هل للأمر صيغة مبينة له في اللغة تدل بمجردها على كونه أمرًا إذا تعَّرت عن القرائن؟ أم لا؟
نقل عبد اللَّه عنه في الآية إذا جاءت عامة مثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^١) أنَّ قومًا قالوا: نتوقف فيها، فقال أحمد: قال اللَّه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (^٢)، فكنا نقف لا نورث حتى ينزل (^٣) أن لا يرث قاتل ولا مشرك.
ونقل صالح أيضًا في كتاب طاعة الرسول، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فالظاهر يدل على أنه من وقع عليه إسم سارق وإن (^٤) قَلَّ وجب
_________________
(١) سورة المائدة: ٣٨.
(٢) سورة النساء: ١١.
(٣) هكذا في الأصل ولعل الصواب يرد لأن منع القاتل والشرك من الميراث لم يرد في القرآن وإنما جاءت به السنة. .
(٤) في الأصل (فإن).
[ ١ / ٣٥ ]
عليه القطع، حتى يبين النبي -ﷺ- القطع في ربع دينار (^١) وقيمة المجن (^٢)، فقد صرح بالأخذ بمجرد اللفظ، ومنع من الوقف فيه، وهذا يدل على أن (له) صيغة تدل بمجردها على كونه أمرًا.
وقال في رواية أبي عبد الرحمن الجوزجاني: من تأوَّل القرآن على ظاهره من غير دلالة من الرسول ولا أحد من الصحابة فهو تأويل أهل البدع، لأن الآية قد تكون عامة قصدت شيئًا (^٣) بعينه، ورسول اللَّه -ﷺ- المعبر عن كتاب اللَّه، فقد منع من الأخذ بظاهر الآية حتى يقترن بيان رسول اللَّه -ﷺ-.
فظاهر هذا أنه لا صيغة له تدل بمجردها على كونه أمرًا، بل هو على الوقف حتى يدلُّ الدليل على المراد بها، من وجوب، أو ندب، والمذهب هو الأول، وأن له صيغة تدل بمجردها على كونه أمرًا، ولا يجب الوقف فيه، وقد صرح به في مواضع كثيرة من كلامه في مسائل الفروع.
وجه من ذهب إلى الوقف، أن هذه الصيغة ترد والمراد بها الوجوب، كقوله -تعالى-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^٤)، وترد والمراد بها الندب، كقوله:
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الحدود - باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٤/ ١٧٣ وصحيح مسلم - كتاب الحدود - باب حد السرقة ونصابها - ٤/ ١٣١٢ حديث ١٦٨٤. وسنن أبي داود - كتاب الحدود - باب ما يقطع فيه السارق ٤/ ٥٤٥ حديث ٤٣٨٣. وسنن ابن ماجه - كتاب الحدود - باب حد السارق - ٢/ ٨٦٢ حديث ٢٥٨٥. وسنن الترمذي - أبواب الحدود - باب ما جاء في كم يقطع السارق ٣/ ٣ حديث ١٤٦٩.
(٢) صحيح البخاري - كتاب الحدود - باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٤/ ١٧٤. وصحيح مسلم - كتاب الحدود - باب حد السرقة ونصابها ٤/ ١٣١٣ حديث ١٦٨٦، وسنن أبي داود - كتاب الحدود - باب ما يقطع فيه السارق ٤/ ٥٤٧ حديث ٤٣٨٥، وسنن النسائي - كتاب الحدود - باب القدر الذي إذا سرقه السارق قطعت يده ٨/ ٧٦، وسنن ابن ماجه - كتاب الحدود - باب حد السارق ٢/ ٨٦٢ حديث ٢٥٨٤ و٢٥٨٦.
(٣) في الأصل بشيء.
(٤) سورة المزمل ٢٠ والبقرة ٤٣.
[ ١ / ٣٦ ]
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ (^١)، (وترد) والمراد بها التهديد، كقوله -تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (^٢) وترد والمراد بها الإِباحة، مثل قوله -تعالى-: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٣)، وإذا كان ورودها مشتركًا لم تدل على شيء، فلم يكن حملها على الوجوب بأولى من حملها على الندب، أو الإِباحة أو التهديد، وإذا تساويا وقف، كقوله: كون، لما لم يدل على شيء وقف حتى يدل على المراد، والدلالة على نفي الوقف أشياء، منها قوله -تعالى-: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (^٤)، فسمى ذلك أمرًا، وعاتبه على ترك السجود، وسجدت الملائكة بظاهر هذا اللفظ، ولم يوجد إلا أمرًا مطلقًا مجردًا عن القرائن، فدل على أنّه يسمى أمرًا، وأنه يدل على الأمر بمطلقه، ولأن الصحابة أجمعوا على أنّ للأمر صيغة تدل بمجردها على كونه أمرًا.
