والثاني: أن الشكر على نعم الله كالاستهزاء به، كمن شكر ملكًا عظيمًا على لقمة وصلت إليه من جهته، بل اللقمة بالنسبة إلى الملك أعظم قدرًا من الدنيا كلها بالنسبة إلى الله
_________________
(١) تعالى فربما يكون الشكر حينئذٍ سببًا للعقاب فكان العقاب محتملًا. ولقائل أن يقول: على الأول احتمال العقاب بترك الشكر، إما أن يكون واقعًا في نفس الأمر، أو لا. فإن كان الأول فالأمن منه من أجلّ الفوائد، وإن كان الثاني لزم أن تكون مواعدة الأنبياء بعد مجيئها على خلاف ما في الواقع وذلك باطل، بخلاف الشكر فإن الأنبياء لم يواعدوا عليه أصلًا. لا يقال: الأنبياء لم يخبروا إلا بعد ورود الشرع، وليس الكلام فيه؛ لأن الاحتمال هو الامكان فلا يتحدد. وأن يقول: التصرف في ملك الغير بغير إذنه لا يجوز مطلقًا، أو إذا تضرر به الغير. والأول ممنوع، والثاني مسلم، لكنه لا يتضرر، وسيجئ في كلامه. وأن يقول: إن أريد بالإذن، إذن الشرع فهو عين النزاع، وإن أريد غيره، فلم لا يجوز أن يكون الاقتضاء العقلي إذنًا. وأن يقول: احتمال العقاب إنما يكون بارتكاب قبيح، والقبح إن كان شرعيًا فخلاف المفروض، وإن كان عقليًا لزم مدعاهم. وأما مسألة: الحكم على الأشياء قبل الشرع: فمذهب الأشاعرة: أن الأفعال قبل الشرع لا حكم لها؛ ضرورة عدم
[ ١ / ٣٤٣ ]
الشرع، وبطلان الحسن والقبح العقليين.
وأما المعتزلة فقالوا: الأفعال إما أن تكون اضطرارية كالتنفس ونحوه، أو لا، ولا بد من قطع الإباحة في الأول.
والثاني: إما أن يقضي العقل فيها بحسن وقبح، أو لا.
واختلفوا في الثاني على مذاهب ثلاثة:
الأول: الحظر، وهو مذهب معتزلة بغداد.
والثاني: الإباحة، وهو مذهب معتزلة البصرة.
والثالث: التوقف، لهم.
وأفاد بقوله: ﴿﴿لهم﴾﴾ أن هذا الاختلاف بين المعتزلة القائلين بوجود الحكم قبل الشرع، لا بين الأشاعرة كما تقدم. ونبه بقوله: ﴿﴿ثالثها﴾﴾ على أن ثمة مذهبين آخرين، وإذا كان الثالث التوقف يعلم أن أحد الأولين الحظر والآخر الإباحة.
والأول: أعني الذي يقضي العقل فيه بحسن أو قبح
_________________
(١) ينقسم عندهم إلى الأقسام الخمسة؛ لأن قضاء العقل فيها إما بالحسن أو بالقبح والأول إما أن لا يترجح وجوده على تركه وهو المباح. أو يترجح وجوده. وحينئذٍ إما أن يذم تاركه وهو الواجب أو لا وهو المندوب. والثاني: إما أن يذم فاعله وهو الحرام. أو لا وهو المكروه.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وأفاد أيضًا
_________________
(١) بقوله: ﴿﴿عندهم﴾﴾ أن هذه الأقسام الخمسة تحققها قبل الشرع إنما هو على رأي المعتزلة. واعلم أن المصنف لم يتعرض لإبطال مذهبهم في الأفعال الاضطرارية لأن نفي الإباحة عنها لا يشبه أوضاع الملّة الحنفية السهلة السمحة البيضاء. ولا لإبطال الأفعال الاختيارية التي يقضي العقل فيها بحسن أو قبح، اكتفاءً بما قيل في إبطال قاعدة الحسن والقبح وإنما تعرض للتي لم يقض بشيء منهما فبدأ بإبطال مذهب الحاظر بما تقريره: أنها لو كانت محظورة، أي محرمة قبل الشرع، وفرضنا ضدين كالحركة والسكون، لزم التكليف بالمحال، لامتناع خلو المحل عنها، والتالي باطل. وفيه نظر؛ لأن التكليف لا يكون إلا بالعقل أو الشرع، والفرض عدمهما فكان غلطًا صرفًا. ولأن مثل تلك الصورة تكون من الضروريات، وليس الكلام فيها. والأستاذ أبو إسحاق رد مذهب هذه الطائفة بتمثيل إقناعي قال: إذا ملك جواد بحرًا لا ينزف، أي لا ينفد ماؤه، وأحب مملوكه قطرة منه. فكيف يدرك تحريمه عقلًا؟ يعني أنه لا يتصور منع الجواد مملوكه عن تلك القطرة. فكذلك الباري تقدس ذاته المالك المطلق لا يمنع مملوكه من الاستلذاذ بنعمه. ولقائل أن يقول: هذه خطابة لم تفد شيئًا؛ لأن الحكم بالعدم إما أن يكون بالعقل أو بالشرع، والفرض عدمهما. والقائلون بالحظر قالوا: مباشرة الأفعال المذكورة تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وهو حرام كما في الشاهد، وهذا كلام باطل، لِمَا مَرّ أن الفرض عدم محرم شرعي وعقلي. وأجاب المصنف بأن كون التصرف حرامًا في ملك الغير بغير إذنه لا يكون إلا
[ ١ / ٣٤٥ ]
بالشرع ولا شرع.
