٤٢١ - قال الله جل ثناؤه (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ (^٢) ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الفاسقون (^٣»
٤٢٢ - قال الشافعي فالمحصنات (^٤) ها هنا البوالغ الحراير وهذا يدل على أن الإحصان اسم جامع لمعاني مختلفة
٤٢٣ - وقال: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ (^٥) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أربعة شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ (^٦) أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ الله عليها إن كان من الصادقين (^٧»
_________________
(١) في ب وج «أنزلها الله» وهو مخالف للأصل.
(٢) في الأصل إلى هنا، ثم قال «الآية».
(٣) سورة النور (٤).
(٤) في النسخ الثلاث المطبوعة «المحصنات» بدون الفاء، وهي ثابتة في الأصل.
(٥) في الأصل إلى هنا، ثم قال «إلى قوله: إن كان من الكاذبين».
(٦) في الأصل إلى هنا، ثم قال «إلى: إن كان من الصادقين».
(٧) سورة النور (٦ - ٩).
[ ١٤٧ ]
٤٢٤ - (^١) فلما فَرَقَ اللهُ بَيْن حُكم الزوجِ والقاذِف سِواه فَحَدَّ القاذِفَ سِواه إلا أنْ يَأْتِيَ بأربعة شُهَدَاء على ما قال وأخرجَ الزوجَ بالِّلعَان (^٢) من الحَدِّ دل ذلك على أنَّ قَذَفَةَ المُحْصَنات الذين أُريدوا بالجلد قذفةُ الحرائرِ البوالِغِ غير الأزْواجِ
٤٢٥ - وفي هذا الدليلُ (^٣) على ما وصفت من القُرَآن عَرَبي يكون منه ظاهِرُه (^٤) عامًّا وهو يراد به الخاص لا أنَّ واحِدَة من الآيتين نَسَخَتْ الأُخْرى ولكن كلُّ واحدة منهما على ما حَكَمَ اللهُ به فَيُفَرَّقُ بَيْنَهما حيث فرق الله ويجمعان حيث مع اللهُ
٤٢٦ - فإذا الْتَعَنَ الزوجُ خرج من الحد كما يَخرج الأَجْنَبِيُّون بالشُّهود (^٥) وإذا لم يَلتعنْ وزوجتُه حُرةٌ بالغة حُدَّ
٤٢٧ - قال (^٦) وفي العَجْلَانِيِّ (^٧) وزوجته أنزلت آية اللعان ولا عن النبيُّ بَيْنَهما (^٨) فَحَكَى اللعانَ بَيْنهما سهل بن سعد الساعدي
_________________
(١) هنا في ج زيادة «قال الشافعي».
(٢) في س «بالالتعان» والكلمة مكتوبة في الأصل «باللعان» ثم تصرف فيها بعض الكاتبين فأصلحها إصلاحا ظاهرا ليجعلها «بالالتعان».
(٣) في ب وج «دليل» وهو مخالف للأصل.
(٤) في ب «ظاهر» بدون الضمير، وهو خطأ ومخالف للأصل.
(٥) في ب «كما يخرج الأجنبيون منه بالشهود» وكلمة «منه» ليست في الأصل.
(٦) في ب وج «قال الشافعي» وهو مخالف للأصل.
(٧) «العجلاني» بفتح العين المهملة واسكان الجيم وبالنون، واسمه «عويمر» بالتصغير وآخره راء.
(٨) في ب «ولاعن رسول الله ﷺ بينهما»، وفي ج «فلاعن النبي ﷺ بينهما، وكلاهما مخالف للأصل.
