غيرها فيعود الترديد جذعا ويلزم الإلزام.
ص- وقالوا: يعرف المجاز بوجوه:
بصحة النفي، كقولك للبليد: ليس بحمار، عكس الحقيقة؛ لامتناع "ليس بإنسان". وهو دور.
وبأن يتبادر غيره، لولا القرينة، عكس الحقيقة.
وأورد: المشترك.
فإن أجيب: بأنه يتبادر غير معين، لزم أن يكون المعين مجازا.
وبعدم اطراده، ولا عكس.
وأورد:"السخي" و"الفاضل" لغير الله، و"القارورة" للزجاجة. فإن أجيب بالمانع فدور.
وبجمعه (٣٣/أ) على خلاف جمع الحقيقة "كأمور" جمع "أمر" الفعل وامتناع "اوامر" ولا عكس.
وبالتزام تقييده، مثل: (جناح الذل) و(نار الحرب). وبتوقفه على المسمى الآخر مثل: "ومكروا ومكر الله".
ش- الظاهر أن هذا قول شارطي النقل في الآحاد، وكأنهم توسموا أن يقال لهم قد يمتد الزمان ويعدم النقل وذلك يفضي إلى انتفاء المجاز، وما يفضي إلى ذلك فهو المنتقي. فتداركوا بقولهم: إن تعذر المعرفة بالنقل فثمة أمور تقوم مقامه منها:
صحة النفي: إذا صح مدلول اللفظ الأصلي- عما أطلق عليه كان اللفظ
[ ١ / ٢٤٠ ]
هناك مجازًا، كقولك (للبليد أنه) ليس بحمار.
وقال الشارحون: إذا صح نفي اللفظ عما أطلق عليه كان مجاز وهو فاسد؛ فإن اللفظ لا يصح نفيه عن الإطلاق إلا إذا لم يكن علاقة معتبرة، وبين الحمار والبليد علاقة، فلا يصح نفي اللفظ عن الإطلاق عليه. ويتبين من هذا أن علامة الحقيقة عدم صحة نفي مدلول اللفظ الأصلي عما أطلق عليه؛ فإنه إذا أطلق الحمار على الحيوان المعهود لا يصح نفيه. وقد تقدم على مثله اعتراض إن كان على ذكر منك.
قال المصنف: وهو دور، يعني أنه لا يصح معرفا للمجاز؛ لأن صحة النفي وامتناعه تتوقف على معرفة الحقيقة والمجاز، فلو عرفا بهما دار.
ولقائل أن يقول: يجوز لهم أن يقولوا: نحن نعلم بيقين أن مدلول اللفظ ينفي عما أطلق عليه في صور دون أخر، ولم نعلم أن أيهما يحمل المجاز. فإذا قيل: الجاز ما يصح فيه النفي، حصل فيه نفيه ولم يدر.
ومنها: أن يتبادر غيره لولا القرنية، وبيانه أن المتكلم إذا أطلق لفظا وأراد معنى، فإما أن يتبادر إلى فهم السامع ما أراده أو غيره، فإن كان الثاني فاللفظ فيه مجاز، وإن كان الأول فهو حقيقة مثلا إذا قال: جاءني أسد ولم يذكر قرينة وأراد به
[ ١ / ٢٤١ ]
الرجل الشجاع فإن إلى فهم السامع غيره لا محالة فكان مجازا، وإن أراد الهيكل المفترس لم يسبق إلى فهمه غيره فكان حقيقة.
وقيل: قوله:"عكس الحقيقة" يستغنى عنه؛ لأنه في بيان المجاز، ولعله ذكره تمهيدا للإيراد الذي أورده ومع ذلك كان تركه أولى تفاديا عن احتياجه إلى الجواب عنه.
وتقرير الإيراد: أن التعريف المذكور للحقيقة غير منعكس؛ لأن اللفظ المشترك إذا أطلق وأريد أحد المعاني بدون قرينة فربما يسبق إلى ذهن السامع معناه الآخر مع كونه حقيقة في كل من مدلولاته ولا يكاد الجواب يتم؛ لأن المجيب إن التزم أن المشترك موضوع لكل واحد من معانيه فهو حقيقة، فليس له جواب عن هذا السؤال.
وإن التزم ما ذهب إليه بعض من أن المشترك حقيقة بالنسبة إلى أحد مفهوميه لا على التعيين، فلا يتبادر إلى الفهم إلا أحدهما لا على التعيين عند الاطلاق بدون القرنية لزم محذور آخر، وهو: أن يكون المشترك (٣٣/ب) في كل من المعنيين مجازا، وحاصله أن تبادر المراد إلى الفهم لا يصح أن يكون؛ لأنه قد يتبادر إليه غيره وهو حقيقة، أي علامة للحقيقة.
