تتبعت السماعات الاتية، وعرفت منها أكثر مالكي النسخة من أواخر القرن الرابع الى منتصف القرن السابع. فأول مالكيها فيما أظن الاخوان: علي وإبراهيم ابنا محمد بن إبراهيم بن الحسين الحناني أو أحدهما، إذ سمعا فيها الكتاب
[ ٢٥ ]
من عبد الرحمن بن عمر بن نصر في سنتي (٣٩٤ و٤٠١) ولكن لم ينص في سماعاتهما على ذلك (رقم ١ - ٦). وإنما ظننت ذلك لان ابني أخيهما الحسين بن محمد الحنائي، وهما عبد الله وعبد الرحمن -: سمعا فيها على أبي بكر الحداد سنة ٤٥٧ ونص في السماعات على أنهما صاحبا الكتاب (رقم ٨ - ١١) فظننت من هذا أن الكتاب كان في ملك عميهما علي وإبراهيم، ثم انتقل إليهما بالميراث أو غيره. ولكن سرعان ما انتقل من ملكهما إلى ملك الحافظ هبة الله بن الاكفاني، فسمع فيه على أبي بكر الحداد سنة ٤٦٠ ويظهر أن النسخة بقيت في ملكه إلى حين وفاته سنة ٥٢٤ أو على الاقل إلى آخر مجلس سمعت فيه عليه سنة ٥١٩ (رقم ١٩). ثم لم يتبين لي في ملك من كانت إلى شهر رجب سنة ٥٦٦ فقد كتب الفقيه العالم ضياء الدين علي بن عقيل بن علي التغلبي (المولود سنة ٥٣٧) أنه سمع الكتاب من أبي المكارم عبد الواحد بن هلال في سنة ٥٦٣ وأنه نقل سماعه إلى هذه النسخة في رجب سنة ٥٦٦ (رقم ٢٠) ثم سمعه مرة أخرى على الحافظ ابن عساكر سنة ٥٦٧ ونص في مجلس السماع على أنه صاحب النسخة (رقم ٢١) ثم كذلك سمعه هو ابنه الحسن في سنة ٥٧١ على أبي المعالي السلمي وأبي طاهر الخشوعي (رقم ٢٢، ٢٣). ثم لم يتبين أيضا في ملك من كانت، إلى أن ذكر في سنة ٦٣٥ أنها في ملك الامام الحافظ تاج الدين القرطبي، وتاج الدين القرطبي سمع الكتاب هو وأخوه إسماعيل قبل ذلك بثمان وخمسين سنة، فقد سمعاه على أبي الطاهر الخشوعي في سنة ٥٨٧ (رقم ٢٤ - ٢٧) فإما أن يكون أبوهما أبو جعفر القرطبي (ولد سنة ٥٢٨ ومات سنة ٥٩٦) ملك الكتاب فأسمعهما فيه على أبي طاهر، وإما أن يكون تاج الدين
[ ٢٦ ]
نفسه ملكها بعد ذلك ثم سمعت عليه. ثم ثبت ملكها بعد في سنة ٦٥٦ للقاضي محيي الدين عمر بن موسى بن جعفر (رقم ٢٨). وكل هؤلاء الذين ملكوها كانوا في دمشق، ولم نعرف ما كان من أمرها قبل ذلك من عهد الربيع (المتوفى سنة ٢٧٠) إلى عصر عبد الرحمن بن نصر في اخر القرن الرابع. ولم نعرف أيضا ما كان من أمرها بعد القاضي محيي الدين بن جعفر، إلى أن دخلت في ملك الامير مصطفى باشا فاضل، وانتقلت مع مكتبته كلها إلى دار الكتب المصرية، فعادت إلى بلدها الذي فيه ألفت وكتبت
وألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عينا بالاياب المسافر
نسخة ابن جماعة لو انفردت لكانت أصلا جيدا للكتاب، ولكنها جاءت بجوار أصل الربيع، فكانت فرعا ضئيلا، إذ خالفته في مواضع كثيرة، وكان الاصل هو الاصل، وأين الثرى من الثريا. عنى كاتبها بتجويد الخط، ثم عنى صاحبها بمقابلتها وقراءتها، ولكنه لم يتقن ذلك. ولعل عذره أن النسخة التي قابل عليها لم تكن عمدة، وكتب بحاشيتها تقسيمها إلى أجزاء سبعة، ولكنه نسى من التقسيم الاول والخامس! فذكر عند الفقرة (٥٥١) " آخر الجزء الثاني " وعند (٨٢٧) " آخر الجزء الثالث " وعند (١١٢٨) " آخر الجزء الرابع " وعند (١٤٦٢) " آخر الجزء السادس ". وكتب بلاغات بالمقابلات على النسخة القديمة عند الفقرات (١٢٦، ٢٧٥، ٣٨٣، ٥١١، ٧٥٨) وسمعت على الجمال ابن جماعة، جد العماد، في ستة مجالس، كتبت بلاغات أربعة منها بالحاشية
[ ٢٧ ]
أمام الفقرات (٢٠٨، ٥٦٩، ٨٦٣، ١١٧٣) ولم يكتب الخامس، وأما السادس فينتهي بآخر الكتاب.