[ ١٤٨ ]
وحكاه بن عباس وحكى بن عمر حضورَ لِعانٍ (^١) عندَ النبيِّ (^٢)، فَمَا حَكَى مِنهم واحد (^٣) كيفَ لَفْظُ النبيِّ (^٤) في أمْرِهما باللِّعانِ
٤٢٨ - وقد حَكَوْا معًا أحكامًا لرسول الله ليست نصًّا في القُرَآن منها تَفْريقه بَيْن المُتَلاعِنين ونَفْيُه الولدَ وقولُه " إنْ جَاءَتْ بِهِ هَكَذَا (^٥) فَهُوَ لِلَّذِي يَتَّهِمُهُ " فَجاَءَتْ بِهِ عَلَى الصِّفَةِ (^٦)، وَقَالَ " إنَّ أَمْرَهُ لَبَيِّنٌ لَوْلَا مَا حكى الله (^٧) " وحكى بن عباس أنَّ النبي قال عند الخامسة " قَفُوهُ فَإِنَّهَا مُوجِبَةٌ (^٨) "
٤٢٩ - (^٩) فاستَدْلَلْنا على أنهم لا يَحْكُونَ بَعضَ ما يُحتاج إليه مِن الحديث ويَدَعُون بعضَ ما يُحتاج إليه مِنه وأَوْلَاهُ أنْ يحكى من ذلك كيف لا عن النبيُّ (^١٠) بَيْنهما إلاَّ عِلمًا بأنَّ أحَدًا قَرَأ كتاب
_________________
(١) «لعان» بالتنكير في الأصل، وتحت النون فيه كسرتان، وفي ب وج «اللعان» بالتعريف، وهو مخالف للأصل.
(٢) انظر رواياتهم في الدر المنثور (٢١: ٥ - ٢٤).
(٣) في س «واحد منهم» بالتقديم والتأخير، وهو خطأ من الناسخ.
(٤) في ب وج «كيف كان لفظ النبي» وزيادة «كان» خلاف للأصل.
(٥) في ب وج «كذا» بدل «هكذا» وهو مخالف للأصل.
(٦) في النسخ الثلاث المطبوعة «على تلك الصفة» وكلمة «تلك» مزيدة بحاشية الأصل بخط آخر.
(٧) في ب وج «لولا ما حكم الله» وهو مخالف للأصل، والمراد: لولا ما حكي الله في كتابه من اللعان. ويؤيده رواية البخاري وغيره «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن».
(٨) يعني: أن هذه اليمين الخامسة توجب النار لمن حلف كاذبا، إذ لو اعترف قبل أن يحلف فقد وجب عليه الحد، وهو كفارة لذنبه.
(٩) هنا في ب وج زيادة «قال الشافعي».
(١٠) كلمة «النبي» لم تذكر في س سهوا من الناسخ، وهي ثابتة في الأصل، وفي ب وج «رسول الله ﷺ».
[ ١٤٩ ]
الله يَعْلم أنَّ رسولَ الله إنَّمَا لَاعَنَ كما أَنْزل اللهُ
٤٣٠ - فَاكْتَفَوْا بإبانَةِ اللهِ اللعانَ بالعَدَد والشهادةِ لكلَّ واحدٍ مِنهما دون حِكايةِ لفظِ رسول الله حِينَ لَاعَنَ بَيْنَهما (^١)
٤٣١ - قال الشافعي في كتاب الله (^٢) غاية الكفاية من اللعانِ وعدَدِهِ
٤٣٢ - (^٣) ثم حَكَى بعضُهم عَن النبيِّ في الفُرْقَة بَيْنهما كما وَصَفْتُ
٤٣٣ - وقد وصفْنا سننَ رسولِ الله مَعَ كتابِ اللهِ قَبْلَ هذا (^٤).
_________________
(١) قال الشافعي في الأم (١١١: ٥): «فيما حكي عن رسول الله ﷺ إذ لاعن بين أخوي بني العجلان، ولم يتكلف أحد حكاية حكم النبي ﷺ في اللعان، أن يقول: قال للزوج: قل كذا، ولا للمرأة: قولي كذا، إنما تكلفوا حكاية جملة اللعان -: دليل على أن الله ﷿ إنما نصب اللعان حكاية في كتابه، فإنما لاعن رسول الله ﷺ بين المتلاعنين بما حكم الله ﷿ في القرآن، وقد حكى من حضر اللعان في اللعان ما احتيج إليه، مما ليس في القرآن منه». وقوله «بما حكم الله» أرجح أن صوابه «بما حكى الله».
