في التابعي هل يعد خلافًا على الصحابة. على روايتين إحداهما لا يعد، قال في رواية أبي الحارث وقد سأله إلى أي شيء تذهب في ترك الصلاة بين التراويح؟ فقال: ضرب عليها عقبة بن عامر (^٣)، ونهى عنها عبادة بن الصامت (^٤)، وحديث أبي الدرداء (^٥) فقيل له: يروي عن سعيد والحسن أنهما كانا يريان الصلاة بين التراويح (^٦)، فقال له: أقول لك أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- وتقول التابعين، وسأله أيضًا عن عدد قتلوا رجلًا قال يقتلون. يروى
_________________
(١) الحديث المتقدم في نفس المسألة.
(٢) تقدم تخريجه في الاحتجاج بقول الصحابى المسألة رقم (٨).
(٣) لم أجد ما ذكره من ضرب عقبة لمن يصلي بين التراويح.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الصلاة - باب الصلاة بين التراويح ٢/ ٣٩٩.
(٥) ذكره ابن قدامة في المغني - كتاب الصلاة - صلاة التراويح ٢/ ١٧٠ فقال: روى الأثرم عن أبى الدرداء أنه أبصر قومًا يصلون بين التراويح فقال: ما هذه الصلاة؟ أتصلي وإمامك بين يديك؟ ليس منا من رغب عنا. وقد بحثت عنه في غيره فلم أجده.
(٦) لم أجد ما روي عن سعيد من جواز الصلاة بين التراويح وقد جاء في مصنف عبد الرزاق - كتاب الصلاة - باب قيام رمضان ٤/ ٢٦٦ رقم ٧٧٥٠ عن معمر عن الحسن وقتادة قالا: إذا كان الرجل يصلي بين الترويحتين في رمضان فكبر الإمام قبل أن يركع فلا بأس أن يصل صلاته بصلاة الإمام ولا يركع.
[ ١ / ٥٤ ]
عن عمر (^١) وعلي (^٢) قيل له: قد روى عن بعض التابعين أنه قال: لا يقتل اثنان بواحد (^٣)، فقال: ما تصنع بالتابعين.
نقل أيضًا أبو عبد اللَّه القواريري قال: سمعت أحمد يذاكر رجلًا فقال له الرجل: قال عطاء، فأخذ أحمد نعله وقال: أقول لك قال ابن عمر وتقول: قال عطاء، من عطاء؟ ومن أبوه؟ وظاهر هذا أنه لا يعد خلافًا على الصحابة.
والرواية الثانية يعد خلافًا قال في رواية عبد اللَّه وأبي طالب لا ينظر العبد إلى شعر مولاته، قال سعيد بن المسيب لا تغرنكم هذه الآية التي في سورة النور ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (^٤)، إنما عني بها الإماء (^٥) وابن عباس يقول لا
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الديات - باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم ٤/ ١٩٠ عن عمر. وموطأ مالك - كتاب العقول - باب ما جاء في الغيلة ٢/ ٨٧١ عن عمر. وسنن الدارقطني كتاب الحدود والديات ٣/ ٢٠٢ و٢٠٣ رقم ٣٦١ عن عمر. والسنن الكبرى للبيهقي - كتاب الجنايات - باب النفر يقتلون الرجل ٨/ ٤١ عن عمر. ومصنف عبد الرزاق - كتاب العقول - باب النفر يقتلون الرجل ٩/ ٤٧٥ رقم ١٨٠٦٩ وما بعده عن عمر و٩/ ٤٧٦ رقم ١٨٠٧٧ ورقم ١٨٠٧٨ عن عمر -﵁- وفيه أن عمر توقف حتى أشار عليه علي بذلك.
(٢) ورد عن علي أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلًا، إرواء الغليل - كتاب الجنايات باب شروط استيفاء القصاص ٧/ ٢٦١ رقم ٢٢٠٢ قال الألباني: ضعيف، أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، وساق الأثر بلفظ: حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب قال: خرج رجال في سفر فصحبهم رجل فقدموا وليس معهم، فاتهمهم أهله، فقال شريح: شهودكم أنهم قتلوا صاحبكم، وإلا حلفوا باللَّه ما قتلوه، فأتى بهم علي وأنا عنده ففرق بينهم فاعترفوا فأمر بهم فقتلوا. ثم قال الألباني، قلت: ورجاله ثقات، رجال الشيخين غير سعيد بن وهب وهو الثوري الهمداني الكوفي وهو مجهول وفي التقريب مقبول.
(٣) أخرج عبد الرزاق في مصنفه - كتاب العقول - باب النفر يقتلون الرجل ٩/ ٤٧٩ رقم ١٨٠٨٣ عن معمر عن الزهري أنه قال: لا يقتل رجلان برجل، وانظر رقم ١٨٠٨٤ و١٨٠٨٥ من نفس المرجع.
(٤) سورة النور ٣١.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة - كتاب النكاح باب الرجل المملوك له أن يرى شعر مولاته ٤/ ٣٣٥.
[ ١ / ٥٥ ]
بأس بذلك (^١) فظاهر هذا أنه جعل قول سعيد خلافًا لابن عباس وأخذ به.
قال أبو بكر الخلال: إنما صار أحمد إلى هذا وترك قول ابن عباس لأنه ضعيف، ومذهبه أنه إذا صح قول أحد الصحابة فهو مقدم على من بعده من التابعين، وليس الأمر كما توهمه أبو بكر، فإن الحديث عن ابن عباس صحيح.
