كان من خارج بطريق الالتزام لا باعتبار كونه جزءًا من مسماه، والدليل على ذلك صحة أن يقال: الأسود جسم، ولو كان الأسود جسمًا ذا سواد لزم التكرار بغير فائدة.
ولقائل أن يقول: الحمل إنما يكون مفهوم المحمول على ما صدق عليه الموضوع، فقولنا: الأسود جسم، لو اعتبر فيه المفهوم لكان حملًا للأخص على الأعم، واعتبار مفهوم الموضوع وكلاهما باطل.
فإن قيل: لو اعتبر فيه ما صدق عليه الموضوع لم يصح الحمل للتكرار المذكور لكنه صحيح لا محالة.
فالجواب: أن ما صدق عليه الموضوع يقدر موضوعًا محذوفًا قامت الصفة مقامه، نحو: الجوهر الأسود جسم، وعدم تعلقها بأصول الفقه لا يخفى.
ص
_________________
(١) مسألة لا تثبت اللغة قياسًا، خلافًا للقاضي وابن سريج. وليس الخلاف في نحو: ﴿﴿رجل﴾﴾ ورفع الفاعل. أي لا يسمى مسكوت عنه إلحاقًا بتسمية لمعين لمعنى يستلزمه وجودًا وعدمًا، كالخمر للنبيذ للتخمير. والسارق للنباش، للأخذ خفية، والزاني للائط للوطء المحرم، إلا بنقل [أ] واستقراء التعميم. لنا: إثبات اللغة بالمحتمل. قالوا: دار الاسم معه وجودًا وعدمًا. قلنا: ودار مع كونه من العنب، وكونه مال الحي، وقبلًا. قالوا: ثبت شرعًا، والمعنى واحد. قلنا: لولا الإجماع لما ثبت. وقطع النباش، وحد النبيذ، إما لثبوت التعميم، وإما بالقياس، لا لأنه سارق أو خمر بالقياس. ش اختلف الناس في ثبوت الأسماء بطريق القياس.
[ ١ / ٢٩٣ ]
جوزه القاضي أبو بكر الباقلاني، وابن سريج [من] أصحاب الشافعي.
[ ١ / ٢٩٤ ]
ونفاه: الحنفية، ومعظم الشافعية.
والمصنف حرر موضع الخلاف بقوله: [٤٣/أ] ﴿﴿وليس الخلاف في نحو رجل، ورفع الفاعل﴾﴾.
وتقريره: ليس محل الخلاف اسمًا عُلِمً تعميمه بين الأفراد الموجودة وغيرها بالنقل ﴿﴿كرجل﴾﴾ فإنه موضوع لبالغ من بني آدم، وعُلِمَ بالنقل تعميمه على من كان موجودًا عند الوضع، ومن لم يوجد؛ لأن جواز الإطلاق بالنقل فلا يحتاج إلى القياس.
وكذلك ﴿﴿رفع فاعل﴾﴾ لم يسمع من العرب فإنه عُلِمَ بالاستقراء جواز رفعه؛ لأنا قد وجدنا كل ما أسند إليه الفعل أو شبهه وقدم عليه مرفوعًا فصار ذلك قاعدة كلية يدخل تحتها كل فاعل فلا يحتاج إلى القياس وإنما محل النزاع: إلحاق مسمى بمسمى آخر باسم لم يسمع للأول من أهل اللغة، وسمى به الثاني لمعنى يستلزم الاسم وجودًا وعدمًا ووجد في الأول كالنبيذ فإن مسماه سمي به، فإذا أريد إلحاقه بمسمى الخمر في إطلاق اسم الخمر عليه، وهو لم يسمع للنبيذ من أهل اللغة، وسمي به الخمر لمعنى وهو مخامرة العقل، وهي تستلزم اسم الخمر وجودًا. كما في ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد وعدمًا كما إذا لم يغل ولم يشتد، لوجوده في الأول، كان ذلك قياسًا في اللغة.
