إذا ثبت الحكم في الأصل بدليل مقطوع عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع، وجب رد غيره إليه إذا كان معناه فيه، وهذا لا إشكال فيه، فأما إن كان معنى الأصل عُرِفَ بالإستنباط، مثل علة الربا في الزائد مكيلًا أو مطعومًا فهل يجب رد غيره إليه أم لا؟
قال شيخنا أبو عبد اللَّه: لا يجب رد غيره إليه، فعلى قوله يكون القول ببعض القياس دون بعض، وقد أومأ أحمد إليه في رواية مهنّا وقد سأله هل يقيس بالرأي؟ فقال: لا، هو أن يسمع الرجل الحديث فيقيس عليه، معنى قوله لا يقيس بالرأي: يعني ما ثبت أصله بالرأي لا يقيس عليه، وعندي أنّه يجب رد غيره إليه، وقد أومأ إليه في رواية ابن القاسم، فقال: لا يجوز الحديد والرصاص متفاضلًا قياسًا على الذهب والفضة، فقد قاس الحديد والرصاص على الذهب والفضة، والعلة في الأصل غير مقطوع عليها، لأن العلة عند بعضهم كونها قيمة المتلفات، وعند ابن عباس معنى آخر (^١).
_________________
(١) = وتلخيص الحبير، كتاب أمهات الأولاد ٤/ ٢٤١ رقم (٥).
(٢) لم أجد معنى صريحًا لعلة الربا عند ابن عباس -﵁- فلعله يريد ما ورد عنه أنه كان لا يرى الربا إلا في النسيئة، كما في صحيح البخاري كتاب البيوع - باب بيع الدينار بالدينار ٢/ ٢١، =
[ ١ / ٦٨ ]
وجه الأول أنّه إذا كان معنى الأصل عُرِفَ بالإِستدلال وغالب الظن فإذا رددنا غيره إليه عرفناه بالإِستدلال وغالب الظن من غير أصل مقطوع على معناه، وهذا لا يجوز، وتحريره أن المعنى المستنبط غير مقطوع على صحته فلم يجز القياس عليه.
ووجه الثاني: عموم قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^١) ولم يفصل، بل هذا أولى، فإنه اعتبار حكمه، والذي قالوه إعتبار الفرع فقط، فكان بالآية أخص، ولأنه إجماع الصحابة، وذلك أنهم أجمعوا على القياس المستنبط، فقال عمر وعلي لأبي بكر: إرتضاك رسول اللَّه -ﷺ- لديننا أفلا نرضاك لدنيانا (^٢) وهذا قياس على معنى
_________________
(١) = وسنن ابن ماجه - كتاب التجارات - باب من قال: لا ربا إلا في النسيئة، ٢/ ٥٨ حديث ٢٢٥٧. والسنن الكبرى للبيهقي كتاب البيوع - باب ما يستدل به على رجوع من قال من الصدر الأول: لا ربا إلا في النسيئة ٥/ ٢٨٢ والفتح الرباني - كتاب البيوع - باب حجة من رأى جواز التفاضل في الجنس إذا كان يدًا بيد ١٥/ ٧٦ و٧٨ وقد رجع ابن عباس عن هذا القول كما في الفتح الرباني والسنن الكبرى للبيهقي في الموضعين السابقين.
(٢) سورة الحشر ٢.
(٣) لم أجده عن عمر بهذا اللفظ وقد أخرج الهيثمي عن ابن مسعود أن عمر قال للأنصار: "تعلمون أن رسول اللَّه -ﷺ- أمر أبا بكر أن يصلي بالناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر"، قالوا: نعوذ باللَّه أن نتقدم أبا بكر. مجمع الزوائد - كتاب الخلافة ٥/ ١٨٣. وبنحو هذا اللفظ أخرجه أحمد في المسند - الفتح الرباني كتاب الخلافة - باب مبايعة أبي بكر الصديق ﵁ - ٢٣/ ٦١ رقم ١٣٨ وذكره في كنز العمال في خلافة أبي بكر من كتاب الخلافة ٥/ ٦٤٠ و٦٤٣ و٦٥٥ رقم ٤١٢٧ و١٤١٣١ و١٤١٤٨ وابن سعد في الطبقات في ترجمة أبي بكر ٣٠/ ١٧٩ وفي الموضع السابق من الكنز ٥/ ٦٥٤ و٦٥٦ رقم ١٤١٤٥ و١٤١٥٣ عن علي أنه قال لأبي بكر: لا واللَّه لا نقيلك ولا نستقيلك، من ذا الذي يؤخرك وقد قدمك رسول اللَّه -ﷺ- وقال: أيكم يؤخر من قدم رسول اللَّه؟ . وفي فضائل الصديق من كتاب الفضائل في الكنز ١٢/ ٥١٣ رقم ٣٥٦٧٠ عن علي أنه قال: لقد أمر رسول اللَّه -ﷺ- أبا بكر أن يصلي بالناس وإني لشاهد وما أنا بغائب وما بي مرض فرضينا لدنيانا من رضي به النبي -ﷺ- لديننا. =
[ ١ / ٦٩ ]
استنباطه (بالظن)، وكذلك قالوا لعمر إنما أنت مؤدب فلا شيء عليك (^١).
