في الأمر إذا ورد مطلقًا من غير تقييد بوقت هل يقتضي التكرار أم لا؟
قال شيخنا أبو عبد اللَّه: يقتضي التكرار، كما لو ورد مقيدًا بوقت.
وقد نص أحمد في رواية صالح في كتاب "طاعة الرسول" على الأمر المقيد بوقت أنّه يقتضي التكرار، فقال: قوله -تعالى-: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (^١). فالظاهر يدل على أنه إذا قام فعليه ما وصف، فلما كان يوم الفتح صلى النبي -ﷺ- بوضوء واحد (^٢)، وعندي أنّ ذلك لا يقتضي التكرار، وقد قال في رواية يعقوب بن بختان وقد سأَله إذا أذن له سيده كم يتزوج، قال: واحدة فإن أراد أن يتزوج أخرى إستأذنه، وقال أيضًا: إذا خير زوجته لم يكن لها أن تطلق نفسها إلا طلقة.
ووجه من قال يقتضي التكرار، أنّ النهي يتعلق بالترك، والأمر يتعلق بالفعل، وما تعلق بالترك اقتضى الدوام والاتصال، بدليل أنه لو قال: واللَّه لا
_________________
(١) سورة المائدة ٦.
(٢) صحيح مسلم - كتاب الطهارة - باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد ١/ ٢٣٢ حديث ٢٧٧ بالرقم العام، وسنن أبي داود - كتاب الطهارة - باب الرجل يصلي الصلوات بوضوء واحد ١/ ١٢٠ حديث ١٧٢، وسنن الترمذي - أبواب الطهارة - باب ما جاء أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد ١/ ٤٢ حديث ٦١، وسنن ابن ماجة - كتاب الطهارة - باب الوضوء لكل صلاةِ والصلوات كلها بوضوء واحد ١/ ١٧٠ حديث ٥١٠، وسنن النسائي - كتاب الطهارة - باب الوضوء لكل صلاة ١/ ٨٩.
[ ١ / ٤١ ]
دخلت الدار، ثم أمسك عن الدخول ساعة ثم دخل حنث، كذلك يجب أن يكون الأمر بالفعل يقتضي التكرار واعتبارًا به إذا كان معلقًا بشرط أنّه يقتضي التكرار، كذلك المطلق.
والوجه في أنّه لا يقتضي التكرار، أنّه إذا قال: كل ثم كل، فإنه أمر بالأكل مرتين، فلو كان الأمر يقتضي الإِتصال أبدًا كان قوله: ثم كل، تأكيدًا لا عطفًا، وقد قال الكل إنه عطف فثبت أنّه لا يقتضي التكرار، ولأنه لو اقتضى التكرار أفضى إلى أن يكون الأمر بسببين مختلفين من المحال مثل أن يقول جاهد وحج، لأنّه لا يمكنه أن يواصل كل واحد منهما أبدًا، وإذا أفضى إلى المناقضة بطل القول به، ومن قال بهذا فرق بين المطلق وبين المعلق بشرط، أنه إذا كان الأمر بالصلاة معلقًا بزوال الشمس فقد جعل الزوال سببًا فيه فهو كالصلاة، فوجب أن يوجد بوجودها، ويفارق هذا المطلق، لأنه لم يقترن به صلة، فلهذا لم يقتضي التكرار.