بالذاتيات أو بغيرها وقد تقدم.
وعن الثالث: بأن القواعد لم تتناول خبر الواحد والقياس لذاتهما، بل من حيث أفادتهما الظن فهما من حيث كذلك معلومان والظن فيما أفاداه.
ص- وأما حده مضافًا: فالأصول الأدلة، والفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال.
ش- أي حد أصول الفقه من حيث أنه مضاف لا من حيث أنه لقب، ولما فرغ من تعريفه لقبًا بين تعريفه مضافًا، وتعريفه كذلك لا يكون إلا بمعرفة المضاف والمضاف إليه فقال: "الأصول الادلة".
والأصول جمع أصل، وهو: ما يحتاج إليه الشيء.
وقيل: ما يبنى عليه الشيء.
والأدلة السمعية المعهودة أصول بالمعنيين جميعا؛ لأنها تحتاج إليها الفروع
[ ١ / ٩٨ ]
ويبنى عليها.
وقال الفقه: "العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال ". وقد تقدم حد العلم، وأن نوعًامن العلوم لا يعرف إلا بذكر متعلقة، ومتعلق علم الفقه الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال. وما قيل في بيان متعلق مطلق العلم: أنه الذوات. أن كان مقتضيا لنسبة مفيدة، أو الصفات، أن كان مقتضيا لنسبة مفيدة، أو الصفات، أن لم يكن ضعيف؛ لأن المراد بالصفة أن كان ما يتناول الكم والكيف والوضع والمتاوالأينوالإضافة والملك والفعل
[ ١ / ٩٩ ]
والانفعال، فالأفعال والصفات والأحكام داخلة فيه، وأن أراد بعض ذلك فالقسمة ليست بحاصرة، بل متعلق مطلق العلم هو المقولات العشر.
والأحكام جمع حكم، وهو: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير. وأما "جمع" إشارة إلى أقسامه وهي: الوجوب والندب، والحرمة، والكراهة، والإباحة على ما سيأتي. والجهة الموجبة لنسبتها إلى الشرع كون تعلقها أو كون العلم بتعلقاتها مستفادا منه.
والجهة الموجبة لنسبتها إلى الفرع كون أدلتها التفصيلية متفرع عن الأدلة الأصولية أو كونها متعلقة بالعمل الذى هو فرع العلم والأدلة التفصيلية هي الأمارات وإذا عرف هذا.
فقوله: "العلم" كالجنس، وقوله: "بالأحكام" يخرج غيرها من المتعلقات كالذوات والصفات والأفعال.
وقوله: الشرعية " يخرج العقلية.
وقوله: "الفرعية" يخرج الأصولية (٤/أ) وقوله: "عن أدلتها التفصيلية" يخرج
[ ١ / ١٠٠ ]
علم الله - تعالى- ورسوله، وعلمنا بوجوب الصلاة والزكاة، والحج، لأن علم الله ورسوله ليس عن الأدلة، وعلمنا بها ضروري غير محتاج إلى الدليل.
وقوله "بالاستدلال" يخرج اعتقاد المستفتي.
وليس المراد بعلمها تصورها، لأنه من مبادىْ أصول الفقه، ولا التصديق بثبوتها في أنفسها لأنه من مسائل الكلام، بل المراد به التصديق بكونها متعلقة بالأفعال. كقولنا: شرب النبيذ حرام، وأمثال ذلك والمراد بالتصديق: القدر المشترك بين الظن والتقليد واليقين، وهو الاعتقاد الراجح لا اليقين خاصة، لأنه لو كان كذلك لم يتناول العلم اعتقاد المستفتي فلم يحتج إلى قيد يخرجه وكان قيد الاستلال ضائعا.
(ولو رود) الشبهة المشهورة وهي: أن الفقه من باب الظنون لأنه مستفاد من الأدلة الظنة، والمستفاد من الظن ظني فكيف يكون علمًا؟.
[ ١ / ١٠١ ]
وأجيب عن الأول: بأن المستفتي فبل الفتوى ليس بمعتقد، وبعده اعتقاده مستند إلى علم المجتهد، وهو أن كان قطعيا فاعتقاده كذلك، وأن كان ظنيا لم يكن العلم متناولا لعلم المجتهد فتخصيص الكلام باعتقاد المستفتي غير موجه.
وعن الثاني: بأنا لا نسلم الفقه من باب الظنون؛ لأن المراد بالعلم بالأحكام العلم بوجوب العمل بها، وهو ثابت بدليل قطعي لحصوله للمجتهد من مقدمتين قطعيتين، إحداهما: أن هذا الحكم مظنون، وهي ضرورية.
