سبق وأن تكلمنا عن الفرق بين طريقة الفقهاء وبعض الأصوليين، وطريقة جمهور الأصوليين في تعريف الحكم الشرعي، وذكرنا أن الدليل نفسه هو الخطاب عند جمهور الأصوليين وأن المدلول أو الأثر هو الخطاب عند الفقهاء وبعض الأصوليين، وأنه ينبغي اعتماد طريقة جمهور الأصوليين في التعريف.
بناء على ذلك ينبغي التفريق بين الواجب والوجوب والإيجاب.
فعلى الطريقة الأولى (طريقة الأصوليين) يقال الإيجاب والتحريم والاستحباب (الندب) والكراهة والإباحة، وعلى التعريف الثاني يقال الوجوب، والحرمة، و. . .
ويوضحه أن الحكم إن عرفناه بأنه خطاب الله الذي هو صفته، فيكون منه الإيجاب، أما الوجوب فإنما هو يتعلق بفعل المكلف، فهو صفة الفعل الذي وجب فهو أثر الإيجاب وهو الأليق بالتعريف الثاني، وأما الواجب فهو نفس فعل المكلف، فهو الوصف الذي ثبت للموجَب نفسه، أي قد وجب فهو واجب، وهكذا.
_________________
(١) ذكر الشيخ عبد الجليل بو النصر في رسالته" اجتهاد النبي - ﷺ - " أمثلة كثيرة وشواهد تدل على ما وقع من النبي - ﷺ - من اجتهاد سواء بالقول أم بالفعل أم بإقراره الصحابة أم بعدم إقرارهم، وذلك في شتى الأمور الدينية والدنيوية.
(٢) قال ابن مفلح في "أصوله" (٤/ ١٥٢٥): (لا يقر ﵇ على خطأ في اجتهاده إجماعا).
(٣) انظر: التمهيد (٤/ ٣٧٣)، أصول ابن مفلح (٤/ ١٥٢٠)، التحبير (٨/ ٣٩٩٥)، جمع الجوامع (٢/ ٣٩١ - البناني)، البحر المحيط (٤/ ٣٥٤)، الإبهاج (٣/ ١٩٦)، تيسير التحرير (٤/ ٢٣٦)، رفع الحاجب (٤/ ٥٦٧) روح المعاني (١٨/ ٢٢٤)، أفعال الرسول للأشقر (١/ ١٢٦).
[ ٩٩ ]
وإليك مثالا للتوضيح:
قوله تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) هذا خطاب من الله تعالى بإيجاب الصلاة على المكلف، وأثر هذا الخطاب أو ما ينتج عنه هو وجوب الصلاة على المكلف، وأما إقامة الصلاة فهي الواجب.
قال الأشقر في هامش الواضح (ص/٢٤): الإيجاب هو التعبير السليم، وهو طريقة الأصوليين، لا: الوجوب، ولا: الواجب
قال ابن النجار في شرح الكوكب المنير (١/ ٣٣٣): (ودل على أن الحكم صفة الحاكم، فنحو قوله تعالى (أَقِمِ الصَّلَاةَ) [الإسراء: ٧٨]، [لقمان: ١٧] يسمى باعتبار النظر إلى نفسه التي هي صفة لله تعالى إيجابا، ويسمى بالنظر إلى ما تعلق به، وهو فعل مكلف: وجوبا. فهما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار. فترى العلماء تارة يعرفون الإيجاب، وتارة يعرفون الوجوب نظرا إلى الاعتبارين) (١).
ومن الملاحظ أن الشيخ ما عرف الوجوب ولا الإيجاب وإنما يعرف الواجب.