وأجيبوا: بأن اللفظ علامة للمعنى لا معرف له، ويجوز أن ينصب لشيء واحد علامات كثيرة.
وفيه نظر؛ لأن العلم يحصل بأحدهما فالآخر يكون إعلاما للمعلوم ولا فائدة فيه، والحق أن هذا الدليل فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه راجع إلى أنه لا فائدة فيه، وهو عين الأول.
والثاني: أنه إنما يتم أن لو كان الواضع واحدا، ووضع الثاني ذاكرا لوضع الأول أما لو تعدد الواضع، أو نسى الواحد فليس بتام وهو ظاهر.
ص- مسألة: الحد والمحدود، ونحو عطشان نطشان غير مترادفين على الأصح؛ لأن الحد يدل على المفردات، ونطشان لا يفرد.
ش- اختلف الناس في أن الحد والمحدود، كالحيوان الناطق والإنسان، والمتبوع والتابع، والتأكيد اللفظي، نحو زيد زيد، هل هي من المترادفات أو لا؟.
فمنهم من ذهب إلى أنها منها بناء على اتحاد الدلالة على المطلوب، لكنه إنما يتم في المتبوع والتابع، كعطشان نطشان، وخراب يباب، إذا كان كل واحد من اللفظين موضوعا لذلك، كالأسد والسبع، وقد التزم هؤلاء ذلك.
ومنهم من ذهب الى أنها ليست منها واختاره
[ ١ / ٢٢٧ ]
المصنف -﵀- وقال: لأن الحد يدل على الماهية فكان مدلول الحد غير مدلول المحدود، فلا يتحقق الترادف وقال: ونطشان لا يفرد، يعنى عن عطشان عند الاستعمال، وكل مترادف يفرد فنطشان غير مترادف، وفيه بحث من أوجه.
الأول: أن قوله: الحد لا يدل على الماهية يريد به مع حده الصوري أو بمادته فقط، والأول فاسد؛ لأن الحد إنما هو لتعريف الماهية ولا يعرفها بغير دلالة عليها، والثاني صحيح، ولا يفيده، لجواز أن يكون مرادفا بصورته.
الثاني: أن قوله: وكل مترادف يفرد دعوى، لا بد له من بيان لجواز أن الخصم لا يلتزم ذلك في الترادف، بل هو الظاهر.
الثالث: أن "زيد زيد" أظهر ورودا، وليس في كلامه ما يدفعه.
الرابع: أن إيراد هذا البحث بتصدير ذكر المسألة ليس من الحذق في معرفة الأصول؛ لأن المسألة على ما مر مطلوب يبرهن عليه في العلم إن كان كسبيا. والمستنبط (٣١/أ) للأحكام الشرعية ليس له احتياج إلى معرفة أن هذه الألفاظ من المترادفة أولا بالقصد الأولي. فكان الأحسن أن يذكر تعريف الترادف على وجه يخرج عنه جميع هؤلاء كما صنعنا فإنا عرفناه: بتساوي لفظين في الدلالة على مدلول واحد بالوضع فخرج الحد والمحدود لعدم تناوبهما في الدلالة، إذ المحدود يدل إجمالا والحد تفصيلا، والمتبوع والتابع؛ لأن المتبوع يدل منفردا وغير منفرد، والتابع ليس كذلك، والمؤكد يدل مع
[ ١ / ٢٢٨ ]
إيضاح دون المؤكد.
ص- مسألة: يقع كل من المترادفين مكان الآخر؛ لأنه بمعناه، ولا حجر في التركيب.
قالوا: لوصح لصح "خذاى أكبر".
وأجيب: بالتزامه، وبالفرق باختلاط اللغتين.
ش- واختلفوا -أيضا- في أن أحد المترادفين يصح أن يقع مكان الآخر أولا.
قال بعضهم: لا يقع، واختار المصنف وقوعه، لوجود المقتضى وانتفاء المانع. أما وجود المقتضى؛ فلأن المعنى واحد، وإذا كان المعنى واحدا حصل المقصود من استعمال أيهما كان.
وأما انتفاء المانع؛ فلأنه لا حجر في التركيب بعد حصول المقصود من المعنى.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وقال المانعون: لو استعمال أحد المترادفين مكان الأخر لصح "خذاى أكبر" والملازمة ظاهرة. وبيان التالي اجتهادي يتم على قول من يقول: لا تنعقد به الصلاة.
وأجيبوا: بمنع انتفاء التالي على مذهب أبي حنيفة ومن تابعه.
وهذا الجواب يقتضي صدق عموم الدعوى، وهو وقوع أحدهما مقام الآخر سواء كان المترادفين من لغتين أو من لغة واحدة، وتمنع الملازمة بالفرق بين المترادفين من لغة، وبينهما من (لغتين)، لجواز الأول، لعدم المانع وعدم الثاني، لوجوده، وهو اختلاط مهمل بمستعمل نظرا إلى كل واحد من اللغتين،
[ ١ / ٢٣٠ ]
واعلم أن ما ورد عليه من تصدير البحث بذكر المسألة فيما قبلها وارد عليه ههنا، وإن كان لابد من تصديره بفاصل كان الأنسب ذكر تنبيه؛ لأنه منذ كان قد علم جواز استعمال أحدهما مكان الآخر في فائدة وقوع المترادف.
[ ١ / ٢٣١ ]