[ ١ / ٢٩٥ ]
فاستدل المانعون: بأن في جوازه إثبات اللغة بالمحتمل؛ لأن رعاية المناسبة بين الأسامي والمسميات غير مستحقة وإن كانت مستحبة فجاز أن يكون الوضع لا لحامل، وأن يكون لحامل غيره فكان محتملًا وإثبات اللغة بالمحتمل لا يجوز.
واستدل الشارحون على إثبات الكبرى بالاتفاق. وليس بصحيح؛ لأنه عين النزاع، فإن القياس عند الخصم محتمل، وهو تثبت اللغة به.
وقال المثبتون: اسم الخمر دار مع المخامرة وجودًا في التي من ماء العنب الذي لم توجد فيه الشدة المطربة المخمرة للعقل، فإنه لم يوجد فيه التخمر، ولم يطلق الاسم عليه.
وكذلك الزاني، والسارق، دار مع الوطء المحرم، وأخذ المال بخفية وجودًا وعدمًا، ودوران الشيء مع الشيء آية كون المدار علة للدائر، فتكون المعاني المذكورة علة للتسمية بالأسامي المذكورة فإذا وجدت في صور أُخر تطلق عليها الأسماء. وإلا لزم تخلف المعلول عن العلة.
وأجيبوا: بأن الأسماء المذكورة كما دارت مع ما ذكرتم دارت مع المختص بالصور المذكورة وجودًا وعدمًا، فإن لفظ الخمر دار مع تخمير ماء العنب، والسارق مع أخذ المال خفية، ولفظ الزاني مع كون الوطء قبلًا، ودوران هذه الأسماء مع هذه المعاني ظاهرٌ فكان كل من المعنيين صالحًا للعلية، ولا ترجيح لأحدهما، فلا تثبت العلية لأحدهما.
[ ١ / ٢٩٦ ]
ولقائل أن يقول: التعليل بالعلة القاصرة في القياس الشرعي لا يمنع التعليل بعلة متعدية فجاز أن تكون المعاني المختصة علة للتسمية في صورها الخاصة والمعاني العامة [٤٣/ب] علة لها لقياس غيرها عليها ولا يلزم توارد علتين مستقلتين على معلولٍ واحد، لأنه لما كان باعتبارين كان المعلول متعددًا معنى.
وقالوا:
_________________
(١) أيضًا : ثبت القياس الشرعي، ومعنى القياس في الشرع واللغة واحد؛ لأنه إثبات مثل حكم الأصل في صورة أخرى بجامع بينهما. ولا تفاوت في هذا بين الشرعي واللغوي، فكما جاز الشرعي وجب أن يجوز اللغوي. وأجيبوا: بأن الأصل أن لا يثبت الشرعي أيضًا لولا الإجماع على ثبوته فتركنا الأصل بدليل قوي، ولا يلزم من ذلك جواز تركه بلا دليل. وفيه نظر؛ لأن ثبوت القياس ليس بمجمع عليه فلا يجوز دعوى الإجماع إلا على رأي من يرى الإجماع الأكثر كاف ولا معتبر بخلاف الأقل، وهو ضعيف. وقوله: ﴿﴿وقطع النباش﴾﴾ جواب سؤال، تقريره: إذا لم تثبت اللغة بالقياس، فما وجه قطع النباش، وحد شارب النبيذ؟ والنص لم يرد إلا في السارق وشارب الخمر، عند من أوجبهما كالشافعي ﵀. وتقرير الجواب: أن إيجابهما إما ثبوت تعميم اسم الخمر والسارق للنبيذ والنباش، بالنقل على الوجه الذي ذكر، وإما بالقياس الشرعي بأن يقال: الحكم في المنصوص عليه ثابت بعلة وجدت في النبيذ والنباش فعدى إليهما. ولقائل أن يقول: لا نسلم ثبوت تعميم نقل؛ لاختلاف النقل في الموضعين بالحقيقة والمجاز، وليس ذلك بالتعميم المراد ههنا تعميم ﴿﴿رجل﴾﴾ لأفراده، وأن
[ ١ / ٢٩٧ ]