إذا قال الصحابي قولًا ولم ينتشر في الصحابة هل يكون حجة ويقدم على القياس أم لا؟
على روايتين، إحداهما أنه حجة مقدم على القياس، نص عليه في مواضع، فقال في رواية أبي طالب: إذا أخذ المشركون أموال المسلمين فأدركه قبل قسمته فهو أحق به، وإن أدركه وقد قُسّمَ فلا حق له، كذا قال عمر (^٣). ولو كان القياس كان له، لأن الملك لا يزول إلا بهبة أو صدقة، ولكن كذا قال عمر، فقد قدم قول الصحابي على القياس.
_________________
(١) سورة يوسف ٨٢.
(٢) سورة البقرة ٩٣.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي - كتاب السير - باب من فرق بين وجوده قبل القسم وبين وجوده بعده ٩/ ١١٢، وسنن الدارقطني - كتاب السير - ٤/ ١١٤ حديث ٣٧، ومجمع الزوائد للهيثمي - كتاب =
[ ١ / ٤٩ ]
ونقل أيضًا أبو طالب في رجل يصوم شهرين من كفارة، فتسحر بعد طلوع الفجر وهو لا يعلم، ثم علم: يقضي يومًا مكانه، وإن أكل ناسيًا بالنهار فليس عليه شيء، فقيل له: فإذا لم يعلم فهو كالناسي؟ فقال: كذا القياس، ولكن عمر أكل في النهار يظن أنه ليلًا، قال: أقضي يومًا مكانه (^١).
وكذلك نقل المروذي يجوز شراء أرض السواد ولا يجوز بيعها، فقيل له: كيف تشتري ممن لا يملك؟ فقال: القياس كما تقول، ولكن هو استحسان، واحتج بأن أصحاب النبي -ﷺ- رخصوا في شراء المصاحف وكرهوا بيعها (^٢)، وهذا يشبه ذلك.
وكذلك نقل أبو طالب عنه لا يجوز هبة المرأة حتى يأتى عليها في بيت زوجها سنة أو تلد، مثل قول عمر (^٣)، ونظائر هذا كثير في مسائله.
والرواية الثانية أنه ليس بحجة، والقياس مقدم عليه، نص عليه في مواضع، فقال في رواية أبي داود: ليس أحد إلا ويؤخذ من قوله ويدع إلَّا النبي -ﷺ-.
وكذلك نقل المروذي عنه: ابن عمر يقول: على قاذف أم الولد
_________________
(١) = البيوع - باب ما يصيبه العدو من المسلمين ٤/ ١٧٤ عن عمر مرفوعًا قال الهيثمي رواه الطبراني في الأوسط وفيه ياسين الزيات وهو ضعيف.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي - كتاب الصيام - باب من أكل وهو يرى أن الشمس قد غربت ثم بان أنها لم تغرب ٤/ ٢١٧، ومصنف عبد الرزاق - كتاب الصيام - باب الإِفطار في يوم مغيم ٤/ ١٧٨ رقم ٧٣٩٢ وما بعده، ومصنف ابن أبي شيبة - كتاب الصيام - باب ما قالوا في الرجل يرى أن الشمس قد غربت ٣/ ٢٣.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة - كتاب البيوع - باب من رخص في شرائها يعني المصاحف ٦/ ٦٣، ومصنف عبد الرزاق - كتاب البيوع - باب بيع المصاحف ٨/ ١١٢ رقم ١٤٥٢١ و١٤٥٢٢.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة - كتاب البيوع والأقضية - باب في الجارية متى يجوز عصيتها ٦/ ٤١١ و٤١٣ رقم ١٥٣٩ و١٥٤٤.
[ ١ / ٥٠ ]
الحدّ (^١)، وأنا لا أجترئ على ذلك، إنما هي أمة أحكامها أحكام الإماء، فظاهر هذا أنه يُقَدم القياس على قوله.
وكذلك نقل الميموني وقيل له: قوم يحتجون في النحل بفعل أبي بكر وقوله حزتبه (^٢) فقال: هذا فعل ورأى من أبي بكر ليس هو عن النبي -ﷺ-، فظاهر هذا أن قوله ليس بحجة وإنما قول النبي -ﷺ- حجة.
وكذلك نقل مهني عنه فيمن ركب دابةً فأصابت إنسانًا فعلى الراكب الضمان، فقيل له: علي يقول: إذا قال: الطريق فأسمع فلا ضمان (^٣)، فقال: أرأيت إذا قال: الطريق، فكان الذي يقال له أصم، فظاهر هذا أنه لم يأخذ بقوله.
وكذلك نقل الميموني عنه وقد سأله في المسح على القلنسوة قال: ليس فيه عن النبي -ﷺ- شيء، وهو قول أبي موسى، وأنا أتوقاه، فظاهر هذا أنه لم يأخذ بقول أبى موسى، وفرق بينه وبين قول النبي -ﷺ-.