(٢) في ب وس «وفي كتاب الله» والواو مكتوبة في الأصل بخط غير خطه.
(٣) هنا في ج زيادة «قال الشافعي».
(٤) مضى في مواضع كثيرة، منها في (باب ما أبان الله لخلقه من فرضه على رسوله اتباع ما أوحي إليه. الخ) في الفقرات (٢٩٨ - ٣٠٩). وللشافعي - ﵁ - في هذا الموضع فصل نفيس جدا، كتبه في الأم (١١٣: ٥ - ١١٤) يجب أن نلحقه بكلامه هنا، إتماما له وبيانا، لأنه بموضوع (الرسالة) أشبه:
[ ١٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) (قال الشافعي: ففي حكم اللعان في كتاب الله، ثم سنة رسول الله ﷺ -: دلائل واضحة، ينبغي لأهل العلم أن ينتدبوا بمعرفته (١)، ثم يتحروا أحكام رسول الله ﷺ في غيره على مثاله (٢)، فيؤدون (٣) الفرض، وتنتفي عنهم الشبه التي عارض بها من جهل لسان العرب وبعض السنن، وغبى عن موضع الحجة. منها: أن عويمرا سأل رسول الله ﷺ عن رجل وجد مع امرأته رجلا، فكره رسول الله ﷺ المسائل. وذلك أن عويمرا لم يخبره أن هذه المسئلة كانت. وقد أخبرنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عامر بن سعد عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يكن فحرم من أجل مسئلته». وأخبرنا ابن عيينة عن ابن شهاب عن عامر بن سعد عن أبيه عن النبي ﷺ مثل معناه. قال الله ﷿: [لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم، عفا الله عنها، والله غفور حليم. قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (٤)]. قال الشافعي رحمه الله تعالى: كانت المسائل فيها فيما لم ينزل، ===
(٢) كذا في الأم، ولعل صحته «لمعرفته» باللام.
(٣) في الأم «أمثاله» وهو خطأ.
(٤) في الأم «فهو دون» وكتب مصححها بحاشيتها ما يفيد تصحيحها بما أثبتنا.
(٥) سورة المائدة (١٠١ و١٠٢).
[ ١٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إذا كان الوحي ينزل بمكروه، لما ذكرت من قول الله ﵎، ثم قول رسول الله ﷺ وغيره فيما في معناه. وفي معناه كراهية لكم أن تسألوا عما لم يحرم، فان حرمه الله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ: حرم ابدا، الا أن ينسخ الله تحريمه في كتابه، أو ينسخ على لسان رسوله ﷺ سنه بسنة (١). وفيه دلائل على أن ما حرم رسول الله ﷺ حرام باذن الله تعالى إلى يوم القيامة، بما وصفت وغيره، من افتراض الله تعالى طاعته في غير آية من كتابه، وما جاء عنه ﷺ، مما قد وصفته في غير هذا الموضع. وفيه دلالة على أن رسول الله صلى الله على وسلم حين وردت عليه هذه المسئلة، وكانت حكما -: وقف عن جوابها، حتى أتاه من الله ﷿ الحكم فيها، فقال لعويمر: «قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك» فلاعن بينهما، كما أمر الله تعالى في اللعان، ثم فرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة ونفاه عن الأب، وقال له: «لا سبيل لك عليها» ولم يردد الصداق على الزوج. فكانت هذه أحكاما وجبت باللعان، ليست باللعان بعينه، فالقول فيها واحد من قولين: أحدهما: أني سمعت ممن أرضى دينه وعقله وعلمه يقول: انه لم يقض فيها ولا غيرها الا بأمر الله ﵎، قال: ===
(٢) في الأم «لسنة» باللام، وهو خطأ.
