وأفعال النبي -ﷺ- إذا وقعت على سبيل القربة والطاعة ابتداء من غير سبب يستند إليه فهل هي على الوجوب أم لا؟
على روايتين، إحداهما أنها على الوجوب وهي اختيار شيخنا أبي عبد اللَّه، وقال في رواية حرب: يمسح رأسه كله، كذا جاء الحديث أن النبي -ﷺ- يمسح على الرأس كله (^١) وقال أيضًا في رواية الأثرم: إذا رمى الجمار فبدأ بالثالثة ثم الثانية ثم الأولى لم يعجبني، قد فعل النبي -ﷺ- الجمار وسن فيها سنة مبيّنة (^٢) وقال أيضًا
_________________
(١) بوب البخاري لذلك بقوله: باب مسح الرأس كله لقوله -تعالى-: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ وساق فيه صفة وضوء النبي -ﷺ- عن عبد اللَّه بن زيد وفيه "ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه" صحيح البخاري - كتاب الوضوء - باب مسح الرأس كله ١/ ٤٧، وبنحو لفظ البخاري أخرجه مسلم في كتاب الطهارة - باب في وضوء النبي -ﷺ- ١/ ٢١١ رقم ٢٣٥ بالرقم العام الرواية الأولى والثالثة، وبلفظ البخاري مع اختلاف يسير أخرجه أبو داود عن عبد اللَّه بن زيد - كتاب الطهارة - باب صفة وضوء النبي -ﷺ- ١/ ٨٦ حديث ١١٨ والترمذي في أبواب الطهارة - باب ما جاء في مسح الرأس أنه يبدأ بمقدم الرأس إلى مؤخره ١/ ٢٥/ ٣٢ عن عبد اللَّه بن زيد، والنسائي في كتاب الطهارة - باب صفة مسح الرأس ١/ ٧١، وابن ماجه كتاب الطهارة - باب ما جاء في مسح الرأس ١/ ١٤٩، حديث ٤٣٤.
(٢) سنة الرسول -ﷺ- في رمي الجمار. أنه بدأ بالأولى مما يلي مني ثم التي تليها ثم جمرة العقبة كما في صحيح البخاري كتاب الحج - باب رمي الجمار ١/ ٣٠١ و٣٠٢ عن ابن عمر وسنن النسائي - كتاب مناسك =
[ ١ / ٦١ ]
في رواية الجماعة المغمي عليه يقضي، لأن النبي -﵇- أغمي عليه فقضي (^١).
والثانية أن ذلك على الندب، وهو ظاهر كلامه في رواية إسحاق بن إبراهيم، قال الأمر من النبي -ﷺ- سوى الفعل، لأن النبي -ﷺ- يفعل الشيء على جهة الفضل، وقد يفعل الشيء وهو له خاص، وإذا أمر بالشيء فهو للمسلمين، وهذا ظاهر من كلامه أن ذلك لا يقتضي الوجوب.
وجه من قال: إنها على الوجوب قوله -تعالى- ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ (^٢) وهذا عام، ولأن النبي -ﷺ- كان يصلي فخلع نعله فخلعوا نِعَالِهِم فلما فرغ قال: لِم خلعتم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا قال: أتاني جبريل فأخبرني أنّ فيهما قذرًا (^٣)، فلم ينكر عليهم قولهم رأيناك فاتبعناك، بل أقرهم، ولأن الصحابة اختلفت في وجوب الغسل بالتقاء الختانين، فقال قوم يجب، وقال أُبيّ بن كعب وغيره لا يجب ما لم ينزل. فسألوا عائشة عن ذلك فقالت: إذا التقى الختانات وجب الغسل، فعلته أنا ورسول اللَّه -ﷺ- فاغتسلنا (^٤)، فأقروها على ما احتجت به في وجوبه من فعل النبي -ﷺ- وأخذوا بذلك، ولأن أفعاله كأقواله، بدليل أنه يخصّ بها العموم.
_________________
(١) = الحج - باب الدعاء بعد رمي الجمار ٥/ ٢٧٦. وسنن الدارمي - كتاب المناسك - باب الرمي من بطن الوادي والتكبير مع كل حصاه ٢/ ٦٣ عن ابن عمر.
(٢) لم أجده مرفوعًا وقد أخرج ابن أبي شيبة الإعادة عن عدد من الصحابة، مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٢٦٨ و٢٦٩.
(٣) سورة الأعراف ١٥٨، وتمام الآية ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
(٤) صحيح ابن خزيمة - كتاب الصلاة - باب المصلي إذا أصاب ثوبه نجاسة وهو لا يعلم ١/ ٣٨٤ حديث ٧٨٦، وسنن أبي داود - كتاب الصلاة - باب الرجل يصلي بالنعل ١/ ٤٢٦ حديث ٦٥٠. والفتح الرباني - كتاب الصلاة - باب الصلاة في النعل ٣/ ١٠٤ حديث/ ٤٠٠، والسنن الكبرى للبيهقي - كتاب الصلاة - باب من صلى وفي ثوبه أو نعله أذى أو خبث لم يعلم به ثم علم ٢/ ٤٠٢، ومصنف ابن أبي شيبة - كتاب الصلاة. باب من رخص في الصلاة في النعلين ٢/ ٤١٥.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الغسل - باب إذا التقى الختانان ١/ ٦٢ عن أبي هريرة بلفظ: "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل"، وأخرجه مسلم في كتاب الحيض باب نسخ =
[ ١ / ٦٢ ]