هل يجوز تخصيص العلة الشرعية وهو أن توجد العلة ولا حكم أم لا؟
قال شيخنا أبو عبد اللَّه لا يجوز، ومتى دخلها التخصيص لم تكن علة، وقد أومأ إليه أحمد في رواية الحسين بن حسان، فقال القياس أن يقاس على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، وأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فهو خطأ.
ومن أصحابنا من قال يجوز تخصيص العلة، فيكون دلالة على الحكم في عين دون عين، وهو المذهب الصحيح، ومسائل أصحابنا تدل عليه، فقال في رواية بكر بن محمد في الذي يغسل ذكره وأنثييه كما جاء الأثر (^٢)، ولو
_________________
(١) فعن ابن عباس للأم الثلث والباقي للجد وعن زيد للأم الثلث والباقي للجد والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين، وعن ابن مسعود للأخت النصف وللأم ثلث الباقي والباقي للجد، وعن علي للأخت النصف وللأم الثلث والباقي للجد، وعن عثمان المال بينهم بالسوية، السنن الكبرى للبيهقي كتاب الفرائض - باب الخلاف في مسألة الخرقاء ٦/ ٢٥٢، ومصنف عبد الرزاق - كتاب الفرائض باب فرض الجد ٢٦٩ و٢٧٠ رقم ١٩٠٦٩ وتلخيص الحبير كتاب الفرائض ٣/ ١٠١.
(٢) الحديث الآتي في نفس المسألة.
[ ١ / ٧١ ]
كان القياس لكان يغسل موضع المذي، وإنما هو الاتباع، فقد بين أن القياس كان يقتضي غسل نفس الموضع، لكن ترك القياس في ذلك لدليل أولى منه، وهو حديث علي "اغسل ذكرك وانثييك وتوضأ" (^١) فإذا كان من مذهبه جواز ترك القياس لدليل أولى منه، جاز تخصيصه في موضع لدليل.
وكذلك قال في رواية أبي طالب في أموال المسلمين إذا غلب عليها الكفار ثم ظهر عليها المسلمون، فأدركه صاحبه قبل القسمة فهو أحق به، وإن كان مقسومًا فلا حق له، ولو كان القياس كان له، لأن الملك لا يزول بالقسمة لكن هو قول عمر (^٢).
وكذلك نقل المروزي، ويجوز شراء أرض السواد، ولا يجوز بيعها، فقيل له كيف تشتري ممن لا يملك، فقال القياس كما تقول، هو استحسان، واحتج بأن
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة - باب في المذي ١/ ١٤٣ و١٤٥ حديث ٢٠٨ بلفظ: "فسأله المقداد، فقال رسول اللَّه -ﷺ- "ليغسل ذكره وأنثييه" وحديث/ ٢١١ عن عبد اللَّه بن سعد الأنصاري قال: سألت رسول اللَّه -ﷺ- عما يوجب الغسل وعن الماء يكون بعد الماء، فقال: "ذلك الذي وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة" وأخرجه أحمد عن علي بلفظ "يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ" الفتح الرباني - كتاب الطهارة - باب فيما جاء في المذي ١/ ٢٤٧ حديث ٨١، وأخرجه عبد الرزاق في كتاب الطهارة، باب المذي ١/ ١٥٧ حديث/ ٦٠٢ عن هشام بن عروة بلفظ "فليغسل ذكره وأنثييه" قال عبد الرزاق: وكان عروة يقول: "ليتوضأ إذا أراد أن يصلي" وقد أخرج الأمر بالوضوء وغسل الفرج من المذي دون ذكر الأنثيين البخاري في الغسل - باب غسل المذي والوضوء منه ١/ ٥٩ بلفظ "توضأ واغسل ذكرك". ومسلم في كتاب الحيض - باب المذي ١/ ٢٤٧ حديث ٣٠٣ بلفظ "يغسل ذكره ويتوضأ". وأبو داود في كتاب الطهارة - باب المذي ١/ ١٤٢ حديث ٢٠٦ بلفظ "إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضؤك للصلاة". وابن خزيمة في كتاب الطهارة - باب الأمر بغسل الفرج من المذي مع الوضوء ١/ ١٥ حديث ٢٠ بلفظ أبي داود. وعبد الرزاق في كتاب الطهارة - باب المذي - ١/ ١٥٧ حديث ٦٠١ بلفظ "ليغسل ذكره وليتوضأ ثم لينضح فرجه".
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه في السير ٤/ ١١٤، والبيهقي في السنن الكبرى - كتاب السير - باب ما أحرزه المشركون على المسلمين من فرق بين وجوده قبل القسم وببن وجوده بعده ٩/ ١١٢.
[ ١ / ٧٢ ]
أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- رخصوا في شراء المصاحف وكرهوا بيعها (^١)، ونظائر هذا كثير من كلام يدل على معنى ما ذكرنا، ومن منع من أصحابنا تخصيص العلة، فقوله يفضي إلى ترك قول أحمد، في المسائل التي ترك القياس فيها.
وجه من منع تخصيصها أن القول بتخصيصها يفضي إلى تكافئ الأدلة، وإلى أن تكون العلة الواحدة دلالة على الشيء وضده، وذلك أنهم قالوا في المصوغ من الأثمان الربا، لأنه من جنس الموزون، والمصوغ من الصفر لا ربا فيه وهو من جنس الموزون، فيفضي إلى أن تكون العلة الدالة على الحظر في الأثمان هي الدالة على الإباحة في الصفر، فتتكافأ الأدلة وتكون العلة الواحدة علة للشيء وضده، وهذا خِلاف الإجماع، ولأن العلة ضربان عقلية، وشرعية، فلمّا لم يصح في العقلية أن يدخلها التخصيص، كذلك الشرعية.
والوجه في جواز تخصيصها هو أنّ العلل الشرعية هي أمارات للأحكام، وليست موجبة لها، ألا ترى أنها كانت موجودة قبل الشرع غير موجبة للأحكام، فإذا كان كذلك وجاز أن تكون أمارة في حال دون حال، وجب أن يجوز أيضًا كونها أمارة في موضع دون موضع، ويفارق هذا العلل العقلية، لأنها موجبة، ألا ترى أنها قد كانت عللًا عقلية وإن لم يكن هناك ذو عقل، وهذه غير موجبة، ألا ترى أنها صارت عللًا بالشرع، ولو كانت موجبة لم يحتج في كونها بهذه الصفة إلى ورود الشرع، ولأن في هذه العلل لما كانت أمارات للأحكام وجب أن يجوز فيها التخصيص كما يجوز في الأسماء، لما كانت أمارات لما علق بها من الأحكام دخلها التخصيص، وهي صيغة العموم، كذلك ها هنا، يبين صحة هذا أن العموم آكد حالًا، وأعلى مرتبة من العلة، لأن رد العموم يوجب التكفير، ورد العلة المقتضية لا يوجب ذلك، فإذا
_________________
(١) تقدم في الاحتجاج بقول الصحابي المسألة الثامنة.
[ ١ / ٧٣ ]
جاز تخصيص العموم فلأن يجوز تخصيص العلة التي هي دونه في الرتبة أولى.