من المقرر عند أهل السنة والجماعة أن المعدوم ليس بشيء خلافا للمعتزلة، فلو احترزنا عن خطاب المعدوم لقلنا: المتعلق بما يصح أن يكون فعلا للمكلف (٢)، ويجاب عن هذا بجوابين، وهما: أن المعدوم لما تعلقت الإرادة بإيجاده، صار تحقق وقوعه كوقوعه بالفعل، والثاني أنه يصح خطاب المعدومين من هذه الأمة تبعًا للموجودين منها.
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (٣/ ٣٧٠) " (وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) [مريم: ٩]، دليل على أن المعدوم ليس بشيء، ونظيره قوله
_________________
(١) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد وغيرهم من حديث عائشة - ﵂ -، وصححه الألباني.
(٢) انظر البحر المحيط للزركشي (١/ ٩١).
[ ٨٧ ]
تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) [النور: ٣٩]، وهذا هو الصواب، خلافا للمعتزلة القائلين: إن المعدوم الممكن وجوده شيء، مستدلين لذلك بقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]، قالوا: قد سماه الله شيئا قبل أن يقول له كن فيكون، وهو يدل على أنه شيء قبل وجوده، ولأجل هذا قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: لأن المعدوم ليس بشيء، أو ليس شيئا يعتد به، كقولهم: عجبت من لا شيء، وقول الشاعر:
وضاقت الأرض حتى كان هاربهم إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
لأن مراده بقوله: غير شيء، أي: إذا رأى شيئا تافها لا يعتد به كأنه لا شيء لحقارته ظنه رجلا ; لأن غير شيء بالكلية لا يصح وقوع الرؤية عليه، والتحقيق هو ما دلت عليه هذه الآية وأمثالها في القرآن: من أن المعدوم ليس بشيء، والجواب عن استدلالهم بالآية: أن ذلك المعدوم لما تعلقت الإرادة بإيجاده، صار تحقق وقوعه كوقوعه بالفعل، كقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) [النحل: ١]، وقوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) [الكهف: ٩٩]، وقوله: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ) [الزمر: ٦٩] وأمثال ذلك، كل هذه الأفعال الماضية الدالة على الوقوع بالفعل فيما مضى أطلقت مرادا بها المستقبل ; لأن تحقق وقوع ما ذكر صيره كالواقع بالفعل، وكذلك تسميته شيئا قبل وجوده لتحقق وجوده بإرادة الله تعالى).
وقال في "المذكرة" (ص/١٩٥): (قد دلت النصوص الصحيحة على خطاب المعدومين من هذه الأمة تبعًا للموجودين منها كقوله ﷺ: (تقاتلون اليهود. الحديث) وقوله: (تقاتلون قومًا نعالهم الشعر. الحديث) وقوله في قصة عيسى: (وإمامكم منكم) فالمقصود بجميع تلك الخطابات: المعدومون يومئذ بلا نزاع كما هو ظاهر، وإنما ساغ خطابهم تبعًا لأسلافهم الموجودين وقت الخطاب).