وهنا نكتة ينبغي التفطن لها، وهي أن الحكم الذي عرفه الشيخ يشمل الحكم الطلبي والوضعي، فالأول لا يصح أن يدخل فيه المجنون، والصغير؛ لوجود موانع التكليف فيهما، فالحديث بيَّن رفع القلم عنهم فلا عقاب ولا ثواب عليهم حال قيام
_________________
(١) وسوف يأتي - بإذن الله - الكلام على تكليف الجن، وأنهم مكلفون في الجملة ولكن تكليفهم لا على حد تكليف الإنس.
[ ٨٤ ]
العذر، وإنما هم مخاطبون بالحكم الوضعي فمن أتلف شيئا وجب علي وليه ضمانه، وأن ذلك من باب ربط الحكم بالسبب.
أولًا - على اعتبار صحة قوله: (فيشمل) فيكون الظاهر من عبارته - ﵀
- أنه يريد تعميم كلمة المكلفين لتشمل الصغير والمجنون، بمعنى أن يجعلها مرادفه لكلمة: العباد، أو الناس، كما عبر بها البعض (١).
وعليه فيحمل قوله في التعريف: (المتعلق) على ما يشمل التعلق بواسطة والتعلق بغير واسطة، فالتعلق بغير واسطة إنما هو لخطاب الطلب، والتعليق بواسطة إنما هو لخطاب الوضع فالتكليف هنا لأصحاب الموانع إنما يكون بواسطة خطاب وليهم في الصبي والمجنون ويتجه أيضا لمالك البهيمة (٢).
وهذا الوجه هو الأولى في حمل كلام الشيخ عليه نظرا لشموله الخطاب الطلبي، والوضعي، إلا أنه يشكل عليه ما سيأتي من فروق بين الخطابين (٣)، وأن بعض أنواع الخطاب الوضعي لا يصح أن تدخل في التعريف، وهي ما انفرد فيه خطاب الوضع عن خطاب التكليف: كزوال الشمس وسائر أوقات الصلوات أسباب لوجوبها، وطلوع الهلال سبب وجوب رمضان، وصلاة العيدين والشك والحيض مانع من الصلاة والصوم، والبلوغ شرط لوجوبها، وحؤول الحول شرط لوجوب الزكاة، فكل هذه متجردة عن خطاب الطلب، ليس هو فيها أنفسها، بل في غيرها، كالوجوب مثلا متعلق بالصلاة لا بالزوال، وبصوم رمضان لا بطلوع الهلال.
فهذا القسم واضح أنه لا يؤول إلى تكليف لا بواسطة ولا بغيرها، فهذا هو أحد وجوه ترجيحي للاحتمال الثاني في كلام الشيخ.
ثانيا - وأما على فرض صحة ما جاء في بعض النسخ من قوله: (فلا يشمل الصغير والمجنون) فلا يدخل فيه الحكم الوضعي، فيُلزم الشيخ بهذا التخصيص حذف
_________________
(١) انظر: شرح مختصر الروضة (١/ ١٦٧)، الإبهاج (١/ ٤٧)، التقرير والتحبير (٢/ ١٠٥)، البحر المحيط (١/ ٩١)، التوضيح في حل غوامض التنقيح (١/ ٢٦)، تيسير التحرير (٢/ ١٣٢)، شرح التلويح على التوضيح (١/ ٢٧).
(٢) انظر حاشية المطيعي على شرح الإسنوي لمنهاج البيضاوي (١/ ٦٠).
(٣) وسوف يأتي - بإذن الله تعالى - مزيد بيان لهذا عند الكلام على الحكم الوضعي.
[ ٨٥ ]
الحكم الوضعي من تعريف الحكم الشرعي - كما فعل الطوفي.
فالمجنون والصغير مرفوع عنهم القلم فلا عقاب ولا ثواب عليهم حال قيام العذر فلا يشملهم الخطاب الطلبي، ولكنهم مخاطبون بالحكم الوضعي من باب ربط الحكم بالسبب فلم يناسب هذا الاستثناء الذي ذكره الشيخ، فيحذف هذا القيد.
قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (١/ ٢٥٤): (قوله: «وقيل: أو الوضع» أي: قال بعض الأصوليين: الحكم خطاب الله، المتعلق بأفعال المكلفين، بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع. وأراد بذلك دخول الأحكام الثابتة بأسباب وضعية، وهو المسمى خطاب الوضع والإخبار، وذلك نحو صحة العقد وفساده، وقضاء العبادة وأدائها، ونصب الأسباب والشروط والموانع علامات على أحكامها، فإن هذه كلها أحكام شرعية، وليست خطابا اقتضاء ولا تخييرا، فإذا قيل: أو الوضع، دخلت تلك الأحكام في الحد المذكور فكمل، والعذر لمن لم يقل: أو الوضع، هو أن الحكم الشرعي ضربان: خطابي، أي: ثابت بالخطاب، ووضعي إخباري، أي: ثابت بالوضع والإخبار، وغرضه بالتعريف هاهنا الحكم الخطابي لا الوضعي، إذ ذلك يعقد له باب مستقل يذكر فيه.
ومأخذ الخلاف بينهما: أن أحدهما يريد تعريف الحكم الشرعي الأصلي، وهو الخطابي. أما الوضعي، فهو على خلاف الأصل، لضرورة قد بيناها عند ذكر خطاب الوضع. ولذلك قلنا: إن الأحكام السببية على خلاف الأصل، «والأولى أن يقال: مقتضى خطاب الشرع» المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا).
ويوضحه ما قاله في "مختصر الروضة" (ص/١٢): (من شروط المكلف: العقل، وفهم الخطاب. فلا تكليف على صبي ولا مجنون، لعدم المصحح للامتثال منهما، وهو قصد الطاعة. ووجوب الزكاة والغرامات في ماليهما، غير وارد، إذ هو من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، كوجوب الضمان ببعض أفعال البهائم).
وعليه فالأولى حذف القيد الأخير من التعريف وهو قوله: (أو وضع).