[ ١٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فأمر الله إياه وجهان: أحدهما: وحي ينزله فيتلى على الناس، والثاني: رسالة تأتيه عن الله تعالى بأن افعل كذا، فيفعله. ولعل من حجة من قال هذا القول ان يقول: قال الله ﵎: [وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم] (١) فيذهب إلى أن الكتاب هو ما يتلى عن الله تعالى، والحكمة هي ما جاءت به الرسالة عن الله، مما بينت سنة لرسول الله ﷺ. وقد قال الله ﷿ لأزواج نبيه (٢): [واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة] (٣). ولعل من حجته أن يقول: قال رسول الله ﷺ لأبي الزاني بامرأة الرجل الذي صالحه على الغنم والخادم -: «والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله. أما إن الغنم والخادم رد عليك». وأن امرأة رجم إذا اعترفت، وجلد ابن الرجل مائة وغربه عاما. ولعله يذهب إلى أنه إذا انتظر الوحي في قضية لم ينزل عليه فيها - انتظره كذلك في كل قضية وقال غيره: سنة رسول الله ﷺ وجهان: أحدهما: ما يبين ما في كتاب الله (٤)، المبيِّن عن معنى ما أراد الله بجملته، خاصا وعاما. والآخر: ما ألهمه الله من الحكمة، وإلهام الأنبياء وحي. ولعل من حجة من قال هذا القول أن يقول: قال الله ﷿ فيما يحكي عن إبراهيم: ===
(٢) سورة النساء (١١٣).
(٣) في الام «لأزواجه» وهو خطأ مطبعي واضح.
(٤) سورة الأحزاب (٣٤).
(٥) في الأم «ما تبين مما في كتاب الله» وهو تحريف، صحته ما كتبنا.
[ ١٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [إني أري في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟ قال: يا أبت افعل ما تؤمر] (١) فقال غير واحد من أهل التفسير: رؤيا الأنبياء وحي، لقول ابن إبراهيم الذي أمر بذبحه: [يا أبت افعل ما تؤمر] ومعرفته أن رؤياه امر أمر به، وقال الله ﵎ لنبيه: [وما جعلنا الرؤيا التي أريناك الا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن] (٢) وقال غيرهم: سنة رسول الله ﷺ وحي، وبيان عن وحي، وأمر جعله الله اليه، بما ألهمه من حكمته، وخصه به من نبوته، وفرض على العباد اتباع أمر رسول الله ﷺ في كتابه. قال: وليس تعدو السنن كلها واحدا من هذه المعاني التي وصفت، باختلاف من حكيت عنه من أهل العلم. وأيها كان فقد ألزمه الله تعالى خلقه، وفرض عليهم اتباع رسوله فيه. وفي انتظار رسول الله ﷺ الوحي في المتلاعنين، حتى جاءه فلاعن، ثم سن الفرقة، وسن نفي الولد، ولم يردد الصداق على الزوج وقد طلبه -: دلالة على أن سنته لا تعدو واحدا من الوجوه التي ذهب إليها أهل العلم: بأنها تبين عن كتاب الله: إما برسالة من الله، أو إلهام له، وإما بأمر جعله الله اليه، لموضعه الذي وضعه من دينه - وبيان لأمور: منها أن الله تعالى أمره أن يحكم علي الظاهر، ولا يقيم حدا بين اثنين إلا به، لأن الظاهر يشبه الاعتراف من المقام ===
(٢) سورة الصافات (١٠٢).
(٣) سورة الاسراء (٦٠).
