قال الميداني في ضوبط لمعرفة (ص/٣٩) وما بعدها: (وقد استقرأ علماء هذا الفن الكليات فوجدوا أنها تقع في خمسة أقسام، وهي:
_________________
(١) كالمسامير بالنسبة للكرسي، وكالخشب بالنسبة إليه، وكالجذع بالنسبة للشجرة، والأغصان بالنسبة إليها.
[ ٣٦ ]
ا- الجنس. ٢ - النوع. ٣ - الفصل.
٤ - الخاصة. وتُسمّى أيضا (عرضا خاصًّا). ٥ - العرض العام.
وشرحها فيما يلي:
١ - الجنس: هو مفهوم كلي يشتمل على كل الماهية المشتركة بين متعدد مختلف في الحقيقة. مثاله: حيوان، فهو كلي يتناول الإنسان والفرس والغزال وسائر الحيوانات، وهذه الأفراد مختلفة في حقيقتها، إذ الماهية الكاملة للإنسان مخالفة للماهية الكاملة للفرس أو الغزال وإن اشتركت هذه الكليات في جزء الماهية وهي الحيوانية، ولذلك يقال على كل منها حيوان.
ويعرفونه بأنه المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو؟.
وهذا الاستفهام وهو (ما هو؟) يستفهم به عن الماهيات، أي عن العناصر الذاتية، لا العناصر العرضية غير الذاتية، فالعناصر الذاتية هي ما كان داخلا في حقيقة الشيء، كالحيوانية والناطقية بالنسبة إلى الإنسان، والعناصر العرضية هي ما لا يدخل في حقيقة الشيء، ولكنه من صفاته العرضية سواء كانت أعراضًا ملازمة أو مفارقة، كالمشي بالنسبة إلى الحيوان فإنه من الصفات العرضية للحيوان، وكالضحك بالنسبة إلى الإنسان فإنه من صفاته العرضية على ما يقولون.
٢ - النوع: هو مفهوم كلي يشتمل على كل الماهية المشتركة بين متعدّد متفق في الحقيقة. مثاله: إنسان- فرس- غزال، فكل من هذه الأمثلة هو نوع من الأنواع التي ينقسم إليها الحيوان.
ومفهوم الإنسان يشتمل على كل ماهية هذا الكلي، وهو الحيوان الناطق، ومفهوم الفرس يشتمل على كل ماهية هذا الكلي الذي هو الحيوان المعروف، وكذلك الغزال.
وُيعرّفونه بأنه المقول على كثيرين متفقين بالحقيقة في جواب ما هو؟.
وقد يطلق اسم النوع على بعض ما هو جنس ولكن باعتباره قسمًا متميزا بالماهية عن أقسام أخرى ينقسم إليها جنسُ فوقه، مثل: الحيوان والنبات بالنسبة إلى الجسم النامي، فالجسم النامي جنس ينقسم إلى أقسام مختلفة في الحقيقة، كل قسم منها يعتبر بالنسبة إليه نوعًا من أنواعه، ثم هي أجناسٌ لما تحتها من أنواع أخرى.
ويسمى هذا نوعا إضافيا لا حقيقيا، لأنه نوعٌ بالإضافة إلى جنس فوقه، وهو في
[ ٣٧ ]
الحقيقة جنس لأنواع تحته.
٣ - الفصل: هو مفهوم كلي يتناول من الماهية الجزء الذي يميز النوع عن سائر الأنواع المشاركة له في الجنس. مثاله: ناطق، فهو كلي يتناول جزء ماهية الإنسان، وهذا الجزء هو الذي يميز النوع الإنساني عن سائر الأنواع، أما الجزء الآخر من ماهيته وهو الحيوانية فهو الجزء المشترك بينه وبين سائر الأنواع (١).
ويعرفونه بأنه كلي يقال على الشيء في جواب أي شيء هو في ذاته؟.
٤ - الخاصة: مفهوم كلي هو من صفات الشيء الخارجة عن ماهيته والخاصة بها. مثالها: الضاحك إذا أطلق على الإنسان، فهو مفهوم كلي خارج عن ماهية الإنسان كما يقولون، لكنه من الصفات الخاصة بهذا النوع، فليس الضحك الذي هو ظاهرة للتعجب النفسي جزءًا من ماهية الإنسان، لكنه صفة خاصة به دون سائر الأنواع التي يتنوع إليها الحيوان، وضحك القرد قهقهة غير ناتجة عن تعجب، فليس هو كالضحك التعجبي الخاص بالإنسان.
ومثال الخاصة أيضا: قابلية العلم وصنعة الكتابة بالنسبة إلى الإنسان. ويعرفونها بأنها كلية تقالُ على ما تحت حقيقة واحدة فقط قولًا عرضيّا.
٥ - العرض العام: مفهوم كلي هو من صفات الشيء الخارجة عن ماهيته وغير الخاصة بها. مثاله: الماشي، إذا أطلق هذا المفهوم على الإنسان، فهو مفهوم كليّ خارجٌ عن ماهية الإنسان، وهو من الصفات التي تعرض له، إلا أن هذه الصفة غير خاصة بهذا النوع، بل هي مشتركة بينه وبين غيره من أنواع الحيوان.
ويعرّفونه بأنه كلي يقالُ على ما تحت حقائق مختلفة قولًا عرَضيًا.
وكل من الخاصة والعرض العام ينقسم إلى قسمين:
أ- فإمّا أن يكون عرضًا لازمًا، وهو ما لا ينفك عن الماهية.
ب- وإما أن يكون عرضا مفارقا، وهو ما يقبل الانفكاك عن الماهية
_________________
(١) قال الشنقيطي (ص/٣٥): (وأعلم أن الفصل إنما سمي فصلا لأنه يفصل بين الأنواع المشتركة في الصفات فالإنسان والفرس مثلا يشتركان في الجوهرية والجسمية والنمائية والحساسية - فالناطق يفصل الإنسان عن الفرس المشارك له فيما ذكر والصاهل يفصل الفرس عن الإنسان كذلك).
[ ٣٨ ]
هذه هي الكليات الخمس، وإذا نظرنا في مختلف الأجناس والأنواع وجدنا أن كل جنس ينقسم إلى أنواع مختلفة في الحقيقة، وأن الجنس قد يكون نوعا لجنس أعلى منه، وأن النوع قد يكون جنسا لأنواع تحته، فهو بالإضافة إلى ما فوقه نوع، وبالإضافة إلى ما تحته جنس، ونتدرج نزولا حتى نصل إلى أسفل الأنواع، وهو النوع الذي لا يكون جنسًا لأنواع تحته، وهذا يسمى نوع الأنواع، ونتدرج صعودا حتى نصل إلى أعلى الأجناس، وهو الجنس الذي ليس فوقه جنس آخر، ويُسمى جنس الأجناس، وما بينهما متوسطاتٌ، كل واحد منها جنس لما تحته نوعٌ مما فوقه، ئم إن كل جنس عالٍ هو جنس قريب لما تحته مباشرة، وهو جنس بعيد لما دون ذلك، والبُعدُ قد يكون بمرتبة أو أكثر، وكل فصل لنوع عالٍ هو فصل بعيد لنوع دونه، لأنه يميزه عن جنس أعلى منهما نوع تمييز.