وأجيبوا بوجهين:
أحدهما: أن اللغة لم تبن على المشاحة في مثله، بل وجود الجزء الأخير كاف في الاشتراط فيما تعذر اجتماع الأجزاء، ألا ترى أن لفظ ﴿﴿الحال﴾﴾ حقيقة في زمان الفعل الحاضر، ولا يمكن بقاء أجزائه عند إطلاقه، لكون الزمان [لما] غير قار الذات.
والثاني: أن الواجب أن لا يشترط في مثله بقاء المعنى المشتق منه، بل الجزء الأخير وبه يتم المطلوب، فإنه إذا انقضى بالكلية يكون مجازًا.
والفرق بين الجوابين: أن الأول فيه التزام التسامح في الوضع.
والثاني: بيان وجود مقتضى الحكمة، فإن اشتراط بقاء ما لا يبقى خارج عن الحكمة، وإنما مقتضاها اشتراط بقاء ما يبقى بتمامه. واشتراط آخر أجزاء ما لا يبقى.
واعلم أن هذه الاستدلالات كلها فاسدة؛ لأن معرفة الحقيقة إنما تكون بالسبق إلى الذهن عند سماع اللفظ لا بإقامة الدليل وهو ظاهر لا محالة.
ص
_________________
(١) مسألة: لا يشتق اسم فاعل لشيء والفعل قائم بغيره خلافًا للمعتزلة. لنا: الاستقراء. قالوا: ثبت قاتل وضارب، [والقتل] للمفعول. قلنا: القتل: التأثير، وهو الفاعل. قالوا: أطلق الخالق على الله باعتبار المخلوق، وهو الأثر، لأن الخلق المخلوق، وإلا لزم قدم العالم أو التسلسل. أجيب أولًا: بأنه ليس بفعل قائم بغيره. وثانيًا: أنه للتعلق الحاصل بين المخلوق والقدرة حال الإيجاد فلما نسب إلى
[ ١ / ٢٨٩ ]
الباري صح الاشتقاق جمعًا بين الأدلة.
ش
_________________
(١) ذهبت المعتزلة إلى جواز إطلاق مشتق على من ليس المصدر قائمًا به [٤٢/أ] فسموا الله متكلمًا والكلام قائم بغيره؛ لأنه عندهم حادث لا يجوز أن يقوم بالقديم، وهذه المسألة من الكلام وفسادها مبرهن فيه، وذكرها غير مناسب في أصول الفقه؛ لعدم تعلقه بمعرفة كيفية الاستنباط. وذهب الباقون: إلى [عدم] جوازه، مستدلين بأنا قد استقرينا فوجدنا جميع استعمالات المشتقات، ولم نطلع على موقع اشتق اسم فاعل لمن لم يكن الأصل قائمًا به. وقالت المعتزلة: الاستقراء غير تام، لأنكم تعلمون أن قاتلًا اشتق لذات، وضاربًا لذات، والقتل والضرب قائمان بغيرهما وهو المقتول والمضروب، ضرورة حصول الأثر في المفعول. وأجيب: بأنه غلط؛ لأن الأثر الحاصل في المفعول هو التأثر والقائم بالقتل هو التأثير، والفرق بين مقولة أن يفعل وأن ينفعل بين لا محالة. وقالوا أيضًا : أطلق الخالق على الله تعالى باعتبار المخلوق، وهو الأثر المباين عن ذاته تعالى ؛ لأنه مشتق من الخلق، والخلق هو
[ ١ / ٢٩٠ ]
المخلوق إذ لو كان مغايرًا لكان إما قديمًا أو حادثًا، لعدم خلو مفهوم وجودي أو عدمي عن ذلك، فإنه إن كان مسبوقًا بالعدم سبقًا زمانيًا فهو الحادث، وإلا فهو القديم.
والثاني تقسيمه باطل؛ لأنه إن كان قديمًا لزم قد العالم؛ لأنه نسبة بين الخالق والعالم، وإذا كانت النسبة بين الشيئين قديمة لزم قدم المنتسبين؛ ضرورة تأخر النسبة عنهما. وإن كان حادثًا افتقر إلى مؤثر وذلك إلى آخر ويتسلسل.
ولقائل أن يقول: الخلق نسبة بين الخالق والعالم من حيث العلم أو الخارج، والأول مسلم، ولا يستلزم القدم، والثاني ممنوع.
وأجيبوا بوجهين:
أحدهما: أن الخلق لو كان هو المخلوق لم يكن فعلًا قائمًا بالغير، بل يكون هو الغير، وحينئذٍ لا يتم مطلوبهم، فإن مطلوبهم جواز إطلاق الخالق، والفعل غير قائم به.
والثاني: أن دليلهم يقتضي جواز إطلاق الخالق على الله
_________________
(١) تعالى والفعل غير قائم به. والاستقراء الذي هو دليلنا يقتضي قيامه به، وإعمال الدليلين ولو بوجه أولى من إهمال أحدهما، فيجعل الخلق عبارة عن التعلق الحاصل بين القدرة والمخلوق حال الإيجاد، فاعتبار تعلقه بالقدرة دون ذاته يحصل مقتضى دليلكم من وجه،
[ ١ / ٢٩١ ]