ولئن سلم أنه ليس بالشرع بل بالعقل ولكنه [٥٤/أ] حرام إذا تضرر الغير به، وأما إذا لم يتضرر كالاستضلال بجدار الغير والاقتباس بناره فلا. ولئن سلم حرمته مطلقًا، لجواز أن يتضرر المتصرف به آجلًا، لكنه معارض بالضرر الناجز، أي الحاضر؛ فإن الترك يوجب الضرر في الحال، ودفعه واجب. وهذا كله باطل؛ لِمَا مَرّ من عدم الحاكم.
ص
_________________
(١) وإن أراد المبيح أن لا حرج، فمسلم. وإن أراد خطاب الشارع فلا شرع. وإن أراد حكم العقل بالتخيير فالفرض أنه لا مجال للعقل فيه. قالوا: خلقه وخلق المنتفع به، فالحكمة تقتضي الإباحة. قلنا: إنه معارض بأنه ملك غيره وخلقه ليصبر فيثاب. وإن أراد الواقف أنه وقف لتعارض الأدلة ففاسد. ش هذا إبطال مذهب القائل بالإباحة. وتقريره: المبيح إن أراد بكونه مباحًا أن لا حرج في الفعل والترك فهو مسلم لعدم الحاكم بالحرج، وإن أراد بالإباحة خطاب الشارع وهو الإذن الشرعي في الفعل مع نفي الحرج فلا إباحة قبل الشرع، وإن أراد بالإباحة حكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك، فلا إباحة؛ إذ الكلام في الأفعال التي ليس للعقل فيها مدخل. وفيه نظر؛ لجواز أن يلتزم الخصم الوجه الأول، وحينئذٍ يكون الإبطال باطلًا. وقال القائلون بالإباحة: خلق ما ينتفع به، وخلق من ينتفع به وذلك لا يخلو
[ ١ / ٣٤٦ ]
عن حكمة وإلا كان عبثًا، والحكمة منه حصول الفائدة وهي لا تكون للخالق لتعاليه عنها فتعين المنتفع به لها بالالتذاذ أو الاجتناب، أو الاستدلال على الصانع، وكل ذلك بالتناول فكان مباحًا وفيه نظر؛ لأنه مبني على نفي العبث وقد عرفت ما فيه.
وقوله: وكل ذلك بالتناول. ليس بصحيح؛ لأن الاستدلال قد يكون من جهة الباصرة لا من جهة الذائقة.
وأجاب المصنف بمعارضة ومناقضة:
أما المعارضة: فبأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيحرم وفيه نظر، أما أولًا: فلأنه أبطله حين استدل به القائل بالحظر. وأما ثانيًا: فلأن الحاكم بالحرمة غير موجود.
وأما المناقضة: فهي أنا نمنع عدم الانتفاع بدون التناول، لجواز أن يكون خلقه ليصبر المكلف على ترك التناول فيثاب على الصبر. وفيه نظر؛ لأن الحاكم بهذا الجواز إما العقل أو الشرع، والفرض خلافهما.
وقوله: ﴿﴿وإن أراد الواقف﴾﴾ بيان إبطال مذهب الواقف.
وتقريره: الواقف عن الحكم بالحظر والإباحة، إن وقف لتعارض أدلة الحظر والإباحة ففاسد؛ لأن التعارض إنما يكون بين موجودين وقد بينا بطلانهما. وإن وقف لأن الحكم بهما موقوف على الشرع، والمفروض خلافه كان حقًا وفيه نظر؛ لأن الوقف لذلك مناقض لمذهبهم، فكيف يقف به؟ على أن القسمة غير حاصرة، لجواز أن يقف باعتبار أن [٥٤/ب] المُحَسّن إننا هو العقل، والفرض في أفعال لا تدخل تحت حكمه فلا بد من الوقف.
[ ١ / ٣٤٧ ]