ص
_________________
(١) المعتزلة: الإيمان؛ التصديق. وفي الشرع: العبادات، لأنها الدين المعتبر. والدين: الإسلام، والإسلام: الإيمان. بدليل ﴿ومن يبتغ﴾ فثبت أن الإيمان: العبادات. وقال: [٣٨/ب] ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين﴾ إلى آخرها. وعورض بقوله: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾. قالوا: لو لم يكن لكان قاطع الطريق مؤمنًا، وليس بمؤمن، لأنه مخزي، بدليل ﴿من تدخل النار فقد أخزيته﴾، والمؤمن لا يُخزى بدليل: ﴿يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه﴾. وأجيب: بأنه للصحابة، أو مستأنف. ش استدل المعتزلة على أن الأسماء الدينية موضوعات مبتدأه لا تعلق لها بالمفهومات اللغوية. وتقريره: أن الإيمان في اللغة: التصديق. وفي الشرع: العبادات، أي فعل الواجبات.
[ ١ / ٢٦٨ ]
أما الأول: فبالنقل عن أئمة اللغة، وأما الثاني، فلأن العبادات هي الدين المعتبر، والدين المعتبر هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان، فالعبادات هي الإيمان.
أما أن العبادات هي الدين المعتبر فلقوله
_________________
(١) تعالى : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعبُدُوا اللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ (٥)﴾، أي دين الملة المستقيمة، ووجه ذلك أنه ذكر العبادات، ثم أشار إليها بأنها هي الدين المستقيم، وهو المعتبر من الأديان لا محالة. وأما أن الدين المعتبر هو الإسلام فلقوله تعالى : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسلَامُ﴾، أخبر أن الدين عند الله، يعني المعتبر هو الإسلام. وأما أن الإسلام هو الإيمان، فلأن الإيمان مقبول من مبتغيه وغير الإسلام ليس
[ ١ / ٢٦٩ ]
بمقبول من مبتغيه، لقوله
_________________
(١) تعالى : ﴿وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلَامِ دِينا فَلَن يُقبَلَ مِنهُ (٨٥)﴾، فالإيمان ليس غير الإسلام وفيه نظر؛ لأن القياس المذكور ينتج العبادات هي الإيمان، وليس ذلك مطلوبهم، وإنما مطلوبهم: الإيمان هو العبادات. وإن عكست النتيجة صارت: بعض الإيمان العبادات، ولا يحصل به المطلوب على أنه استدلال في التعريف، وهو فاسدٌ. ثم ذكر دليلًا آخر لهم على أن الإسلام هو الإيمان، ووجه ذلك: أن الله تعالى استثنى المسلم من المؤمن في قوله: ﴿فَأَخرَجنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدنَا فِيهَا غَيرَ بَيت مِّنَ المُسلِمِينَ (٣٦)﴾ وبيانه أن ﴿﴿غير﴾﴾ في قوله ﴿غَيرَ بَيت﴾ إما أن تحمل على ظاهره، أو معنى ﴿﴿إلا﴾﴾ أو على أمر ثالث وهو باطل، فتعين أحد الأولين و﴿﴿ظاهره﴾﴾ كذلك؛ لاستلزامه أن يكون عدم الوجدان ثابتًا بالنسبة إلى ﴿غَيرَ بَيت مِّنَ المُسلِمِينَ (٣٦)﴾ وهو باطل؛ لأن الوجدان ثابت بالنسبة إلى غير بيت المسلمين، فإن بيوت الكفار غير بيت من المسلمين وقد وجدت فتعين حمله على ﴿﴿إلا﴾﴾ فيكون استثناءً مفرغًا، ومعناه: فما وجدنا فيها أحدًا من المؤمنين إلا أهل البيت من المسلمين وهو استثناء المسلمين من المؤمنين، فدل على أن الإسلام هو الإيمان. وكان المناسب
[ ١ / ٢٧٠ ]
أن يذكر هذا الدليل تلي قوله: ﴿ومن يبتغ﴾ وكأنه أخرهُ لاختصاصه بالمعارضة المذكورة بعد قوله: ﴿﴿وعُوْرِضَ﴾﴾ بقوله
_________________
(١) تعالى : ﴿قُل لَّم تُؤمِنُوا [٣٩/أ] وَلَكِن قُولُوا أَسلَمنَا﴾. وتقريرها: ما ذكرتم من الآيتين وإن دل على أن الإسلام هو الإيمان ولكن عندنا ما ينفيه، وهو أن الإسلام لو كان هو الإيمان لما ثبت عند سلب الإيمان. وإلا لزم اجتماع النقيضين، لكن ثبت بالنص فلا يكون هو هو. وأجيب: بأن الثابت هو الإسلام، بمعنى الاستسلام وهو الإذعان والانقياد، كالذي كان عليه المنافقون، وليس الكلام فيه. وقالت المعتزلة أيضًا : لو لم يكن الإيمان في الشرع العبادات، أي فعل الواجبات، لكان قاطع الطريق مؤمنًا، لقيام الإيمان به حينئذٍ وهو تصديق النبي ﷺ بما علم مجيؤه به إذ لا قائل بالفصل لكنه ليس بمؤمن، لكونه مخزى، والمؤمن لا يخزى فقاطع الطريق ليس بمؤمن، أما أنه مخزى؛ فلأنه يدخل النار لقوله تعالى : ﴿وَلَهُم فِي الأخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾، وكل من دخل النار فهو مخزى لقوله
[ ١ / ٢٧١ ]
تعالى
_________________
(١) : ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدخِلِ النَّارَ فَقَد أَخزَيتَهُ﴾. وأما أن المؤمن لا يخزى، فلقوله تعالى : ﴿يَومَ لَا يُخزِي اللَّهُالنَّبِيَّوَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾. وأجيبوا: بأنا لا نسلم انتفاء التالي، والقياس المذكور في بيانه غير مستقيم؛ لأن الكبرى وهو قوله: ﴿﴿والمؤمن لا يخزى﴾﴾ لا يصدق كلية وهي شرط في الشكل الأول. وقوله تعالى : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ مخصوص بالصحابة لخصيصهم بالمعية، ولا يلزم كون المؤمنين المصاحبين غير مخزيين أن يكون غيرهم كذلك. هذا على تقدير أن يكون ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوفًا على ما قبله. وإن كان مبتدأ خبره ﴿نُورُهُم يَسعَى﴾ فلم يبق لهم اتصال بمحل النزاع أصلًا. ولقائل أن يقول: استدلالهم هذا مبني على أصل لهم، وهو: أنه لا فرق في هذا المعنى بين المصاحبين وغيرهم؛ لأن صاحب الصغيرة من المؤمنين ليس ممن يدخل النار عندهم، وصاحب الكبيرة الغير تائب ليس من المؤمنين، والتائب منهم لا يدخل النار، كمن لا ذنب له، فلم يبق فرق بين المصاحب وغيره في عدم الخزي، وإنما التفاوت بينهما في ارتفاع الدرجات، وعلى هذا لا يكون الجواب صحيحًا. ص مسألة: المجاز واقع، خلافًا للأستاذ. بدليل الأسد للشجاع، والحمار
[ ١ / ٢٧٢ ]