الأولى شكر المنعم ليس بواجب عقلا؛ لأنه لو وجب لوجب لفائدة وإلا لكان عبثا وهو قبيح، ولا فائدة لله -تعالى-، ولتعاليه عنها. ولا للعبد في الدنيا؛ لأنه مشقة، ولا حظ للنفس فيه، ولا في الآخرة، إذ لا مجال للعقل في ذلك.
قولهم: الفائدة: الأمن من احتمال العقاب في الترك وذلك لازم الخطور، مردود بمنع الخطور في الأكثر.
ولو سلم فمعارض باحتمال العقاب على الشكر؛ لأنه تصرف في ملك الغير. أو لأنه كالاستهزاء. كمن شكر ملكا على لقمة، بل اللقمة بالنسبة إلى الملك أكثر.
الثانية: لا حكم فيما لا يقضي العقل فيه بحسن أو قبح.
وثالثهما: لهم الوقف [عن] الحظر والإباحة.
وأما غيرها فانقسم عندهم إلى الخمسة. لأنها لو كانت محظورة وفرضنا ضدين لكلف بالمحال.
الأستاذ: إذا ملك جواد بحرا لا ينزف [وأحب] مملوكه قطره، فكيف يدرك تحريمها عقلًا؟
[ ١ / ٣٤٠ ]
قالوا: تصرف في ملك الغير.
قلنا: يبتنى على السمع. [ولو سلم] ففيمن يلحقه ضرر [ما]. ولو سلم فمعارض بالضرر الناجز.
ش
_________________
(١) اعلم أن بطلان قاعدة التحسين والتقبيح يستلزم بطلان كل فرع مرتب عليها، ولكن عامة الأشاعرة يفردون مسألة شكر المنعم عقلًا، ومسألة الحكم في الأشياء قبل ورود الشرع بالذكر في الإبطال لكثرة دورانهما في المباحث، وههنا التنزل عبارة عن تقدير صحة القاعدة مع استثناء بطلان الفرع المرتب عليها زيادة بيان لبطلانها، وتقديره أن يقال: سلمنا أن تلك القاعدة ثابتة، لكن هذا الفرع غير ثابت تلويحًا إلى أن الفرع الذي له مأخذ واحد إذا بطل دلّ على أن القاعدة غير ثابتة؛ لأنه علة إنيّة لثبوتها، لكنها سلمت من باب إرخاء العنان لتحصيل المقصود. فأما مسألة شكر المنعم وهو عبارة عن استعمال جميع ما أنعم الله به على العبد من القوى الظاهرة والباطنة فيما خلقت له. فقد استدل عليها بشرطية هي قوله: لو وجب، لوجب لفائدة، وإلا لكان عبثًا، وهو قبيح. والفائدة هي: ما يكون الشيء به أحسن حالًا. وبيان الملازمة وبطلان التالي ظاهران فلا بد من فائدة إما للمشكور [٥٣/أ] وهو باطل لتعاليه عنها، أو للشاكر في الدنيا وهو باطل؛ لأن في الشكر على التفسير المارّ مشقة عظيمة، ولا حظ للنفس
[ ١ / ٣٤١ ]
فيها. أو في العقبى وهو كذلك؛ إذ لا مجال للعقل في الجزم بحصولها فانتفى الفائدة، فلو وجب كان عبثًا وهو قبيح.
ولقائل أن يقول: لا مجال للعقل في ذلك مطلقًا، أو لعقولنا، والثاني مسلم ولا يدفع، والأول ممنوع؛ لجواز أن يكون لبعض العقول في ذلك مجال كعقول الأنبياء
_________________
(١) ﵈ ، وأن يقول: العبث ما لا فائدة فيه، فكان معنى كلامه: لوجب لفائدة وإلا كان بلا فائدة، وهو ليس بصحيح. وقوله: ﴿﴿وقولهم﴾﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿﴿مردود﴾﴾ خبره، وهو جواب إيراد المعتزلة. وتقريره: لا نسلم عدم جواز أن يكون الشكر للشاكر لفائدة في الدنيا. قوله: ﴿﴿لأنه لا حظ للنفس فيها﴾﴾. قلنا: ممنوع؛ فإن الأمن من احتمال العقاب على ترك الشكر الذي يلزم أن يخطر على بال العاقل فائدة. وجوابه بالرد وهو أن يقال: لا نسلم أن هذا الاحتمال لازم الخطور بالبال ولئن سلّم خطوره، فمعارض باحتمال العقاب على الشكر بوجهين: أحدهما: أن الشكر تصرف في ملك الغير بغير إذنه، فإن الشكر إنمت هو باستعمال القوى المذكورة التي هي كلها ملك الحق تعالى وتقدس والتصرف في ملك الغير بغير إذنه يحتمل العقاب عليه.
[ ١ / ٣٤٢ ]