وكذلك نقل ابن القاسم عنه، يروي عن ابن عمر من غير وجه -يعني في حد البلوغ- (^٤) وهو صحيح، ولكن لا أرى هذا يستوي في الغلمان، وقد
_________________
(١) المحلي - كتاب الحدود - قذف العبد والإماء ١١/ ٣٢٨ المسألة ٢٢٢٧.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ - كتاب الأقضية - باب ما لا يجوز من النحل ٢/ ٧٥٢ حديث ٤٠ عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة -﵂- والبيهقي في السنن الكبرى - كتاب الهبات - باب ما يستدل به على أن أمره بالتسوية بينهم في العطية على الاختيار دون الإِيجاب ٦/ ١٧٨ عن عروة بن الزبير عن عائشة -﵂-.
(٣) بحثت عنه فلم أجده.
(٤) لعله ما ورد عن ابن عمر -﵁- أنه عرض على النبي -ﷺ- يوم أحد وهو ابن أربع عشرة فلم يجزه، ثم عرض عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة فأجازه، أخرجه البخاري في كتاب المغازي - باب غزوة الخندق - ٣/ ٣٠. وكتاب الشهادات - باب بلوغ الصبيان ٢/ ١٠٦، ومسلم في كتاب الإمارة - باب سن البلوغ ٣/ ١٤٩٠ حديث ١٨٦٨ بالرقم العام، وأبو داود في كتاب الخراج والإمارة - باب متى يفرض للرجل ٣/ ٣٦٢ حديث/ ٢٩٥٧ وفي كتاب الحدود - باب في الغلام يصيب الحد ٤/ ٥٦١ حديث/ =
[ ١ / ٥١ ]
يكون منهم الطويل وبعضهم أكبر من بعض، ولا يضبط، والحدّ عندي في البلوغ الثلاثة.
وجه الأولى ما روى عن النبي -ﷺ- "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (^١).
وروى عنه -ﷺ- أنه قال: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر (^٢) ولأن الصحابي إذا قال قولًا فإما أن يقوله عن توقيف أو قياس فإن قاله عن توقيف كان المصير إلى قوله واجبًا وإن كان عن قياس كان قوله أولى لأنه شاهد التنزيل وعرف البيان والتأويل ووقف على أغراض الكلام ومقاصد الرسول -ﷺ- فكان قوله أولى".
ووجه الثانية: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^٣) ولأن الصحابة أجمعت على أن للتابعي مخالفة الصحابي، هذا ابن عباس كان يقول: عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملًا أقصى الأجلين من الوضع أو أربعة أشهر وعشر (^٤) فخالفه أبو سلمه بن عبد الرحمن وقال: بل الوضع بكل حال (^٥)، فلم
_________________
(١) = ٤٤٠٦، والترمذي في كتاب الجهاد - باب ما جاء في حد بلوغ الرجل ٣/ ١٢٧ حديث / ١٧٦٣، وابن ماجه - كتاب الحدود - باب من لا يجب عليه الحد ٢/ ٨٥٠ حديث/ ٢٥٤٣.
(٢) ذكره العجلوني في كشف الخفاء حرف الهمزة مع الصاد ١/ ١٣٢ رقم ٣٨١ وقال: رواه البيهقي، وأسنده الديلمي عن ابن عباس بلفظ أصحابي بمنزلة النجوم في السماء بأيهم اقتديتم اهتديتم.
(٣) سنن ابن ماجه - المقدمة - باب فضل أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ١/ ٣٧ حديث ٩٧ عن حذيفة بن اليمان -﵁- وسنن الترمذي - أبواب المناقب - باب (٥٢) ١/ ٢٧١ و٢٧٢ حديث ٣٧٤٢ و٣٧٤٤ عن حذيفة بن اليمان -﵁- والفتح الرابي - كتاب الإمارة والخلافة باب ما جاء في خلافة أول الخلفاء الراشدين ٢٣/ ٥٥ حديث ١٢٨ عن حذيفة بن اليمان ﵁.
(٤) سورة الحشر ٢.
(٥) السنن الكبرى للبيهقي - كتاب العدد - باب عدة الحامل من الوفاة ٧/ ٤٢٩ و٤٣٠، والفتح الرباني - كتاب العدد - باب عدة الحامل ١٧/ ٤٣، وسنن الدارمي - كتاب الطلاق باب عدة الحامل المتوفى عنها زوجها ٢/ ١٦٥.
(٦) المراجع السابقة.
[ ١ / ٥٢ ]
يقل له ابن عباس قولي (حجة) عليك، ولا أنكر عليه أحد من الصحابة إظهار الخلاف وهو من التابعين، ولأن القياس حجة، فلم يترك لقول الصحابي، كالكتاب والسنة، ولأن الصحابي يترك قوله للخبر والظاهر، فلم يكن حجة كقول التابعي، يبين صحة هذا أن الصحابي كالتابعي، بدليل أنه لا يسوغ له القول في الحادثة إلا عن دليل، لأنه لا يقول القول من ذي قبل كالتابعي سواء، فيجب أن لا يكون قوله حجة.