والعلة المستنبطة كعلة الربا ونحوها أي شيء الدال على صحتها؟ يخرّج على وجهين:
أحدهما أن يوجد الحكم بوجودها ويزول بزوالها، وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية أحمد بن الحسين بن حسان، فقال: القياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، وأقبل به وأدبر في كل أحواله، وأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال، فهذا خطأ، قال أبو بكر: يعني في كل أحواله في نفس الحكم، لا في عينه، لأنه لا يلزم المخالفة بينهما.
والوجه الثاني: يفتقر إلى شيئين، دلالة عليها، ودلالة على صحتها، وهو أن يكون الوصف مؤثرًا في الحكم المعلل فإذا عرف افتقر إلى سلامته على الأصول، وهو أن يسلم من نقض ومعارضة، فإن عارضها قياس مثلها، أو أقوى منها، وقفت ولم تكن علة.
ووجه القائل الأول: إتفاق الأمة على أنّ زنا المحصن هو المعنى الموجب للرجم، لما كان الرجم يجب بوجوده ويعدم بعدمه، وهكذا العلل العقلية يستمر هذا الأصل فيها، بدلالة أن المعنى الموجب لكون المحل أسود وجود السواد فيه، لوجود هذا الحكم بوجوده، وارتفاعه بارتفاعه، فإذا كان ذلك جائزًا في العلل العقليات مع كون العلل فيها موجبة، فأولى أن يجوز في الشرعيات مع كون عللها غير موجبة، فإن قيل: كيف يصح لكم هذا الأصل مع قولكم يجوز تخصيص العلة الشرعية، لأنه إذا جاز تخصيصها لم يوجد الحكم بوجودها ولم يعدم بعدمها؟
[ ١ / ٧٤ ]
قيل: قد بينا فيما سلف أنّ الأدلة الشرعية يجوز فيها التخصيص، كما يجوز ذلك في العلل الشرعية، لأنّ العموم دلالة شرعية وقد جاز وقوع التخصيص فيه.
ووجه الثاني: في أن وجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها لا يدل على صحتها، أننا قد جعلنا علة تحريم الخمر وجود الشِّدة فيها، لوجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها، فصارت هذه العلة هي العلة الموجبة لتكفير المستحل، وإن كانت الشِّدة توجد في النبيذ فلا يوجب تكفير مستحله، والدلالة على أن صحتها تأثير الوصف وسلامتها: هو أننا وجدنا أنّ الشيء له أوصاف، مكيل ومطعوم ومقتات ومزروع وله مثل، وأجمعنا على أن العلة هي الوصف المؤثر في الحكم دون غيره، وإن كنا نختلف في التأثير، وإذا كان الوصف المؤثر معتبرًا فلا بد من اعتباره بالأصول، فإن سلم من نقض أو معارضة دل على صحتها، وإن وقف في أحدها ثبت أنه ليس بعلة.