في القياس الشرعي هل هو حجة أم لا؟
فقد نصّ في مواضع على أنّه حجة تعلق الأحكام عليه، فقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه عنه: لا يستغني أحد عن القياس، وعلى الإمام والحاكم يرد عليه الأمر أن يجمع له الناس ويقيس.
وكذلك نقل الحسين بن حسان عنه، القياس: هو أن يقيس على أصل إذا كان مثله في كل أحواله، وكذلك نقل أحمد بن القاسم، لا يجوز الحديد والرصاص متفاضلًا قياسًا على الذهب والفضة.
وحكى شيخنا أبو عبد اللَّه، أنّ من أصحابنا من قال: ليس بحجة، قال: لأن أحمد قال في رواية المروذي يجتنب: المتكلم في الفقه هاتين الخلصتين القياس والمجمل، وكذلك نقل أبو الحارث عنه، وقد ذكر أهل الرأي وردهم الحديث، فقال: ما تصنع بالرأي والقياس وفي الأثر ما يغنيك عنه، وهذا لا يدل على أنه ليس بحجة، وإنما يدل على أنّه لا يجوز استعماله مع النّص، ولا يعارض الأخبار إذا كانت خاصة أو منصوصة وليس هذا بمذهب فيستعمل فيتوجهه، والدلالة على أنّه حجة قوله -تعالى- ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^١) وحقيقة الاعتبار حمل الشيء على نظيره، ليعرف حكمه به، يُبيِّن صحة هذا ما روي أنّ عمر فاضل في ديّة الأسنان (^٢)، فقال ابن عمر هلا
_________________
(١) سورة الحشر الآية ٢.
(٢) مصنف عبد الرزاق - كتاب العقول - باب الأسنان ٩/ ٣٤٧ رقم ١٧٥٠٧، والحلى كتاب الدماء - باب ديات الجراح والأعضاء ١٠/ ٥٠٠، وفي الموطأ - كتاب العقول - باب جامع عقل الأسنان ٢/ ٨٦١، والسنن الكبرى للبيهقي - كتاب الديات - باب الأسنان كلها سواء ٨/ ٩٠، والمحلى - في الموضع السابق عن عمر أنه قضى في الأضراس ببعير بعير.
[ ١ / ٦٥ ]
أعتبرها بالأصابع، منفعتها مختلفة وعقلها سواء (^١) فبين أنّ الإِعتبار هو حمل الشيء على نظيره.
وأيضًا روي عن النبي -ﷺ- أنّه لمّا بعث معاذًا إلى اليمن قال له "بِمَ تقضي بينهم يا معاذ"؟ قال: بكتاب اللَّه، قال: "فإن لم تجد"؟ قال: بسنة رسول اللَّه، قال: "فإن لم تجد"؟ قال: أجتهد رأيي، قال: "الحمد للَّه الذي وفق رسول رسول اللَّه" (^٢) فوجه الدلالة هو أنّ النبي إنما سأله ليعرف ما عنده، فلمّا أخبره أنّه يرجع إلى اجتهاده ورأيه فيما ليس فيه كتاب ولا سنة سرّه ذلك، وحمده عليه، وأقره عليه، وأرسله إليه، ولأنّه إجماع الصحابة، روي عن أبي بكر أنّه قال: أقول في الكلالة برأيي (^٣) وعن عمر هذا ما رأى عمر (^٤) وقال:
_________________
(١) لم أجده عن ابن عمر وقد ورد أن ابن عباس سئل عن عقل الضرس فقال فيه خمس من الإبل فقيل له: أتجعل مقدم الفم مثل الأضراس فقال: "لو لم تعتبر ذلك إلا بالأصابع عقلها سواء"، موطأ مالك كتاب العقول - باب العمل في دية الأسنان ٢/ ٨٦٢، والسنن الكبرى للبيهقي - كتاب الديات - باب الأسنان كلها سواء ٨/ ٩٠، والمحلى - كتاب الدماء - باب ديات الجراح والأعضاء ١٠/ ٥٠١.
(٢) أخرجه أبو داود - كتاب الأقضية - باب اجتهاد الرأي في القضاء ٤/ ١٨ حديث ٣٥٩٢، والترمذي في الأحكام - باب القاضي كيف يقضي - ٢/ ٣٩٤ حديث ١٣٤٢ وقال: وليس إسناده عندي بمتصل، وأحمد في المسند - الفتح الرباني - كتاب القضاء والشهادات باب ما جاء في القاضي يصيب ويخطئ ١٥/ ٢٠٨.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي - كتاب الفرائض - باب حجب الأخوة والأخوات من قبل الأم بالأب والجد والولد وولد الابن ٦/ ٢٢٣ وسنن الدارمي - كتاب الفرائض - باب الكلالة ٢/ ٣٦٥، وتفسير الطبري - جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٨/ ٥٣ في تفسير قوله تعالى- ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾، كنز العمال كتاب الفرائض - باب الكلالة ١١/ ٧٩ رقم ٣٠٦٩١.