[ ١٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عليه الحد، أو بينة، ولا يستعمل على أحد - في حد ولاحق وجب عليه -: دلالة على كذبه، ولا يعطى أحدا بدلالة على صدقه، حتى تكون الدلالة من الظاهر في العام، لا من الخاص. فإذا كان هذا هكذا في أحكام رسول الله ﷺ -: كان من بعده من الولاة أولى أن لا يستعمل دلالة، ولا يقضي إلا بظاهر أبدا. فإن قال قائل: ما دل على هذا؟ قلنا: قال رسول الله ﷺ في المتلاعنين: «ان أحدكما كاذب». فحكم على الصادق والكاذب حكما واحدا: أن أخرجهما من الحد. وقال رسول الله ﷺ: «إن جاءت به أحيمر فلا أراه الا قد كذب عليها، وان جاءت به أديعج فلا أراه إلا قد صدق» فجاءت به علي النعت المكروه. وقال رسول الله ﷺ: «ان أمره لبين لولا ما حكم الله (١)». فأخبر أن صدق الزوج على الملتعنة بدلالة على صدقه أو كذبه بصفتين، فجاءت دلالة على صدقه، فلم يستعمل عليها الدلالة، وأنفذ عليها ظاهر حكم الله تعالى: من ادراء الحد، وإعطائها الصداق، مع قول رسول الله ﷺ: «ان أمره لبين لولا ما حكم الله (١)». وفي مثل معنى هذا من سنة رسول الله ﷺ قوله: «انما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن ===
(٢) انظر ما مضى في حاشية رقم (٤٢٨).
[ ١٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار». فأخبر أنه يقضي على الظاهر من كلام الخصمين، وانما يحل لهما ويحرم عليهما فيما بينهما وبين الله على ما يعلمان. ومن مثل هذا المعنى من كتاب الله قول الله ﷿: [إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم انك لرسوله، والله يشهد ان المنافقين لكاذبون (١)] فحقن رسول الله ﷺ دماءهم بما أظهروا من الاسلام، وأقرهم على المناكحة والموارثة، وكان الله أعلم بدينهم بالسرائر، فأخبره الله أنهم في النار، فقال: [ان المنافقين في الدرك الأسفل من النار (٢)]. وهذا يوجب على الحكام ما وصفت: من ترك الدلالة الباطنة، والحكم بالظاهر من القول أو البينة أو الاعتراف أو الحجة. ودل أن عليهم أن ينتهوا إلى ما انتهي بهم اليه، كما انتهى رسول الله صلي الله عليه وسلم في المتلاعنين إلى ما انتهى به اليه. ولم يحدث رسول الله ﷺ في حكم الله، وأمضاه على الملاعنة، بما ظهر له من صدق زوجها عليها بالاستدلال بالولد -: أن يحدها حد الزانية. فمن بعده من الحكام أولى أن لا يحدث في شئ، لله فيه حكم، أو لرسوله (٣) ﷺ -: غير ما حكما به بعينه، أو ما كان في معناه. ===
(٢) سورة المنافقون (١).
(٣) سورة النساء (١٤٥).
(٤) في الأم «ولا لرسوله» وهو خطأ واضح.
[ ١٥٦ ]
٤٣٤ - (^١) قال الله (كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات) (^٢) (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا (^٣»
٤٣٥ - (^٤) ثم بَيَّن أيَّ شهر هو فقال: (شَهْرُ رمضان الذي أنزل فيه القرآن (^٥) هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تشكرون (^٦»
٤٣٦ - قال الشافعي فما علمتُ أحدًا مِن أهل العلم بالحديث
_________________
(١) وواجب على الحكام والمفتين أن لا يقولوا الا من وجه لزم من كتاب الله أو سنة أو إجماع، فإن لم يكن في واحد من هذه المنازل اجتهدوا عليه، حتى يقولوا مثل معناه، ولا يكون لهم - والله أعلم - أن يحدثوا حكما ليس في واحد من هذا ولا في مثل معناه).
(٢) في ج «قال الشافعي: وقال الله» وهو مخالف للأصل.
(٣) سورة البقرة (١٨٣ و١٨٤)
(٤) سورة البقرة (١٨٥) وهذه جزء من الآية، وقد كتب في الأصل عقب ما قبله بدون فصل، فأوهم أنه متصل بما قبله، ولذلك تصرف الناسخون هنا: ففي ج زاد بينهما كلمة «وقال» ليفصل بين الآيتين، وفي ب ذكر من الآية الأولى إلى قوله «لعلكم تتقون» ثم قال «الآية» ثم ذكر قوله «ثم بين أي شهر هو» الخ.