واختلفوا في قوله أنت عليّ حرام، على مذاهب، فقال أبو بكر: يمين تكفر (^٢) وقال بعضهم ظهار (^٣)، وقال بعضهم طلقة واحدة (^٤) وقال علي وأبو هريرة ثلاث طلقات (^٥) فكل فريق إنما راعى معنى إستنبطه فرد إليه في هذه الحادثة.
_________________
(١) = وفي الطبقات لابن سعد - بيعة أبي بكر - ٣/ ١٨٣ عن علي أنه قال: لما قبض النبي -ﷺ- نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي -ﷺ- قد قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا من رضي رسول اللَّه -ﷺ- لديننا فقدمنا أبا بكر".
(٢) السنن الكبرى للبيهقي - كتاب الإجارة - باب الإمام يضمن والمعلم يغرم من صار مقتولًا بتعزيز الإمام وتأديب المعلم.
(٣) أخرج ابن أبي شيبة - في كتاب الطلاق - باب من قال الحرام يمين ٥/ ٧٤ عن أبي بكر وعمر وابن مسعود أنهم قالوا: "من قال لامرأته هي علي حرام فليست عليه بحرام وعليه كفارة يمين".
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه - كتاب الطلاق - باب من قال الحرام يمين ٥/ ٧٤ عن أبي قلابة. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف - كتاب الطلاق - باب الحرام ٦/ ٤٠٤ رقم ١١٣٨٧ عن وهب وسعيد بن جبير وأبي قلابة، ورقم ١١٣٨٩ عن قتادة.
(٥) أخرج ابن أبي شيبة في المصنف - كتاب الطلاق - باب ما قالوا في الحرام من قال لها: أنت عليَّ حرام، من رآه طلاقًا ٥/ ٧٢ عن عامر عن عبد اللَّه قال: "الحرام إن نوى طلاقًا فهي واحدة وهو أملك برجعتها" وعن أبي جعفر مثله. وأخرج عبد الرزاق في المصنف - كتاب الطلاق - باب الحرام ٦/ ٤٠١ رقم ١١٣٦٨ عن طاووس عن أبيه قال: إن نوى طلاقًا فهي واحدة وعن معمر عن منصور عن إبراهيم قال: "إن كان نوى واحدة فهي واحدة وإن نوى ثلاثًا فثلاث". وعن الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: كان أصحابنا يقولون في الحرام: "نيته إن نوى ثلاثًا فثلاثة وإن نوى واحدة فواحدة بائنة" وعن الزهري قال: "ما نوى ولا يكون أقل من واحدة".
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف - كتاب الطلاق - باب ما قالوا في الحرام من قال لها: أنت عليَّ حرام من رآه طلاقًا ٥/ ٧٢ عن علي. وأخرجه عن علي أيضًا عبد الرزاق في المصنف - كتاب الطلاق باب الحرام ٦/ ٤٠٣ رقم ١١٣٧٩ و١١٣٨٠ و١١٣٨١. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى - كتاب الخلع والطلاق - باب من قال لامرأته: أنت علي حرام ٧/ ٣٥١ عن علي وزيد بن ثابت.
[ ١ / ٧٠ ]
وكذلك اختلفوا في الخرقاء وهي أم وجد وأخت على خمسة مذاهب (^١) على هذا المعنى، فثبت أنهم أجمعوا على ما قلناه، ولأن التوجه إلى القبلة فرض، والناس فيها على ضربين، من كان قريبًا منها بالمعاينة، ومن كان بعيدًا بالإِجتهاد بالدلائل، وكلها علامات مستنبطة، وكذلك الشرع يؤخذ نطقًا وهو ما ثبت بنص الكتاب أو خبر تواتر، ويؤخذ استدلالًا وغلبة الظن، وهو ما ثبت بالأخبار الآحاد، كذلك ها هنا، إذا صح رد الفرع إلى أصل عرف معناه قطعًا صح رده إليه وإن كان معناه عرف استدلالًا.