بين حرف ومعنى، وحرف ومعنى آخر؟.
وقوله: لما اختلفت باختلاف الأمم ولاهتدى كل أحد من الناس إلى كل لغة ممنوع. لم لا يجوز أن يكون فهم السامع تلك الدلالة الطبيعية مشروطا بعرضي مفارق غير شامل يوجد عند عروضه ويعدم عند عدمه.
ألا ترى أن العوام الذين لا يعلمون الوضع والواضع، إذا تعلموا لغة فهموا المعنى لحصول ذلك العرضي حينئذ، وغايته أن لا نعلمه وعدم علمنا به لا يستلزم عدمه في نفسه.
وقالوا: أي عباد ومن تابعة -لو لم يكن بين اللفظ والمعنى مناسبة طبيعية، لتساوت نسبة اللفظ إلى جميع المعاني، وبالعكس.
فاختصاص بعض الألفاظ لبعض المعاني دون غيره يكون تخصيصا بلا مخصص.
وأجاب المصنف: بأن المخصص هو إرادة (٤٦/أ) الواضع المختار كتخصيص إيجاد العالم بوقت دون (وقت) مع التساوي إلى جميع الأوقات. وفيه نظر؛ لأن هذا يصح على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأما غيره فلا يلزمه فيجوز أن يكون عباد منهم.
ص- مسألة: قال الأشعري: علمها الله بالوحي، أو بخلق الأصوات أو بعلم ضروري.
البهشمية: وضعها البشر واحد أو جماعة، وحصل التعريف بالإشارة، والقرائن كالأطفال.
الأستاذ: القدر المحتاج في التعريف توقيف، وغيره محتمل.
وقال القاضي الجميع ممكن، ثم الظاهر قول الأشعري.
[ ١ / ٣١١ ]
ش- اختلف القائلون بالواضع على مذاهب.
فذهب أبو الحسن الأشعري إلى أن الله -تعالى- وضعها ووقف عباده عليها، بأن علمها بالوحي أو بخلق الأصوات والحروف في جسم من الأجسام وإسماع ذلك الجسم واحدا، أو جماعة من الناس، أو بخلق علم ضروري في واحد، أو جماعة، بأن واضعا وضع تلك الألفاظ بإزاء المعاني. وسمي هذا المذهب توقيفيا.
وذهب أبو هاشم وجماعة: إلى أن الألفاظ وضعها واحد، أو جماعة من البشر، ثم حصل تعريف الباقين بالإشارات، والقرائن، والترديد وهو التكرار مرة بعد أخرى، كما حصل تعريف الأطفال بذلك، ويسمى هذا المذهب اصطلاحيا مطلقا، وربما يسمي توقيفيا.
وذهب الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني إلى أن القدر الذي وقع به التنبيه على
[ ١ / ٣١٢ ]
الاصطلاح توقيفي على الوجه المذكور، والباقي يحتمل أن يكون توقيفيا وأن يكون اصطلاحيا.
وذهب طائفة إلى عكس هذا. ولم يذكره المصنف لضعفه، لعدم متمسك يعتد به.
وذهب القاضي وأتباعه: إلى الوقف؛ لأن جميع ذلك ممكن لذاته لعدم لزوم محال بفرض وقوعه، والأدلة متعارضة، ولا مرجح لشيء منها، فلم يحصل الجزم بواحد منها، فوجب التوقف. هذا تحرير المذاهب.
والمصنف قال: ثم الظاهر قول الأشعري. وفيه نظر؛ لأن قول الأشعري هو أن الله -تعالى- علمها بالوحي، أو بخلق الأصوات أو بعلم ضروري، والمصنف زيف الأخيرين في جواب البهشمية بأنه خلاف المعتاد كما سيجيء. فبقي الكلام في
[ ١ / ٣١٣ ]
الوحي، فإن كان المراد به الإفهام بالخطاب فذلك لا يكون إلا بحروف وأصوات، والكلام فيها، كالكلام في الأول، والمآل دور أو تسلسل.
وإن كان المراد به الإلهام وهو تحرك القلب بعلم يدعوك إلى عمل من غير نظر في حجته. فذلك توفيق لا توقيف.
وإن كان غير ذلك فلابد من بيانه، وعلى هذا يظهر أن قول من قال: الحق أن المطلوب في هذه المسألة إن كان القطع بوقوع أحد هذه المذاهب فالمختار قول القاضي؛ إذ لا قطع في شيء منها.
وإن كان الظن فالحق ما قاله الأشعري؛ لطهور الآيات في المطلوب. ليس بشيء؛ لان مذهب (٤٦/ب) الأشعري غير محرر في نفسه فكيف يستدل عليه.
واعلم أن هذه المسألة، أعني ابتداء الوضع، وبيان الواضع ليس ما يحتاج إليه الأصولي؛ لأن نظم الكتاب أو السنة الثابتة إذا دل على معنى ينظر فيه الأصولي لاستنباط ما عن له من الحكم بعمومه أو خصوصه، حقيقته أو مجازه، بدلالته أو إشارته وليس له التفات إلى ابتداء الوضع كيف كان، ولا الواضع من كان، وإنما نظره في أن هذا نظم يجب العمل بما يدل عليه.