(٥) هنا في ج زيادة «قال الشافعي».
(٦) في الأصل إلى هنا، ثم قال «الآية».
(٧) سورة البقرة (١٨٥).
[ ١٥٧ ]
قَبْلنا تكلَّفَ أنْ يرْوِيَ عن النبي أنَّ الشهر المفروض صومه شهرُ رمضان الذي بَيْن شعبان وشوالٍ لمعرفتهم بشهر (^١) رمضان مِن الشهور واكتفاءً (^٢) منهم بأن الله فَرَضَهُ
٤٣٧ - وقد تَكَلَّفوا حفظَ صومه في السفر وفطرِه وتكلَّفوا كيف قَضَاؤه (^٣) وما أشبهَ هذا مما ليس فيه نص كتاب
٤٣٨ - ولا علمْتُ أحدًا من غير أهل العلم احْتَاجَ في المسألة (^٤) عن شهر رمضان أيُّ شهرٍ هو ولا: هل (^٥) هو واجب أم لا
٤٣٩ - (^٦) وهكذا ما أنزل الله من جُمَل فَرَائضه في أنَّ عليهم صلاةً وزكاة وحجا مَنْ أطاقه (^٧) وتحريِمِ الزنا والقتل وما أشْبَهَ هذا
٤٤٠ - قال (^٨) وقد كانت لرسول الله في هذا سننا (^٩) ليست
_________________
(١) في ب «شهر» بحذف باء الجر، وهي ثابتة في الأصل.
(٢) في ج «واكتفى» وهو مخالف للأصل وخطأ أيضا.
(٣) رسمت في الأصل «قضأه» بوضع الهمزة فوق الألف.
(٤) في ب وج «إلى المسألة» وهو مخالف للأصل.
(٥) كلمة «هل» سقطت من س خطأ.
(٦) هنا في ج زيادة «قال الشافعي».
(٧) في س «أطاق» وهو مخالف للأصل.
(٨) كلمة «قال» لم تذكر في س، وهي ثابتة في الأصل. وفي ج «قال الشافعي».
(٩) كتبت في الأصل «سننا»، ووضع على الألف فتحتان، وكانت مكتوبة في النسخة المقروءة على ابن جماعة بالنصب أيضا، ثم كشطت الألف، وأصلحت لتقرأ «سنن» بالرفع بمدادين: أسود وأحمر معا، ولكن موضع كشط الألف فيها واضح، وهو يؤيد أن صحتها في لغة الشافعي هكذا. وانظر ما مضى في الفقرتين (٣٠٧ و٣٤٥) وما سيأتي في الفقرة (٤٨٥).
[ ١٥٨ ]
نصًّا في القُرَآن أبان رسولُ الله عَنْ الله معنى ما أراد بها وتكلَّم المسلمون في أشياءَ مِن فُروعها لمْ يَسُنَّ رسولُ الله فيها سُنَّة مَنْصوصةً
٤٤١ - فمِنها (^١) قولُ الله (^٢) (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ (^٣) مِنْ بَعْدُ حتى تنكح زوج غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يتراجعا (^٤»
٤٤٢ - (^٥) فاحتمل قولُ الله (^٦) (حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) أن يتزوجها زوجٌ غيرُه وكان هذا المعنى الذي يَسْبِق إلى مَنْ خوطب به أنها إذا عُقِدَتْ عليها عُقْدةُ النكاحِ فقد نَكَحَتْ
٤٤٣ - واحتمل حتى يُصِيبها زوجٌ غيرُه لأن اسْم النكاح " يَقَعُ بالإصابة ويقع بالعقد (^٧)
٤٤٤ - فلَمَّا قال رسولُ الله لامْرأة طلَّقَها زوجُها ثَلَاثًا ونَكَحَها بَعْدَه (^٨) رجلٌ " لَا تَحِلِّينَ (^٩) حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ
_________________
(١) في ج «منها» بحذف الفاء، وهو مخالف للأصل.