ولقائل أن يقول: يجوز أن يلتزم صاحب هذا الرأي أن المشترك مجاز في كل من المعنيين فإنه إن لم يلتزم ذلك لم يتم له الجواب؛ لأنه إذا أطلق المتكلم المشترك وأراد أحد المعاني وتبادر إلى ذهن السامع أحدهما لا على التعيين صدق عليه أنه تبادر إليه غير المدلول؛ لأن أحدهما لا بعينه غير كل من المعيين فيعود السؤال، وكان الحق على المصنف أن لا يذكر قوله:"عكس الحقيقة"، لئلا يرد عليه النقيض بالمشترك.
فإن قيل: النقض وارد على المجاز -أيضا؛ فإن المتكلم إذا أراد أحد معاني المشترك جاز أن يسبق إلى ذهن السامع المعنى الآخر، فيكون مجازا في الأول، وليس كذلك.
[ ١ / ٢٤٢ ]
فالجواب: أن علامة المجاز أن يتبادر غير المدلول إلى الفهم البتة، وفي المشترك جاز أن يتبادر المدلول وأن يتبادر غيره فلا يكون واردا.
ومنها: عدم اطراده، على معنى أن اللفظ إذا أطلق على معنى لمعنى ولم يكن جاريا في كل ما فيه ذلك المعنى، كان ذلك دليلا على كون اللفظ مجازا، كإطلاق النخلة على الإنسان الطويل؛ فإنه ليس بجار في المنارة وغيرها من الطوال.
وقوله:"ولا عكس" يمكن أن يكون معناه: ولا عكس لهذه العلامة على معنى أنه لا يلزم من وجود المجاز عدم الاطراد؛ فإنه قد يطرد كما في إطلاق الكل على الجزء.
وأن يكون، لا يكون اطراد اللفظ في نظائره علامة الحقيقة.
فإنه قد يرد المجاز كما ذكرنا، وعلى كل واحد من المعنيين يستغنى عنه.
وأورد"بالسخي" و"الفاضل" لغير الله، و"القارورة" للزجاجة؛ فإنها حقيقة في الكريم والعالم. والوعاء المخصوص مع عدم الاطراد فإنه لا يجوز إطلاق الأولين على الله -تعالى- مع أنه كريم وعالم وإطلاق الثالث على غير الزجاجة ما يقر فيه المائع فلا يكون مطردا فإن أجيب بأن عدم الاطراد دليل المجاز إذا لم يمنع مانع لغوي أو عرفي أو شرعي، وأما إذا منع مانع فلا يكون دليلا كما في الصورة المذكورة، فإن الشرع منع إطلاق السخي والفاضل على الله حيث كان أسماء الله توقيفية، واللغة عن إطلاق القارورة على غير الزجاجة، لزم الدور، لتوقف معرفة المجاز على عدم الطرد وتوقف عدم الطرد على معرفة المجاز، وبيانه أن عدم الطرد لموجب ليس الشرع واللغة بالفرض، ولا العقل قطعا، فتعين أن يكون كونه
[ ١ / ٢٤٣ ]
مجازًا واقتصاره على شق الترديد يشير إلى أن النقض وارد لا جواب له.
ومنها: اختلاف الجمع على معنى أن اللفظ إذا كان له جمع باعتبار المفهوم الحقيقي، وقد جمع باعتبار مدلول آخر على خلاف الأول كان اللفظ بالنسبة إلى المدلول الآخر مجازًا، كالأمر، فإن جمعه باعتبار مفهومه الحقيقي وهو قول القائل لغيره على سبيل الاستعلاء [٣٤/أ] افعل على أوامر، وقد جمع باعتبار مفهومه المجازي وهو ﴿﴿الفعل﴾﴾ عل أمور وامتنع جمعه بالمعنى الثاني على أوامر.
وقوله: ﴿﴿ولا عكس﴾﴾، أي لهذا التعريف؛ فإن الاختلاف قد ينتفي والمجاز باقٍ، فإن أسدًا يجمع على أُسْدٍ أُريد به الشجعان، أو الضراغم.
ولقائل أن يقول: كون الأمر حقيقة في القول مجازًا في الفعل ليس أولى من العكس لغة.
ومنها التزام تقييده، على معنى أن اللفظ لا يطلق على مدلوله إلا مقيدًا مثل: جناح الذل، ونار الحرب؛ فإن ذلك يدل على كونه مجازًا عُلِمَ ذلك بالاستقراء أن اللفظ يستعمل في معناه الوضعي مطلقًا وفي غيره مقيدًا، وإنما قال: بالتزام تقييده
[ ١ / ٢٤٤ ]