(٤) ذكره ابن حجر في تلخيص الحبير - كتاب القضاء - باب آداب القاضي ٤/ ٢١٤ رقم ٤٠ وقال إسناده صحيح، ونسبه إلى البيهقي، وقد بحثت عنه في السنن الكبرى فلم أهتد إلى موضعه. .
[ ١ / ٦٦ ]
قضيت فيها برأي (^١) وقال، كذلك أقضي فيه برأيي (^٢) وروي عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك وليس فيه كتاب ولا سنة أن تقيس الأمور بعضها ببعض، فما كان أقرب إلى الحق وأحب إلى اللَّه فاعمل به، ولا يمنعك قضاء قضيته فراجعت نفسك فهديت لرشدك أن تراجع الحق، فإن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي بالباطل (^٣) وعن عثمان أنّه قال لعمر: إن اتبعنا رأيك فإنك رشيد، وإن اتبعنا رأي من كان قبلك فنعم ذو الرأي كان (^٤) وعن علي قال: كان رأيي ورأي أمير المؤمنين عمر أن لا تُباع أمهات الأولاد، وأرى أن يبعن، فقال له عبيدة السلماني: رأيك مع أمير المؤمنين أحب إلينا من رأيك وحدك (^٥) والأخبار في ذلك كثيرة، ولأن اللَّه -تعالى- كلّف المجتهدين معرفة حكمها ليعمل بها لنفسه، وليفتي بها، أو
_________________
(١) لم أجد هذا الأثر عن عمر في الكلالة، وقد ورد عنه فيها أنه قال: ". . وسأقضي فيها بقضاء يعلمه من يقرأ ومن لا يقرأ" وهو ما خلا الأب كذا أحسب، وقال: ". . الكلالة ما عدا الولد. . فلما طعن قال: إني لأستحي أن أخالف أبا بكر الكلالة ما عدا الولد والوالد: السنن الكبرى للبيهقي - كتاب الفرائض - باب حجب الأخوة والأخوات من كانوا بالأب. . ٦/ ٢٢٤.
(٢) لم أجد هذا الأثر عن عمر -﵁- بهذا اللفظ وقد ورد عنه أنه قال: "إني قضيت في الجد قضايا مختلفة كلها لا آلو فيه عن الحق ولئن عشت -إن شاء اللَّه- إلى الصيف لأقضين فيها بقضية تقضي بها المرأة وهي على ذيلها، وورد عنه أيضًا أنه قال حين طعن: إني قد رأيت في الجد رأيًا فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه" وورد عنه ايضًا أنه شرك الأخوة الأشقاء مع الأخوة لأم في الثلث فقال له رجل: قضيت في هذا عام أول غير هذا، قال كيف قضيت؟ قال: جعلته للأخوة من الأم ولم تجعل للأخوة من الأب والأم شيئًا، قال: تلك على ما قضينا وهذا على ما قضينا: السنن الكبرى للبيهقي - كتاب الفرائض باب التشديد في الكلام في مسألة الجد مع الأخوة - وباب من لم يورث الأخوة مع الجد وباب المشركة ٦/ ٢٤٥ و٢٤٦ و٢٥٥.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي - كتاب الشهادات باب لا يحل حكم القاضي على المقضي له والمقضي عليه. . . ١٠/ ١٥٠ مع اختلاف في اللفظ وتقديم وتأخير.
(٤) مصنف عبد الرزاق - كتاب الفرائض - باب فرض الجد ١٠/ ٢٦٣ رقم ١٩٠٥١، وسنن الدارمي - كتاب الفرائض - باب قول عمر في الجد ٢/ ٣٥٤، والسنن الكبرى للبيهقي - كتاب الفرائض - باب من لم يورث الأخوة مع الجد ٦/ ٢٤٦ رقم (٥).
(٥) السنن الكبرى للبيهقي - كتاب عتق أمهات الأولاد، باب الخلاف في أمهات الأولاد، ١٠/ ٣٤٨ =
[ ١ / ٦٧ ]
يحكم بها بين الناس، وإذا ثبت وجوب ذلك، فلا بد أن ينصب هناك أدلة تعرف أحكام الحوادث بها، وذلك الدليل إما أن يكون نصًا أو غيره، فبطل أن يكون نصًا لأن اللَّه -تعالى- ما نصّ على حكم كل حادثة، فإذا لم ينص على حكم كل حادثة ولا بد من معرفة حكمها، ثبت أن معرفة حكمها بالإجتهاد، فإذا حرّم الخمر للشدة التي فيها، عرفنا أنّه إنما نصّ على الشدة ليلحق بها نظيرها، فثبت بذلك وجوب القول بالقياس.