روى الأثرم قال: قلت له السدي عن أبي مالك عن ابن عباس؟، قال: نعم، قلت: أفليس هذا إسناد؟ قال: ليس به بأس، فقد حكم بصحة إسناده، وقد أومأ إلى هذا في رواية مهني في رجل صلى ثلاث ركعات وهو يظن أنها أربع وسلم ثم سجد سجدتي السهو ثم قام ليصلي صلاة أخرى فذكر أنه صلى ثلاث ركعات، فهذا قد خرج من صلاة إلى صلاة أخرى، يعيد، قال إبراهيم والحسن: قد خرج من صلاة إلى صلاة أخرى، يعيد، وعن أنس بن مالك خلاف ما قال إبراهيم والحسن، وأعجب إليّ أنه يعيد، قد خرج من صلاة إلى صلاة، فظاهر هذا أنه أخذ بقول إبراهيم والحسن.
وكذلك نقل الميموني في جراح العبد هو فيها بمنزلة الحر في ديته فإذا قطعت ففيها نصف قيمته، هكذا يقول سعيد بن المسيب (^٢) وابن عباس يقول: هو مال (^٣) فظاهر هذا أنه أخذ بقول سعيد في التقدير.
وجه الأولى في أنه لا يعد خلافًا ما روى عن النبي -ﷺ- أنه قال إقتدوا
_________________
(١) مصنف ابن أبى شيبة - كتاب النكاح باب ما قالوا في الرجل المملوك له أن يرى شعر مولاته ٤/ ٣٣٤.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي - كتاب الديات - باب جراحة العبد - ٨/ ١٠٤ ومصنف عبد الرزاق، كتاب العقول - باب جراحات العبيد ١٠/ ١ رقم ١٨١٤٢.
(٣) لم أجد هذا الأثر عن ابن عباس وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه كتاب العقول - باب جراحات العبيد ١٠/ ٦ رقم ١٨١٦٠ عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: لم لا يكون به (والحر بالحر) قال: لأن الحرين ديتهما سواء، والعبدان مال. . .
[ ١ / ٥٦ ]
بالذين من بعدي أبي بكر وعمر (^١) فأمر بإتباعهما فاقتضى هذا وجوب إتباع التابعين لهما، وقال أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم (^٢) وهذا يوجب على غيرهم إتباعهم ويمنع المساواة لهم، ولأن الصحابة لما كان لهم فضل مشاهدة النبي -ﷺ- والعلم بقصده ومخارج كلامه، ومصادره، ولم تحصل هذه المنزلة للتابعين، لم يجز أن يزاحمهم على ما يقولون، ولا يخالفهم فيما يحكمون، ولأنه لو كان خلافه خلافًا أفضى إلى أن لا ينعقد إجماع أبدًا، لأنه ما من عصر إلا ويلحق بهم من العصر الثاني من هو من أهل الإجتهاد، فإذا كان خلافه له خلافًا تسلسل هذا إلى أن لا يتصور إجماع عصر على قول، وما أفضى إلى هذا سقط في نفسه.
ووجه الثانية، أن الصحابة قد سوغت للتابعين الإجتهاد معها والمخالفة لها، ألا ترى أن عمر وعليًا -﵄- وليّا شريحا القضاء (^٣) ولم يتعقبا أحكامه بالفسخ مع إظهار الخلاف عليهما في كثير من المسائل، وكتب عمر -﵁- إليه فإن لم تجد في السنة فاجتهد رأيك (^٤) ولم يأمره بالرجوع إليه ولا الحكم بقوله، وخاصم علي إلى شريح ورضي بحكمه حين
_________________
(١) تقدم تخريجه في المسألة (٨).
(٢) تقدم تخربجه في المسألة (٨).
(٣) ولاه عمر على الكوفة وأقره علي في خلافته بعد عثمان انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٤/ ٣٢٦ رقم ٥٦٤ وطبقات ابن سعد ٦/ ١٣١ وحلية الأولياء ٤/ ٣٧ و٣٨ و١٤٠.
(٤) سنن النسائي - كتاب القضاء - باب الحكم باتفاق أهل العلم ٨/ ٢٣١ بلفظ ". . فإن لم يكن في كتاب اللَّه ولا في سنة رسول اللَّه -ﷺ- فاقض بما قضى به الصالحون فإن لم بكن في كتاب اللَّه ولا في سنة رسول اللَّه ولم يقض به الصالحون فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر ولا أرى التأخر إلا خيرًا لك". وحلية الأولياء - ٤/ ١٣٦ في ترجمة شريح بلفظ "إذا جاءك الشيء في كتاب اللَّه فاقض به ولا يلفتنك عنه رجال، وإن جاءك ما ليس في كتاب اللَّه فانظر سنة نبيك ﵇ فاقض بها وإن جاءك ما ليس في كتاب اللَّه ولم يكن فيه سنة من رسول اللَّه -ﷺ- فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به" وليس فيه "فاجتهد رأيك".
[ ١ / ٥٧ ]
حكم عليه بخلاف رأيه (^١) ولأن المعنى الذي لأجله إعتد بخلاف الصحابة على الصحابة هو كونه من أهل الإِجتهاد في زمن الصحابة، ألا ترى أنه لو لم يكن من أهل الإِجتهاد لم يعتد بخلافه مع كونه صحابيًا، فإذا كان كذلك وكان هذا المعنى موجودًا في التابعين، وجب أن يعتد بخلافه عليهم، ولأنه من أهل الإجتهاد، فوجب أن يعد خلافه خلافًا دليله الواحد من الصحابة، ولأن هذا يوجب على من كان من أهل الإِجتهاد تقليد غيره مع وجود الإجتهاد فيه.