والثانية: أن كل مظنون يجب العمل به بالإجماع. ويلزم من ذلك هذا الحكم يجب العمل به قطعا، إلا أن الظن وقع في طريقه، لأنه وقع محمولا في الصغرى موضوعا في الكبرى، ولا يلزم من كون المحمول ظنيا كون القضية ظنية.
[ ١ / ١٠٢ ]
وضعف الأول: بأن اعتقاد المستفتي وعلم المجتهد إذا كانا متساويين كان إبطال أحدهما إبطالا للآخر فيكون الكلام متوجها نظرا إلى المقصود.
والثاني، بوجوه أقواها ما قيل: لا نسلم أن الإجماع يفيد القطع؛ لأنه مبنى على الأدلة الظنية، سلمنا أن أدلته قطعية، لكنه يفيد القطع إذا بلغنا بالتوتر، وهو ممنوع، هذا أقوى ما ذكروه في هذا الموضوع وأوضحه وهو كما ترى يفيد أن المراد بالعلم التصديق بالمعنى الأعم.
وأقول: المراد " بالعلم" ههنا هو التصور، و"بالأحكام" أقسام خطاب الله الخمسة، وقوله: "الشرعية" أي المنسوبة إلى الشرع بمعنى الشارع.
وقوله: "الفرعية" أي المتعلقة بأفعال المكلفين بالاقتضاء والتخيير، و"الادلة التفصيلية" هي الامارات؛ أي الأسباب كحدوث العالم لوجوب الإيمان وأوقات الصلاة لوجوبها فيها، وتحريم إخراجها عنها، وكراهتها عند تأخيرها إلى الوقت المكروه، وشهر رمضان لوجوب (٤/ب) الصوم فيه وتحريم تأخيره عنه، ويوم العيد لكراهته فيه، ويومعرفه وعاشوراء لانتدابه فيه وملك النصاب لوجوب الزكاة، والبيت للحجيج، والنكاح لحل وطاء الزوج وحرمة نكاح غيره،
[ ١ / ١٠٣ ]
والتوقان لوجوبه، واعتدال الحال لإباحته، وخوف الجور لكراهته والطلاق لحرمة وطاء من كان جائزا له، وحالة الحيض لكراهته، والعتاق لخروج الملك وجوبه وحرمة استخدامه بغير رضاه، والبيع لوجوب
[ ١ / ١٠٤ ]
خروج المبيع عن ملك البائع ووجوب الثمن على المشترى، والاجارة لإباحة الانتفاع للمستأجر بعد ما لم يكن وحرمته على الاجر بعد حله، وتعاطى المحظورات لما رتب عليها من عقوبة أو دية أو كفارة، أو غير ذلك، ما يطول شرحه من الامور التي تفيد أحد الأقسام الخمسة.
وقوله: "بالاستدلال"؛ أي الحاصلة بالاستدلال من الأدلة السمعية على ذلك الامارات، ويكون المعنى: الفقه تصور خطاب الله - تعالى- المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء والتخبير عن الأسباب الحاصلة بالاستدلال عليها من الادلة السمعية، وهو من هذه الحيثية مبادئ أصول الفقه، على ما سيجاء.
ولا يرد الفقه من باب الظنون لأنه مستفاد من الادلة الظنية؛ لأنه إذا كان تصورا لا يستدل عليه بظني ولا بغيره.
واعلم أن قوله: "وأما حده مضافًا" ليس بمستقيم لا لفظا ولا معنى.
أما لفظا: فلأن ضمير "حده" لأصول الفقه، فيكون تقديره: وأما حد أصول الفقه من حيث أنه مضاف إلى شيء، وأصول الفقه ليس بمضاف إلى شيء، وأن جعلت "مضافا" مصدرا بمعنى الإضافة كان المعنى: أصول الفقه من حيث إضافة إلى شيء، أو من حيث إضافة شيء إليه، وكلاهما ليس بمراد ولا صحيحا، وأن جعلت تقديره: "حد أصول الفقه"، أي هذا اللفظ المركب من حيث إضافة بعض أجزائه إلى بعض لا يصح.
[ ١ / ١٠٥ ]
قوله: "فالأصول: الأدلة" لأن الأدلة ليست حده من حيث أن بعض أجزائه مضاف إلى بعض آخر، بل من حيث أن المتكلم أراد من هذا اللفظ مدلول هذا الآخر، فليس إلا تعريفًا لفظيًا كتعريف الغضنفر بالأسد.
وأما معنى: فلأن حد أصول الفقه من حيث أنه مضاف على وجه كان ليس ما يحتاج إلى ذكره في هذا المختصر.
