هل يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة بالقياس أم لا؟
اختلف أصحابنا، فذهب شيخنا أبو عبد اللَّه مع جماعة من أصحابنا إلى أنّه لا يجوز ذلك، وحكي عن أبي الحسن الخرزي جوازه، وهو قول أبي بكر، قال أبو إسحاق: الزمنى الشيخ يعني أبا بكر، يدل على أنّ الظاهر يخص بالقياس، أنّ اللَّه -تعالى- نصّ على الإِماء في قوله -تعالى-: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (^١)، والعبد مقيس عليه، قال أبو إسحاق: نظرت وإذا هذا ليس فيه حجة، وإنما هذا قياس على الظاهر، وليس بتخصيص الظاهر، وقد أومأ أحمد إلى الوجهين جميعًا، فقال في رواية الحسن بن ثواب حديث رسول اللَّه -ﷺ- لا يردّه إلا مثله، فظاهر هذا أنّه لا يخصّ الظاهر.
ونُقَل عنه في مواضع كلامًا يدل على جواز التخصيص، فقال في رواية بكر بن محمد: إذا قذفها بعد الثلاث وله منها ولد يريد نفيه يلاعن، فقيل له: أليس يقول اللَّه -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (^٢)، وهذه ليست بزوجة، فاحتج بأن الرجل يطلق ثلاثًا وهو مريض وترثه، لأنه فار من الميراث
_________________
(١) سورة النساء ٢٥.
(٢) سورة النور ٦.
[ ١ / ٤٤ ]
وهذا فار من الولد، فقد عارض الظاهر بضرب من القياس، وكذلك نقل الأثرم عنه المرأة تنفى بغير محرم، فقيل له: فالنبي -ﷺ- يقول: "لا تُسافُر المَرْأَةُ إلَّا مع ذي محرم" (^١) فقال: هذا أمرٌ قد لزمها، يسافر بها، وهم يقولون إذا وجب عليها حق والقاضي على أيام رفعت إلى القاضي، ولو أصابت حدًّا في البادية جيء بها حتى يقام عليها، وكذلك نقل أبو داود في رجل قال لامرأته: أنت طالق، ونوى ثلاثًا، فهي واحدة فقيل له: إسحاق يقول: هي ثلاث ويأخذ بالحديث "الأعمال بالنيات" (^٢) فقال: ليس هذا من ذلك، أرأيت إن نوى أن يطلق امرأته ولم يلفظ أيكون طلاقًا؟
وكذلك نقل الميمونى في الرجل يزوج ابنته وهي كبيرة أحب إليّ أن يستأمرها، فإن زوَّجها من غير أن يستأمرها جاز النكاح وهذا للأب خاصة، لأن يده مبسوطة في المال، فإن زوَّجها من غير أن يستأمر فلم يرَ أنّ النكاح مردود.
فمن قال: لا يخص الظاهر، فوجهه أن العموم أعلى رتبة في الحجة من القياس، ألا ترى أن القياس قد يمتنع في كثير من الأصول، والعموم لا يجوز وجوده عاريًا من إيجاب حكم، فإذا كان كذلك لم يجز ترك الأقوى بالأضعف، ولأن النسخ كالتخصيص لأن النسخ تخصيص للزمان، وها هنا هو تخصيص الأعيان، ثم ثبت أنه لا يجوز نسخ العموم به، كذلك لا يجوز
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الحج - باب حج النساء - ١/ ٣١٩، وصحيح مسلم - كتاب الحج - باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره ٢/ ٩٧٥ حديث ١٣٣٨، وسنن أبي داود - كتاب المناسك - باب المرأة تحج بغير محرم - ٢/ ٣٤٨ حديث ١٧٢٧، وسنن ابن ماجة، كتاب المناسك - باب المرأة تحج بغير محرم ٢/ ٩٦٧ حديث ٢٨٩٨، وسنن الترمذي - أبواب الرضاع، باب ما جاء في كراهية أن تسافر المرأة وحدها ٢/ ٣١٧ حديث ١١٧٩.
(٢) صحيح البخاري - باب كيف بدء الوحي - ١/ ٦. وصحيح مسلم - كتاب الإمارة - باب قوله: -ﷺ- إنما الأعمال بالنية ٣/ ١٥١٥ حديث ١٩٠٧، وسنن أبي داود كتاب الطلاق، باب فيما عني به الطلاق ٢/ ٦٥١ حديث ٢٢٠١، وسنن أبن ماجه - كتاب الزهد - باب النية ٢/ ١٤١٣ حديث ٤٢٢٧.
[ ١ / ٤٥ ]
التخصيص به، والعمدة لهذا القائل: أن القياس إنما يصح إذا جرى على الأصول واطرد، وهذا العموم من جملته، وهو ينافيه، فيجب أن لا يصح القياس معه، كما لا يجوز مع وجود الإِجماع على ضده، لأنه لم يجر على الأصول هناك، كذلك ها هنا، ويبين صحة هذا أنّه لا يجوز النسخ به، لأنّ المنسوخ معارض له، ومضاد له، فلم يصح نسخه به، لأنّه لا يجري على الأصول، كذلك في التخصيص، لأنّه ضد العموم، فلم يقابله، لأنّه لا يجري على الأصول، والنسخ والتخصيص سواء، لأن النسخ تخصيص الزمان، وهذا تخصيص الأعيان، فإن قيل: ليس إذا لم ينسخ لم يخص، كخبر الأحاد لا ينسخ ويخص، قيل: لأن خبر الواحد ليس من شرطه أن يسلم على الأصول، فإن قيل: فلا يسلم إنما خصصه كان مرادًا بالعموم حتى يكون معارضًا له، ومضادًا له، قيل: الدلالة على صحة ذلك أنّه لولا القياس لوجب إجراء العموم في هذه العين المختلف فيها، وإنما هذا القياس عارضه ومنعه عندك.
ومن أجاز التخصيص به فوجهه أن صيغة العموم معرضة للتخصيص محتملة له، والقياس غير محتمل فجاز أن يقضي بغير المحتمل على المحتمل، كالمجمل وتفسيره، قلنا نقضي بتفسيره عليه، ولأن العموم ظاهر والقياس باطن، فكان الباطن مقدمًا عليه، كالجرح والتعديل، ولأن القياس -وإن لم يكن معلومًا- فإنه يثبت العمل به بأمر مقطوع به، وكذلك شهادة الشاهدين لا يقطع الحاكم بها، ولكن يثبت بأمر مقطوع به وما ثبت عن أمر مقطوع به جرى مجراه في العمل، ألا ترى أن النبي -ﷺ- لو قال: إذا زالت الشمس فصلوا ركعتين، وما أخبركم به عني فلان فهو شرعي، فإن المقطوع به من قوله كالذي يخبر به عنه وإن لم يكن مقطوعًا به، كذلك ها هنا، ولأن القياس حجة في نفسه إذا انفرد، فإذا اجتمع مع آخر وأمكن استعمال كل واحد منهما كان أولى من إسقاط أحدهما، كالمطلق والمقيد، كذلك ها هنا، يمكن استعمالهما جميعًا.
[ ١ / ٤٦ ]