الثَّاني: النَّقيضانِ، كوُجودِ الحركةِ مَعَ السُّكونِ، والأوَّلُ إمَّا أنْ يَختلِفَا في الحقيقةِ أو لا، الأوَّلُ الضِّدَّانِ، والثَّاني المِثْلانِ.
فائدةٌ: حَصْرُ المعلوماتِ في هذه الأربعةِ كلِّها حَتَّى لا يَخرُجَ منها شيءٌ إلَّا ما تَوَحَّدَ اللهُ به وتَفَرَّدَ، فإنَّه لَيْسَ ضِدَّ الشَّيءِ، وَلَا نقيضًا، وَلَا مِثْلًا، وَلَا خِلافًا؛ لتَعَذُّرِ الرَّفعِ، وهذا حُكمٌ عامٌّ في صفاتِه العُلَى وذاتِه؛ لتَعذُّرِ رَفعِها بسببِ وجوبِ وجودِها.
(وَكُلُّ شَيْئَيْنِ حَقِيقَتاهُمَا):
(١) (إمَّا مُتَسَاوِيَتَانِ) كالإنسانِ والضَّاحكِ بالقُوَّةِ، فإنَّه (يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ كُلِّ) حقيقةٍ (وُجُودُ) الحقيقةِ (الأُخْرَى وَعَكْسُهُ) أي: ويَلْزَمُ مِن عدمِ كلِّ واحدٍ مِنهما عدمُ الأُخرى، فلا إنسانَ إلَّا وهو ضاحكٌ بالقُوَّةِ، وَلَا ضاحكَ بالقُوَّةِ إلَّا وهو إنسانٌ، ونَعني بالقُوَّةِ: كَوْنَه قابلًا ولو لم يَقَعْ، ويُقابِلُه الضَّاحكُ بالفعلِ وهو المُباشِرُ للضَّحِكِ.
(٢) (أَوْ مُتَبَايِنَتَانِ) كالإنسانِ والفَرَسِ، (لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ) فما هو إنسانٌ لَيْسَ بفَرسٍ، وما هو فرسٌ فليسَ بإنسانٍ، فيَلْزَمُ مِن صِدقِ أَحدِهما على مَحَلٍّ عدمُ صِدقِ الآخَرِ.
(٣) (أَوْ إِحْدَاهُمَا أَعَمُّ مُطْلَقًا، وَالأُخْرَى أَخَصُّ مُطْلَقًا) كالحيوانِ والإنسانِ (تُوجَدُ إِحْدَاهُمَا مَعَ وُجُودِ كُلِّ أَفْرَادِ الأُخْرَى) فالحيوانُ أَعَمُّ مُطلقًا؛ لصِدقِه على جميعِ أفرادِ الإنسانِ، فلا يُوجَدُ إنسانٌ بدونِ حيوانيَّةٍ البَتَّةَ، فيَلْزَمُ مِن وجودِ الإنسانِ الَّذِي هو أخصُّ مطلقًا وجودُ الحيوانِ الَّذِي هو أعمُّ (بِلَا عَكْسٍ) أي: فلا يَلْزَمُ مِن عدمِ الإنسانِ عدمُ الحيوانِ؛ لأنَّ الحيوانَ قد يَبْقى موجودًا في الفَرسِ وغيرِه، فهو أعمُّ مِن الإنسانِ.
[ ٧١ ]
(٤) (أَوْ إِحْدَاهُمَا أَعَمُّ) منَ الحقيقةِ الأُخرى (مِنْ وَجْهٍ، وَالأُخْرَى أَخَصُّ) منها (مِنْ وَجْهٍ) آخَرَ، كالحيوانِ والأبيضِ، (تُوجَدُ كُلُّ) واحدةٍ مِن الحقيقتَينِ (مَعَ) الحقيقةِ (الأُخْرَى، وَبِدُونِهَا) أي: يَجتمعانِ في صورةٍ، وتَنفردُ كلُّ واحدةٍ مِنهما عنِ الأُخرى بصورةٍ، فإنَّ الحيوانَ يُوجَدُ بدونِ الأبيضِ في السُّودانِ، ويُوجَدُ الأبيضُ في الثَّلجِ وغيرِه مِمَّا لَيْسَ بحيوانٍ، ويَجتمعانِ في الحيواناتِ البِيضِ، فلا يَلْزَمُ مِن وجودِ الأبيضِ وجودُ الحيوانِ، وَلَا مِن وجودِ الحيوانِ وجودُ الأبيضِ، وَلَا مِن عدمِ أحدِهما عدمُ الآخَرِ، فلا جَرَمَ لا دَلَالةَ فيهما مُطلقًا لا في وجودِه، وَلَا في عَدَمِه، بخلافِ الأعمِّ مُطلقًا، يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الحيوانِ عدمُ الإنسانِ، ومِن وجودِ الإنسانِ الَّذِي هو أخصُّ وجودُ الحيوانِ، وَلَا يَلْزَمُ مِن عدمِ الأخصِّ عَدَمُ الأعمِّ؛ لأنَّ الحيوانَ قد يَبْقى موجودًا في الفَرَسِ وغيرِه مِن الأنواعِ.
وفائدةُ هذه القاعدةِ: الاستدلالُ ببعضِ الحقائقِ على بعضٍ، والتَّمثيلُ في المُتساوِيَينِ بالرَّجمِ وزنا المُحصَنِ، بناءً على أنَّ اللَّائطَ لا يُرجَمُ، أمَّا لو فَرَّعْنا على أنَّه يُرجَمُ، كانَ الرَّجمُ أعمَّ مِنَ الزِّنا عمومًا مطلقًا، كالغُسْلِ، والإنزالِ المُعتبَرِ، فإنَّ الغُسْلَ أعمُّ مُطلقًا لوجودِه بدونِ الإنزالِ في انقطاعِ دمِ الحيضِ، والتقاءِ الختانَينِ، وغيرِ ذلك مِن أسبابِ الغُسلِ.
قالَ في «شرحِ الأصلِ»: الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ حَدَّ اللُّوطِيِّ كَحَدِّ الزِّنَا (^١) سَوَاءٌ، فَيَحْتَاجُ إِلَى مِثَالٍ غَيْرِ ذَلِكَ (^٢).
_________________
(١) في «التَّحبير شرح التَّحريرِ»: الزَّاني.
(٢) «التحبير شرح التحرير» (٥/ ٢٢٥٤).
[ ٧٢ ]