للشجاع، والحمار للبليد، وشابت لمة الليل لظهور الصبح. واقع لا محالة، وكذا لغيرها من المعاني بطريق الحقيقة، فلو كانت هذه المعاني
_________________
(١) أيضًا بطريق الحقيقة لم يسبق الذهن إلى أحدهما عند عدم القرينة، لكن يسبق إلى غيرها فكانت فيها مجازات. واستدل الأستاذ المخالف: بأنه لو وقع لاختل التفاهم؛ لأن إطلاق اللفظ على المفهوم المجازي [٣٩/ب] إن كان بقرينة فقد يذهل المخاطب عنها فلا يفهم، وإن كان بغيرها تبادر إلى الذهن المفهوم الحقيقي، واختل فهم المراد. وأجاب المصنف: بأن هذا يدل على استبعاد وقوع المجاز. وفيه مراعاة للأستاذ، وإلا فهو فاسد؛ لأن الذهول عرضي مفارق، غير شامل، نادر الوقوع فأنى يقاوم القاطع المذكور. ص مسألة: وهو في القرآن، خلافًا للظاهرية. بدليل ﴿ليس كمثله شيء﴾، ﴿واسأل القرية﴾، ﴿يريد أن ينقض﴾ ﴿فاعتدوا عليه﴾، ﴿سيئة مثلها﴾ وهو كثير. قالوا: المجاز كذب؛ لأنه ينفي فيصدق. قلنا: إنما يكذب إذا كانا معًا للحقيقة. قالوا: يلزم أن يكون الباري متجوزًا. قلنا: مثله يتوقف على الأذن. ش قيل: ﴿﴿الواو﴾﴾ للحال من ضمير ﴿﴿واقع﴾﴾ وليس بصحيح لاستلزامه أن
[ ١ / ٢٧٤ ]
يتقيد الوقوع بكونه في القرآن، لكنه واقع في غيره.
والحق أنه مبتدأ، ولو قال: ﴿﴿أيضًا﴾﴾ كان أحسن، فإن هذا بيان خلاف آخر بين الظاهرية؛ أي الذين لا يجوزون التأويل في القرآن، وبين المحققين، فإنهم قالوا بوقوعه فيه مستدلين بقوله
_________________
(١) تعالى : ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيء﴾ فإنه موضوع لنفي مثل المثل، وقد استعمل في غير ما وضع له، وهو نفي المثل بقرينة قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُالْبَصِيرُ (١١)﴾ بطريق الحصر فكان مجازًا.
[ ١ / ٢٧٥ ]
ومنهم من استدل على كونه مجازًا بأنه لو كان المراد به الحقيقة ﴿﴿نفي مثل المثل﴾﴾ لزم نفيه. تعالى وتقدس؛ لأنه مثل مثله، وليس بشيء؛ لأن المجاز يحتاج إلى قرينة فإن وجدت فلا حاجة إلى إقامة الدليل، وإن لم توجد لا يفيد الاستدلال. والكلام على هذه الآية
_________________
(١) الكريمة كثير لا يحتمله هذا المختصر. وبقوله: ﴿وَسئَلِالقَريَةَ﴾ فإنها موضوعة لأماكن من مدر فاستعملت في أهلها بقرينة السؤال فكان مجازًا. وعلماء البيان يسمون الأول مجازًا بالزيادة، وهو أن يذكر لفظان وأريد معنى أحدهما. والثاني، مجازًا بالحذف، وهو أن يذكر لفظ واحد ويراد معنى لفظين والظاهر خصوصهما بالتركيب الإضافي فلا يكون ﴿فبما رحمة﴾ من الأول، ولا ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُم أَن تَضِلُّوا﴾ من الثاني. وبقوله تعالى : ﴿يريد أن ينقض﴾ فإن الإرادة وضعت لذي شعور واستعملت في ميلان الجدار بقرينة الجدار فكان
[ ١ / ٢٧٦ ]
مجازًا.
وبقوله
_________________
(١) تعالى : ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾ أطلق الاعتداء على القصاص وهو ضده، أو سببه. ومثله: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَة سَيِّئَة مِّثلُهَا﴾ وجزاء السيئة حسنة بقرينة لفظ ﴿﴿جزاء﴾﴾ وإنما كثر الأمثلة لتقرير وقوعه في القرآن. وقالت الظاهرية: المجاز كذب، والكذب في القرآن غير واقع. أما الثاني، فظاهر، وأما الأول، فلأن سلبه صادق، يجوز أن يقال: البليد ليس بحمار فإثباته يكون كاذبًا ضرورة صدق نقيضه [٤٠/أ] وتحقيق جوابه أن اتحاد محل السلب
[ ١ / ٢٧٧ ]
والإيجاب شرط للتناقض، والنفي للحقيقة والإثبات للمجاز فلم يتحد.
وقالوا
_________________
(١) أيضًا : لو جاز وقوعه في القرآن لزم أن يكون الباري متجوزًا لأن ثبوت المشتق منه لشيء يستدعي صحة إطلاق اسم المشتق عليه. والجواب: أن إطلاق أسماء الله توقيفية ولم يرد فيه إذن شرعي.
[ ١ / ٢٧٨ ]