هل في القرآن مجاز أم لا؟
المنصوص عن أحمد أنّ فيه مجازًا، ذكره الخلال في متشابه القرآن فيما أخرجه في مجلسه في قوله -تعالى- ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (^١) فهذا في مجاز اللغة، يقول الرجل للرجل إنا سنجري عليك رزقك، إنا سنفعل بك خيرًا، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ (^٢) فهو جائز في اللغة يقول الرجل الواحد للرجل سأجري عليك رزقًا، أي سأفعل بك خيرًا.
وذهب جماعة من أصحابنا إلى أنّه لا مجاز فيه.
والدلالة على جوازه، أن أهل اللغة قد صنفوا كتبًا في ذلك، فمن دفع ذلك فهو كمن دفع أن يكون في اللسان مجاز، ولأن تسميتنا اللفظ بأنه مجاز يفيد أنه يستعمل في غير موضعه، وأنه أريد به غير ما هو موضوع له، فإن سلم هذا القائل ذلك وقال لا أسميه مجازًا فهو مخالف في التسمية ولا طائل في مناظرته، وإن قال لا أسلم ذلك المعنى، فإن الكتاب يبطل قوله، قال -تعالى- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (^٣) ومعناه أولياء اللَّه، لأن اللَّه -تعالى- أن يلحقه الأذى، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٤) معناه ليس مثله
_________________
(١) سورة الشعراء ١٥.
(٢) سورة طه ٤٦.
(٣) سورة الأحزاب ٥٧.
(٤) سورة الشورى ١١.
[ ١ / ٤٨ ]
شيء، لأنّه لا مثل له، فلا معنى أن ينفي التشبيه عن مثله، وقال ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (^١) ومعناه أهلها، ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (^٢) معناه حب العجل.
واحتج من قال لا مجاز فيه، بأن المجاز إنما يحتاج إليه من لا يتبع كلامه للحقائق، فيعيرا للفظ الموضوع لمعنى فيستعمله في غير موضعه، وهذا لا يجوز بوهم على اللَّه، وهذا غلط، لأن إستعمال اللفظ في غير موضعه يحسن في لغتهم، كما يحسن في موضعه، كما أنّ الإِطالة قد تحسن في موضوع كما يحسن الإِيجاز، وقد وجدت الإِطالة في كتاب اللَّه -تعالى-، ولم يجز أن يقال: إن الإِطالة لا تجوز في كلامه، لأن الإِطالة إنّما يحتاج إليها من لا يقدر على الإِيجاز، ومعلوم أن ليس جملة كلامه إيجازًا.