شرحًا عظيمًا، لكنَّه أطالَ في بعضِ المواضعِ، وتَرَكَ أُخْرى بلا حلٍّ لمَعانيها رَغِبْتُ أنْ أَشْرَحَه شرحًا مختصَرًا تَسْهُلُ قِراءتُه، لكونِ بعضِ أسيادي سَأَلَني ذلك، ولا يَسَعُني مُخالفتُه؛ فأَجَبْتُه لذلك مُسْتَثنيًا؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (^١) معَ عَجزي واعتِرافِي بالقُصورِ مِن رُتبةِ الخوضِ في تلك المسالكِ، واسْتَخَرْتُ اللهَ تعالى وطَلَبْتُ منه المعونةَ والتَّدبيرَ، وسَمَّيْتُه: «الذُّخْرُ الحَرِيرُ بِشَرْحِ مُخْتَصَرِ التَّحريرِ»، وأَسْأَلُ اللهَ النَّفعَ به، كما نَفَعَ بأصْلِه، إنَّه على ما يَشاءُ قديرٌ. اهـ
_________________
(١) الكهف: ٢٣ - ٢٤.
[ ٢٥ ]
قُلْتُ: وقد استفادَ -﵀- مِن كتبِ أهلِ العِلمِ ممَّن سَبَقُوه في شرحِ «مختصر التَّحريرِ» أو ألَّفوا وكَتَبُوا وأَبْدَعُوا عامَّةً في عِلمِ الأصولِ، وممَّن استفادَ منهم:
المَردَاوِيُّ صاحبُ المختصرِ نفسِه في شرحِه «التَّحبيرُ في شرحِ التَّحريرِ» وهو العمدة في كتابه، وابنُ مفلحٍ في «أصولِه»، وابنُ حمدانَ في «مُقنعِه»، والآمِدِيُّ في «الإحكامُ في أصولِ الأحكامِ»، والطُّوفِيُّ في «شرحُ مُختصَرِ الرَّوضةِ»، وابنُ قاضي الجبلِ في مصنَّفِه في الأصولِ، والقَرافيُّ في «شرحُ التَّنقيحِ»، والشَّمسُ البِرْمَاوِيُّ في «الفوائدُ السَّنِيَّةُ في شرحِ الألفيَّةِ»، والغَزَّالِيُّ، والكُورانِيُّ، والأرمويُّ، وغيرُهم مِن أهلِ العِلمِ، كما ستَجِدُه فيه بإذنِ اللهِ تَعالى.
وبعضُ هذه المواردِ الَّتي نَقَلَ عنه الإمامُ البَعْلِيُّ -﵀- واستفادَ مِنها لم يَصِلْنا ولم نَقِفْ عليه، وهو مِن ميزاتِ كتابِه.
والكتابُ مُهمٌّ مفيدٌ لكلِّ طالبِ عِلمٍ، جَزَى اللهُ مُؤلِّفَه خيرَ الجزاءِ، ونَفَعَنا جميعًا به.
أثنى عليه ابنُ بدرانَ في «المدخلُ إلى مذهبِ الإمامِ أَحمد» (ص: ٤٦١) فقالَ: ثمَّ إنَّ مُصنِّفَه (يَعني مصنفَ مختصرِ التَّحريرِ) شَرَحَه في مجلَّدٍ، وسَمَّاه «الكوكبُ المنيرُ في شرحِ مختصرِ التَّحريرِ»، ثمَّ شَرَحَه الشَّيخُ أحمدُ البَعليُّ وسَمَّاه «الذُّخرُ الحريرُ شرحُ مختصرِ التَّحريرِ»، وهذانِ الشَّرحانِ يُفيدانِ المُتوسِّطَ في هذا الفنِّ. اهـ
وقالَ العلَّامةُ ابنُ شطِّيٍّ -﵀- في «مختصر طبقات الحنابلة» (ص: ١٤٥): وقد ألَّف شيخُنا مُؤلَّفاتٍ نافعةً؛ مِنها «ذُخرُ الحريرِ بشرحِ مختصرِ التَّحريرِ».
وكذا قال الغزِّيُّ في «النَّعتُ الأكملُ» (ص: ٣١٠).
[ ٢٦ ]