وهذا ظاهر في احتجاج بعضهم على بعض، منه قصة مانعي الزكاة، قال عمر لأبي بكر حين أراد قتالهم: كيف تقاتلهم وقد سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "أُمرتُ أنْ أُقاتلَ النَّاس حتى يقولوا لا إلهَ إلَّا اللَّه فإذا قالوها عَصَمُوا مِنِّي دماءَهُمْ وأموالَهُمْ إلَّا بحقها" (^٥)، فقال أبو بكر (^٦): قال اللَّه -تعالى-:
_________________
(١) سورة النور ٣٢.
(٢) سورة فصلت ٤٠.
(٣) سورة الجمعة ١١.
(٤) سورة الأعراف ١٢.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة - باب وجوب الزكاة ١/ ٢٤٣ وليس فيه قول أبي بكر: قال اللَّه تعالى-. . الخ وفي كتاب استتابة المرتد، باب قتل من أبى قبول الفرائض ٤/ ١٩٦، وفي كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنة النبي ٤/ ٢٥٧ ومسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا اله إلا اللَّه ١/ ٥١ حديث ٢٠ بالرقم العام، وأبو داود في كتاب الزكاة ٢/ ١٩٨ حديث ١٥٥٦، والترمذي في الإيمان باب ما جاء "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه" ٤/ ١١٧ حديث ٢٣٧٤، والنسائي في كتاب الجهاد، باب وجوب الجهاد ٦/ ٥.
(٦) لم أجد قول أبي بكر -﵁- قال اللَّه تعالى. . الخ في روايات الحديث، وقد تقدم تخريجه دون هذا اللفظ.
[ ١ / ٣٧ ]
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^١) واللَّه لا أفرق بينهما (^٢) فاحتج أبو بكر عليه بالأمر المطلق فأقره عليه، ولو كان مطلق الأمر على الوقف ما احتج عليه بذلك، ولم يقره عمر على ذلك، ولأن أهل اللغة قسموا الكلام أربعة أقسام: أمر، ونهي، واستخبار، وخبر، ومن خالفنا قال: لا فرق بين الأمر والنهي، وأن كل واحد منهما لا يدل على شيء، فلا يدل الأمر على إيجاد فعل، ولا النهي يدل على ترك فعل، فلو كان الأمر على ما قالوه بطلت فائدة القسمة لأن من يقول: إن قوله افعل يقتضي لا تفعل، لأنه يكون على التهديد، ومن قال لا تفعل يقتضي افعل فقد جعل الأمر نهيًا، والنهي أمرًا بعكس اللغة، وما ذكر من أن هذه اللفظة ترد مشتركةً في الوجوب والندب والإِباحة لا يمنع من الصيغة، كأسماء الحقائق وهو الأسد والحمار وهو حقيقة للبهيمة ويراد به الرجل بقرينة، ومع هذا فلا يمتنع أن يكون إطلاقها لحقيقة البهيمة، وكذلك العشرة حقيقة في العشرة، وهي تستعمل في الخمسة مع القرينة التي هي الإِستثناء، بقوله عشرة إلا خمسة، ويبطل بقوله: فرضت وأوجبت وألزمت فإن هذا يرد والمراد به الوجوب، ويرد والمراد به الندب، كقوله: "غُسل يوم الجُمُعة واجبٌ على كلِّ مُحتلمٍ" (^٣)، ومعناه وجوب اختيار وكذلك فرضت يحتمل الوجوب، ويحتمل التقدير، وكذلك الوعيد، يرد والمراد به الوجوب، والمندوب، قال اللَّه -تعالى- ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (^٤)، فتوعدهم على منع
_________________
(١) سورة البقرة ٤٣، وسورة المزمل ٢٠.
(٢) في الأصل (بينما).
(٣) صحيح البخاري - كتاب الجمعة - باب فضل الغسل يوم الجمعة ١/ ١٥٨ وصحيح مسلم - كتاب الجمعة - باب وجوب غسل الجمعة ٢/ ٥٨٠ حديث/ ٨٤٦، وسنن أبي داود - كتاب الطهارة - باب الغسل يوم الجمعة ١/ ٢٤٣ حديث ٣٤١، وسنن ابن ماجة - كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة ١/ ٣٤٦ حديث ١٠٨٩، وسنن النسائي - كتاب الجمعة، باب ايجاب الغسل يوم الجمعة ٣/ ٩٣.
(٤) سورة الماعون ٤، وما بعدها.
[ ١ / ٣٨ ]
الماعون وذلك مندوب إليه ومع هذا إطلاقه يقتضي الوجوب.