ص- قال: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا).
قالوا: ألهمه أو علمه ما سبق.
قلنا: خلاف الظاهر.
قالوا الحقائق، بدليل قوله: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ).
قلنا: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ) يبين أن التعليم لها والضمير للمسميات.
استدل بقوله: (وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ)، والمراد اللغات باتفاق.
قلنا: التوقيف والإقدار في كونه آية سواء.
[ ١ / ٣١٤ ]
البهشمية: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) دل على سبق اللغات وإلا لزم الدور.
قلنا: إذا كان آدم هو الذي علمها، اندفع الدور.
وأما جواز أن يكون التوقيف بخلق الأصوات، أو بعلم ضروري. فخلاف المعتاد.
الأستاذ: إن لم يكن المحتاج إليه توقيفيا لزم الدور، لتوقفه على اصطلاح سابق.
قلنا: يعرف بالترديد والقرائن، كالأطفال.
ش- أقام الدليل على ما هو الظاهر عنده.
وتقريره: اللغات توقيفية؛ لأنها معلمة لقوله -تعالى-: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) وكل معلم توقيفي، لأنا لا نعني من التوقيفية إلا (المعلمة) وإذا ثبت التوقيف في الأسماء ثبت في غيرها، لعدم القائل بالفصل.
ولقائل أن يقول: قد تقدم بطلان الوجوه المذكورة في تقسيم التعليم فالاستدلال بالتعليم غير مفيد.
واعترض عليه: بأنه يجوز أن يكون المراد بقوله -تعالى- (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) ألهمه الاحتياج إلى هذه الألفاظ، وأعطاه من العلوم ما به قدر على الوضع والاصطلاح، فتكون الآية دليلا على كون اللغات اصطلاحية.
[ ١ / ٣١٥ ]
سلمنا أن المراد ليس الإلهام، لكن لم يجوز أن يكون المعلم اصطلاحات قوم خلقهم الله قبل آدم إذ خلقه.
وأجاب المصنف عن الاعتراض: بأنه خلاف الظاهر.
قيل: لأن الأصل في التعليم إيجاد العلم لا الإلهام، وكذا الأصل عدم اصطلاح سابق.
وفيه نظر؛ لأن إيجاد العلم كان بمسموع فهو باطل لما تقدم. وإن كان بخلق علم ضروري فقد أبطله المصنف، فلم يبق إلا الإلهام فلا يندفع السؤال.
واعترضوا -أيضا- بأن المراد بالأسماء المسميات، أي حقائق الأشياء، ومعنى الآية -والله أعلم- علم آدم حقيقة كل شيء وصفته مثل: أن الخيل حقيقته كذا، وأنه يصلح للكر والفر، والجمل للحمل، وآخر كذا لكذا.
واستند على ذلك إلى قوله -تعالى- (ثُمَّ عَرَضَهُمْ) بضمير (٤٧/أ) العقلاء بطريق التغليب؛ لأن فيهم العقلاء ولو كان الضمير للأسماء تعين (عرضها أو عرضهن) لانتفاء جهة التغليب.
وأجاب المصنف: بأن المراد بالأسماء الألفاظ لا الحقائق لقوله -تعالى- (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ) فإن المراد بهؤلاء المسميات، فلو كانت مرادة بالأسماء -أيضا- كان معناه: انبئوني بحقائق هذه الحقائق، ولا معنى له.
[ ١ / ٣١٦ ]
فإن قيل: المذكور هو الأسماء؛ فإنه قال: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)، ولم يذكر غيرها، وقال: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ) فدل على أن الضمير للأسماء، لئلا يلزم الاضمار قبل الذكر، وتعين أن يراد بها المسميات.
فالجواب: أن مفهوم الأسماء مفهوم مضاف يدل على المسميات، فيكون المراد بالأسماء أنفسها، وبالضمير المسميات تغليبا، فإن ضمير (عرضهم) لا يصلح للأسماء لا حقيقة ولا تغليبا.
ولقائل أن يقول: أصل السؤال والجواب لم يصدر عن تحصيل، وذلك لأن التعليم سواء كان للأسماء أو المسميات، هل كان بألفاظ أو بغيرها؟ فإن كان الأول، عاد الترديد (بأنها) توقيفية أو توفيقية وإن كان الثاني، فلا فائدة في العدول عن الأسماء إلى المسميات، على أن قولهم: علم أن الخيل حقيقته كذا، وصفته كذا، والجمل كذا وغيره كذا، يدل على أن ثمة هذه الحروف التي هي في الأسماء فكانت ألفاظا فينتقل الكلام إليها.
واستدل -أيضا- على مذهب الأشعري بقوله -تعالى-: (وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ) والمراد به اللغات؛ لأنه لا يجوز أن يراد بالألسنة الجوارح، لأن اختلافها في أجرامها لا يبلغ إلى أن يكون آية، فتكون اللغات مخلوقة فكانت توقيفية.