(٢) هنا في ب وج زيادة «في الرجل يطلق امرأته التطليقة الثالثة» ولكن. في ج «الزوج» بدل «الرجل» وليس من ذلك شيء في الأصل.
(٣) في الأصل إلى هنا، ثم قال «إلى قوله: أن يتراجعا».
(٤) سورة البقرة (٢٣٠).
(٥) هنا في ج زيادة «قال الشافعي».
(٦) في ج «قوله» وهو مخالف للأصل.
(٧) في ج «ويقع بالعقد معها» وزيادة كلمة «معها» خلاف للأصل، وإفساد للمعنى أيضا كما هو ظاهر.
(٨) في س «بعدها» وهو خطأ مطبعي.
(٩) في س وج «لا تحلين له» وكلمة «له» ليست في الأصل.
[ ١٥٩ ]
وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ " (^١) يعني يُصيبك زوج غيره والإصابة النكاح (^٢)
٤٤٥ - فإن قال قائل فاذْكر الخبَرَ عَنْ رسولِ الله بما ذكرْتَ
٤٤٦ - قيل (^٣) أخبرنا سفيان (^٤) عن بن شهاب (^٥) عن عروة (^٦) عن عائشة (^٧) " أنَّ امْرَأةَ رِفَاعَةَ (^٨) جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ فَقَالَتْ إنَّ رِفَاعَةَ
_________________
(١) «العسيلة» بالتصغير. قال في النهاية: «شبه لذة الجماع بذوق العسل، فاستعار لها ذوقا، وانما أنث لأنه أراد قطعة من العسل، وقيل: على اعطائها معنى النطفة، وقيل العسل في الأصل يذكر ويؤنث، فمن صغره مؤنثا قال: عسيلة، كقويسة وشميسة، وانما صغره إشارة إلى القدر القليل الذي يحصل به الحل». وقال الشريف الرضي في المجازات النبوية (ص ٢٨٢ - ٢٨٣): هذه استعارة كأنه ﵊ كنى عن حلاوة الجماع بحلاوة العسل، وكأن مخبر المرأة ومخبر الرجل كالعسلة المستودعة في ظرفها، فلا يصح الحكم عليها إلا بعد الذوق منها، وجاء ﵊ باسم العسلة مصغرا: لسر لطيف في هذا المعنى، وهو أنه أراد فعل الجماع دفعة واحدة، وهو ما تحل المرأة به للزوج الأول، فجعل ذلك بمنزلة الذواق من العسلة من غير استكثار منها، ولا معاودة لأكلها، فأوقع التصغير على الاسم، وهو في الحقيقة للفعل».
(٢) جواب «لما» في قوله «فلما قال رسول الله لامرأة» -: محذوف، للعلم به وقيام الدليل من سياق الكلام عليه، كأنه يريد: فلما قال ذلك رسول الله تبين أن المراد بالنكاح في الآية إصابة الزوج إياها بعد الزواج.
(٣) في ج «قيل له» وكلمة «له» ليست في الأصل.
(٤) في ج «سفيان بن عيينة» وهو هو، لكن كلمة «بن عيينة» ليست في الأصل.
(٥) في ب «عن الزهري» والزهري هو ابن شهاب، ولكن النص الذي هنا هو الذي في الأصل.
(٦) في ج «عن عروة بن الزبير» وزيادة «بن الزبير» خلاف الأصل.
(٧) في ج زيادة «زوج النبي ﷺ» وليست في الأصل.
(٨) في ج زيادة «القرظي» وليست في الأصل.
[ ١٦٠ ]
طَلَّقَنِي (^١) فَبَتَّ طَلَاقِي وَإنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ (^٢) تَزَوَّجَنِي وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ (^٣) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (^٤) أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ (^٥) "
٤٤٧ - قال الشافعي فَبَيَّن رسولُ الله أنَّ إحلالَ الله إيَّاها للزوج المُطَلِّقِ ثلاثًا بَعْدَ زَوْجٍ بالنكاح إذا كانَ مَع النِّكاحِ إصابَةٌ مِن الزوج.