وهي مكتوبة على ورق جيد، بخط نسخي جميل واضح، مضبوطة مشكولة في الاكثر. وعدد أوراقها ١٢٤ ورقة، في الصفحة منها ١٩ سطرا، وطول السطر (١١ س) وتشغل السطور من طول الورقة (٥ و١٨ س) وطول الورقة (٧ و٢٤ س) وعرضها (٥ و١٧ س). وكانت أوراقها أكبر من ذلك، ولكن لا ندري من الذي أعطاها لاحد المجلدين، فانتقص من أطرافها، حتى أضاع بعض ما كتب في حاشيتها. وقد صورنا منها الصفحة الاولى والاخيرة مصغرتين، في اللوحتين (١٢، ١٣) وبعد: فلست بمستطيع أن أختم هذه المقدمة قبل أن أؤدي ما وجب علي من الشكر لاخواني الذين أثقلوا كاهلي بفضلهم، بما لقيت من معونتهم في إخراج هذا الاثر الجليل، والسفر النفيس: ابن عمتي السيد محمد السنوسي الانصاري.
والاخ المخلص البار، صديقي وزميلي من أول طلب العلم، العالم المتقن المتفنن، الشيخ محمد خميس هيبة، وقد قرأت عليه الكتاب حرفا حرفا، ورجعت إليه في كل مشكل عرض لي فيه. والاخوان العالمان الجليلان: الشيخ محمد نور الحسن، والشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، أستاذا العربية بكلية اللغة بالازهر، وقد عرضت عليهما كثيرا من مشكلات العربية في الكتاب. ثم القائمون على نشر الكتاب (أنجال المرحوم السيد مصطفى الحلبي) وقد أتاحوا لي فرصة إخراجه وتحقيقه وشرحه، فكانت منة لهم علي وعلى كل قارئ ومستفيد.
واليد البيضاء التي لا تنسى، ما لقيت من معونة أستاذنا العظيم، العلامة الفيلسوف (الدكتور منصور فهمي بك) المدير العام لدار الكتب المصرية، فقد
[ ٢٨ ]
أمر حفظه الله بأن تصور لي نسخة الربيع كلها، وأمر بإعارتي نسخة ابن جماعة، وبأن يسهل لي كل ما أريد من مصادر ومراجع. أحسن الله جزاءه، ووفقه لخدمة العلم والدين.
ونسأل الله المبتدئ لنا بنعمه قبل استحقاقها، المديمها علينا، مع تقصيرنا في الاتيان على ما أوجب به من شكره بها، الجاعلنا في خير أمة أخرجت للناس: أن يرزقنا فهما في كتابه، ثم سنة نبيه، وقولا وعملا يؤدى به عنا حقه، ويوجب لنا نافلة مزيدة (^١). ونسأله سبحانه العصمة والتوفيق.
عن كوبرى القبة ضحوة الجمعة
(١٨ ذي القعدة سنة ١٣٥٨)
(٢٩ ديسمبر سنة ١٩٣٩)
كتب
أبو الاشبال
أحمد محمد شاكر
_________________
(١) اقتباس من الرسالة (رقم ٤٧).
[ ٢٩ ]