وزيفه المصنف: بأن التوقيف، والإقدار على وضعها سواء في كون كل منهما آية فجاز أن يكون المراد به الإقدار مجازا.
ورد: بأن إطلاق الألسنة على اللغات متعارف دون الإقدار على اللغات.
واستدل البهشمية: بقوله -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ)
[ ١ / ٣١٧ ]
بأنه يدل على أن اللغات سابقة على بعثة الرسل، ولو كانت بالتوقيف بالوحي لكانت البعثة سابقة عليها وهو دور.
وأجاب المصنف بما معناه: إنما يلزم الدور أن لو كانت اللغات سابقة على جميع الرسل، وفي الآية ما ينافيه؛ لأنه قال: (إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) فكانت سابقة على الرسل الذين لهم قوم، فيجوز أن يتقدم بعثة آدم -﵇- على اللغات؛ لأنه لم يكن له قوم.
وحينئذ يقال: علم الله آدم اللغات بالوحي، ثم علم آدم غيره فتكون اللغات متأخرة عن بعثة آدم، ومتقدمة على غيره من الرسل فلا يلزم الدور.
ولقائل أن يقول: هذا الجواب مخالف للآية؛ لأن فيها (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ) نكرة في سياق النفي مؤكدة (من) الاستغراقية، فكيف يجوز إخراج آدم من عام مؤكد لا يقبل التخصيص بدليل فضلا عن غير دليل بل الجواب (٤٧/ب) أن يقال: علم آدم الأسماء حين لم يكن له قوم، ثم أرسله إليهم بلسانهم الذي يتفاهمون به.
ولسان كل قوم ما تفاهموا به، على أنه إذا كانت اللغات سابقة على بعثة الرسل لا يلزم الدور؛ لأن بعثة الرسل على ذلك التقدير تكون موقوفة على اللغات، ولكن اللغات لا تتوقف على بعثة الرسل بل على تعليم، ولا يلزم أن يكون ذلك التعليم رسالة.
وقوله: (وأما جواز) إشارة إلى تزييف جواب ذكره بعض الأصوليين عن دليل البهشمية، وهو أن يقال: لا نسلم أن اللغات لو كانت توقيفية لزم تقدم البعثة على اللغات، وإنما يلزم ذلك أن لو كان طريق تعليمها منحصرا في الوحي، وهو ممنوع، فإنه يجوز أن يكون التوقيف بخلق الحروف والأصوات في أجسام، أو بخلق علة ضروري في واحد أو جماعة.
ووجه توقيفه: أن التعليم بخلق الأصوات، أو علم ضروري خلاف العادة،
[ ١ / ٣١٨ ]
وإن كان ممكنًا في ذاته.
ولقائل أن يقول: في هذا إبطال لمذهب الأشعري بالكلية؛ لأنه جعل القسمين الآخرين فاسدًا، وقد تقدم أن المراد به غير معلوم. وقد التزام في هذا الجواب أن الطريق لو انحصر في الوحي لزم الدور فدل على أن ذلك أيضا باطل كغيره من الطريقين، على أن اعتبار العادة في ذلك غير موجه.
وقال الأستاذ: لو لم يكن القدر المحتاج إليه في التنبيه توقيفيا لزم الدور؛ لأنه حينئذ يكون الكل اصطلاحيا يحتاج في التعليم إلى اصطلاح سابق عليه، وهلم جرا، ولابد من العودة إلى الأول، ضرورة الاحتياج وتناهي الاصطلاحات.
وأجاب المصنف عنه: بأن الجميع لو كان اصطلاحيا جاز أن يعرف الاصطلاح بالترديد والقرائن كما يعرف الأطفال، فلم يلزم الدور.
ولقائل أن يقول في بيان اللغات: إن الله -تعالى- خلق الإنسان حيوانا ناطقا متعجبا ضاحكا كاتبا مدركا للكليات والجزئيات، فكما أنه جعل التعجب والضحك من خواصه لا يحتاج في ذلك إلى تعليم جاز أن يجعل في كل صنف منه قوة بها يقطع الصوت الخارج مع النفس في مخارج الحروف ليصير حروفا وينظمها فتصير كلمة فيترجم بها عما يبدو في ضميره مما يحتاج إليه، وجعل فيه قوة قاصمة يفهم بها عند سماعها من غيره ممن هو من أفراد صنفه بلا وسط، وممن هو من غير صنفه بوسط تكرار ومشاهدة. وقد سمعت ثقات يحكمون أن بعض الملوك الذين كان لهم زيادة اهتمام بمعرفة الأشياء حفظوا صغارا، لم يصلوا حد التكلم عن أن يتكلم عندهم، وربما لم يجتمع بهم أحد إلا عند التغذية فاستنبطوا من تلقاء أنفسهم كلاما وتكلموا به وفهم (٤٨/أ) بعضهم من بعض لسائر اللغات ولم يكن هناك توقيف ولا اصطلاح، فإن التزم أن ذلك الجعل توقيف بوحي لزمه أن لا يخصص الوحي بالأنبياء، فإن
[ ١ / ٣١٩ ]