ص- وأورد: أن كان المراد البعض لم يطرد؛ لدخول المقلد. وأن كان الجميع لم ينعكس، لثبوت "لا أدرى".
ش- يعني أورد على حد الفقه بفقد أحد أمرين لا بد من وجودهما في كل حد أغنى الاطراد والانعكاس، فأن الحد يجب أن يكون مساويا للمحدود؛ لأن الأخص أخفي، والأعم لا دلالة (له) على الأخص أصلا.
فحينئذ يجب تحقق (٥/أ) المحدود عند تحقق الحد، وهو الاطراد، وانتفاؤه عند انتفائه، وهو الانعكاس.
فالألف واللام في قوله: "بالأحكام"، إما أن يراد بهما جميع الأحكام أو بعضها فإن أريد الثاني لم يطرد؛ إذ المقلد عالم بالبعض، فيصدق عليه حد الفقه فيكون علمه
[ ١ / ١٠٦ ]
فقهًا، لكنه ليس كذلك، لأنه لا يسمي فقيها.
وأن أريد الأول، لم ينعكس؛ لأنه الأئمة المجتهدين فقهاء لا محالة، ولم يعلموا جميع الفقه، فأن مالكا ﵀ سئل عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين منها: لا أدرى، ولم يخالف أحد في كونه فقيها إمام دار الهجرة.
ص- وأجيب: بالبعض، ويطرد؛ لأن المراد بالأدلة: الأمارات. وبالجميع: وينعكس؛ لأن المراد تهيؤه للعلم بالجميع.
ش- أجيب عن هذا الإيراد على كل واحد من الشقين فقيل المراد: البعض والمقلد ليس بداخل؛ لأن المراد البعض الحاصل من الأدلة التفصيلية بالاستدلال وما
[ ١ / ١٠٧ ]
للمقلد ليس كذلك، وإلا لم يكن مقلدا. وعبارة المصنف قاصرة عن البيان على هذا الوجه، وتقدير كلامه: بأن المراد بالأدلة الأمارات، وعلم المقلد ليس بالأمارات، ليس بكاف؛ لأنه يفيد أن المراد بالأدلة ليس علم المقلد، وليس بمراد، بل المراد: أن المراد بالأحكام ماكان حاصلا بالإمارات، وفقه المقلد ليس كذلك.
والتكلف الزائد في تصحيحه يفضى إلى كونه من الألغاز، هذاعلى الشق الأول.
وعلى الثاني: فيقال: المراد "بالأحكام جميعها"، التهيؤ للعلم بجميعها، والتهيؤ له كذلك لا ينافيه لا أدرى، لجواز أن يقول ذلك عند تعارض الأدلة، قبل التمكن من الاجتهاد مع وجود التهيؤ وهو: الاستعداد القريب إلى الفعل عند حصول الطرق. وفي كلامه نظر من أوجه:
الأول: أن "الأحكام" جمع معرف باللام وهو يفيد العموم، فالتخصيص بالبعض تخصيص بلا مخصص، واستعمال مجاز مجمل في التعريف.
الثاني: أن خروج المقلد قد علم من قوله: "عن أدلنها التفصيلية" أو من قوله: بالاستدلال فالإيراد به غير متوجه.
الثالث: أن ذكر العلم وإرادة التهيؤ له غير جائز؛ لأنه على التفسير المذكور ليس بمستلزم له؛ لأن حصول العلم بعد تمهيد الطرق عادى عند أهل السنة فقد يتخلف ولا لازم له؛ لجواز أن يكون ضروريا يحصل بدونه فلا يجوز إرادته منه لا
[ ١ / ١٠٨ ]
مجازًا ولا كناية.
الرابع: أن إطلاق العلم على الفقه حينئذ إنما يكون باعتبار ما يؤل إليه فلا يكون علما: حقيقة.
الخامس: أنه يلزم أن يكون الفقه هو التهيؤ، وهو ليس بعلم ولا صادق عليه.
السادس: أن المراد بالجميع، جميع ما يكون حكما شرعيا إلى قيام الساعة أو ما يكون حكما شرعيا مدة حياته، فأن كان الأول: لا يمكن التهيؤ لذلك لأحد، وأن كان الثاني لزم أن يكون (٥/ب) المراد به البعض؛ لأنه بعض الاحكام الشرعية، فما فرضناه جميعا لم يكن جميعا، هذا خلف باطل، والحق أن يقال: الفقه وهو تصور خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال.
مفهوم الكل والجزء منه في إطلاق الاسم والرسم سواء كالقرآن.