والمقلد قد يعرف بعض الأحكام مع أدلتها فيدخل في الحد.
وكل ما قلت عليه أنه داخل في الحد فهو مما يجعل الحد غير مانع.
مما سبق يظهر أنه لابد من إضافة قيد (المكتسبة) أي: المستنبطة عن طريق النظر والاستدلال ليخرج علم الله عزوجل فهو علم لازم لذاته لم يكتسبه.
وليخرج علم الرسول - ﷺ - فهو علم مستفاد من الوحي غير مكتسب عن طريق النظر والاستدلال.
ويخرج علم الملائكة فهو علم مستفاد من وحي الله إليهم، أو عن طريق النظر في اللوح المحفوظ، أو غير ذلك، فهو غير مكتسب عن طريق النظر والاستدلال.
ويخرج أيضا علم المقلد؛ لأنه لم يكتسبه عن طريق النظر والاستدلال.
السادس - (وهو مؤكد للأول من لزوم إضافة القيد السابق) إننا لو نظرنا إلى قول الشيخ (معرفة الأحكام) بأنه إن أراد به بعض الأحكام، دخل المقلد في الفقه، لأن كثيرا من المقلدين يعلم بعض الأحكام، مع أنه ليس بفقيه، فيكون الحد المذكور غير مانع، وإن أراد العلم بجميع الأحكام، لم يكن الحد جامعا، بل لم يوجد فقه ولا فقيه، إذ
[ ٧٣ ]
جميع الأحكام لا يحيط بها بشر؛ لأن الأئمة الأربعة وغيرهم سئلوا عن بعض الأحكام، فقالوا: لا ندري.
وجوابه: أن لنا التزام كل واحد من القسمين، فإن التزمنا أن المراد العلم ببعض الأحكام، فالمراد العلم بها بأدلتها وأماراتها ووجه استفادتها منها، والمقلد لا يعلم بعض الأحكام كذلك، فلا يدخل في الحد، فيكون مانعا. وإن التزمنا أن المراد العلم بجميع الأحكام، فالمراد العلم بجميعها بالقوة القريبة من الفعل، والمراد بذلك تهيؤه، يعني تهيؤ المجتهد للعلم بالجميع لأهليته للاجتهاد والاستنباط، لما عنده من الاستعداد بمعرفة أدلة الأحكام، ووجوه دلالتها، وكيفية اقتباس الأحكام منها.
والحاصل أنه ليس المعتبر أن يكون عالما بجميع الأحكام بالفعل، أعني يستحضرها في الحال، بل بعضها بالفعل والاستحضار، وبعضها بالقوة، بمعنى أنه يمكنه معرفتها بعرضها على أدلة الشرع التي قد استعد بمعرفتها لذلك، وهي ملكة الاستنباط، وحينئذ لا يلزم من العلم بها العلم بجميعها بالفعل، فلا يضر قول الأئمة: لا ندري في جواب ما سئلوا عنه من الأحكام، مع تمكنهم من علم ذلك بالاجتهاد قريبا، أي: على قرب من الزمان. بخلاف المقلد، فإنه لا يمكنه معرفة حكم لا يستحضره قريبا ولا بعيدا.
وعليه فيكون تعريف الشيخ للفقه اصطلاحا: (العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة بأدلتها التفصيلية).
وقد سبق بيان أن الفقه هو نفس الأحكام لا معرفتها ولا العلم بها فيكون تعريف الفقه المختار هو: (الأحكام الشرعية العملية المكتسبة بأدلتها التفصيلية).