وتقريره: قولكم لو استلزم المجاز الحقيقة، لكان لنحو ﴿﴿قامت الحرب على ساق﴾﴾ حقيقة أردتم به أنه لا بد أن يكون لمفرداتها حقيقة أو للمركب، والأول مسلم، ولا يلزم انتفاء التالي؛ لأن القيام موضوع أولًا لهيئة مخصوصة واللّمَّةُ موضوعة للشعر المجاوز لشحمة الأذن.
والشيب لبياض الشعر. فهي مستعملة فيما وضعت له أولًا، فهي حقائقها.
والثاني، إنما يلزم أن لو كان المجاز واقعًا في التركيب وهو ممنوع فإن قيل: قال عبد القاهر الجرجاني؛ إن المجاز في نحو ﴿﴿أحياني اكتحالي بطلعتك﴾﴾ واقع في الإسناد، وهو ذلك الإمام، فكان المنع غير موجه.
أجاب المصنف بقوله: ﴿﴿بعيد﴾﴾ يعني عن الصواب، لاتحاد جهته؛ أي جهة الإسناد، كأنه يروم أن يقول: المجاز يستعمل فيما إذا كان ثمة جهتان إحداهما جهة الحقيقة والأخرى جهة المجاز، كما في ﴿﴿الأسد﴾﴾ والإسناد ليس له ذلك؛ لأنه لم ينقل أن هذا التركيب وضع أولًا لمعنى ثم نقل إلى هذه المعاني لمناسبته.
وهذا الكلام يشعر بعدم اطلاع المصنف على أوضاع علم المعاني فإن الإسناد على قسمين: إسناد إلى ما هو له، وإسناد إلى ما يلابسه. وقولنا: طلعت الشمس ومات زيد، ولا مجاز في المفردين مع كونه مجازًا يُبْلغُ الشك فيه من أصله.
[ ١ / ٢٤٨ ]
وقال: ولو قيل [لو] استلزم لكان للفظ ﴿﴿الرحمن﴾﴾ حقيقة، وكأنه انتصار للنافي، وتقريره: أن لفظ ﴿﴿الرحمن﴾﴾ لم يستعمل في الله
_________________
(١) تعالى إلا مجازًا لأنه مشتق من الرحمة، وهي رقة القلب حقيقة، وليس له حقيقة؛ لأنه لم يستعمل في غيره. وكذا نحو ﴿﴿عسى﴾﴾ فعل بإجماع النحاة، وليس فيه دلالة على الزمان فيكون إطلاق الفعل عليه مجازًا ولا حقيقة له. فيقال: لو كان المجاز يستلزم حقيقة كان لها حقيقة؛ لأن المفروض الاستلزام، لكنه ليس كذلك. وقوله: ﴿﴿كان قويًا﴾﴾ جواب قوله: ﴿﴿ولو قيل﴾﴾،وبيان قوته أنه لا يلزم اشتراك الإلزام ضرورة تحقق الوضع الأول فيهما، ولا يمكن منع استعمالهما في مفهوميهما بطريق المجاز. ولقائل أن يقول: ﴿﴿الرحمن﴾﴾ لم يستعمل في غير الله مطلقًا أو لغير مانع من الشرع أو العرف، والأول ممنوع لقولهم: رحمان اليمامة لمسيلمة. ولقول
[ ١ / ٢٤٩ ]